لماذا بدأ موسم الهرولة العربية ؟
بقلم : عبد
الرحمن فرحانة
المسافة السياسية من
لاءات الخرطوم حتى الجلوس مع "الذئب المستأنس" شارون في شرم الشيخ ،
ربما نضطر من أجل قياسها لاستعارة مقياس فلكي مثل "السنة الضوئية". رغم
ذلك لم يكن انهيار الموقف العربي مفاجئاً لأن المحطات التي توقف بها خلال العقود
الماضية كانت تتجه نحو الانحدار ؛ من حالة الدور السياسي المشارك في صياغة القرار
السياسي الإقليمي حتى أدنى حالات انعدام الوزن السياسي الراهنة.
في "العصر
العروبي" منذ النكبة وحتى النكسة وما بعدهما ساد الخطاب العربي شعارات
العنترية العربية الذي تطورت في مرحلة لاحقة إلى خطاب الشجب والاستنكار ، ومن ثم
الصمود والتصدي المرافقة لعهد كامب ديفيد الأولى حتى انحدر لحالة "دول الطوق"
الناعمة.. وأخيراً حالة "دول الجوار" الأكثر نعومة.
مع هذا الانحدار في
الخط البياني للموقف العربي زمنياً وموضوعياً إلا أن العقل العربي لم يكن يتوقع أن
تعترف السياسة العربية بشارون "كعصفور سلام" وديع تستعد العواصم العربية
للتبرّك باحتضانه، لأن ذلك "ميتافيزيقيا سياسية" لا تستوعبها الذهنية
العربية مهما خُصّبتْ بهرمونات الخيال السياسي التي تباع في صيدليات العولمة
الأمريكية.
الهرولة العربية التي
بدأ يرشح شيئاً من فعالياتها المثيرة انصياعا ًلهراوة الصليبيين الجدد في
البنتاغون الأمريكي لا يوجد أي مبرر منطقي لها ، ولا يمكن حتى تفسيرها باللغة
الصينية القديمة، هذا بطبيعة الحال إن استحضرنا المصالح القومية وحتى القُطرية. أما
خارج هذا السياق فيمكن الحديث عن "حالة أندلسية" مستنسخة ولكن بإخراج
معاصر.
والحال كذلك وبلغة "أندلسية
معاصرة" ... فلماذا سباق الهرولة إذاً ؟
ملخص الحكاية أن "عصفور
السلام المفاجىء" في تل أبيب هو من
يمتلك مفتاح الرضا الإمبراطوري في واشنطن ، وبالتالي على ولاة الإقليم أن يدفعوا
ضريبة البقاء بأشكالها المتنوعة لقائد الحامية الأمريكية في بيت المقدس.
فسيف الإصلاح الذي
يشرعه الإمبراطور يخيف سادة الإقليم ، وليس أمامهم سوى اللجوء إلى قاعدة المقايضة
؛ التي ستؤمّن لهم البقاء . وهي قاعدة تقوم على شراء الرضا الإمبراطوري بأوراق
ثمينة من الملف الفلسطيني ؛ على أن تدفع الصفقة نقداً لصالح جنرال السلام الجديد
في تل أبيب.
الخطورة في الحالة
أنه يتوفر في الساحة الفلسطينية فريق يتناغم مع هذا الانكسار العربي الرسمي
ويُصنِّع مفردات سياسية يجري التسويق لها باعتبارها استجابة واعية لمعطيات واقعية
ينبغي التعاطي معها ببراغماتية ؛ مع تغليفها بأوراق السليفان الوطني .
على صعيد موازٍ يجري
بخطوات وئيدة ولكن حثيثة ؛ جهد دولي وإقليمي مشترك لنزع شوكة المقاومة التي توفر "شرفة
الأمل" في الأفق العربي الرسمي المنكسر ، ولخلق قابلية الانكسار في النسيج
الشعبي بضرب بطارية الشحن التي تمثلها المقاومة، ولا أحد يدري إلى أي مدى ستصل
الجهود الدولية في هذا المجال ، وكم حجم الاستجابة لها من قبل الأطراف الإقليمية.
ومحصلة المعادلة
السياسية العربية القائمة مقايضة دماء الشهداء مقابل أن يستبدل الذئب الصهيوني- شارون
عواءه الإقليمي بابتسامة الرضا "السامية"
كي تهب على المنطقة رياح "السلام المقدسة".
الهرولة رسمية .. صحيح
؛ والشعوب ملتصقة بالهوية ومتجذرة في مربع الرفض ، لكنّ النخب رغم اعترافنا
بممانعة قطاع عريض منها إلا أن الحالة تستدعي ليكونوا أكثر مسؤولية، فالمقبل في
المحيط العربي رياح عاتية تحتاج لأشرعة من نوع تحتمل أعاصير فوق العادة.