الرحيل .. لا
التجميل
بقلم
د. محمد زارع
فرحنا حين أعلن الطاغية حسني مبارك اقتراحه
بتعديل المادة 76 من الدستور المصري بحيث يكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب
بدلا من الاستفتاء
.. ولم
تكن فرحتنا لأننا صدقنا أنه يمكن أن يتنازل عن طغيانه بهذه السهولة .. ولكن لأنه
تنازل عن صلفه واستكباره ولو لبعض الوقت .. فبالأمس القريب كان يعلن بكل وضوح أنه
يرفض تعديل الدستور .. وأن الديمقراطية لن تأتي إلا بالإسلاميين الخطرين على
البلاد من وجهة نظره .. وهو اعتراف لا لبس فيه ولا غموض أنه يمارس القمع
والديكتاتورية خدمة لأعداء الوطن من الصهاينة والأمريكان وأتباعهم ونظرائهم
..
لكنه حين أدرك أن هؤلاء أيقنوا أن وجوده على سدة الحكم لمدة ربع قرن دون تغيير
أخطر عليهم من الإسلاميين الذين يمنعهم بالقوة من تولي أي مسئوليات .. بدأ ينافق
أولياءه في البيت الأبيض وتل أبيب .. ويدعي أنه سيتولى بنفسه إصلاحا سياسيا ..
بينما هو يتلاعب ويخادع ويناور .. أملا في البقاء .. وطمعا في المزيد من التسلط
والإفساد
..
ولأول مرة بدأ العرش يهتز من تحته .. وصرخات المصريين تصل إلى مسامعه .. وهتافات
المتظاهرين تدوي وتقرع أذنيه .. ( لا لمبارك – ارحل يا مبارك – كفاية – يسقط حسني
مبارك )
.. بدأ
الصنم الأكبر يتهاوى .. ولكنه لا يزال يحاول الخداع .. والتظاهر بالقوة حتى النفس
الأخير
..
كانت فرحتنا لهذا الانكسار الذي اضطر إليه تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية ..
ولكننا لم نتوقع في لحظة من اللحظات أن يقدم أي تنازل حقيقي .. خاصة وأنه محاط
بالإمعات والمنافقين من كل جانب .. يصفقون له في كل الأحوال .. حين أعلن رفضه
تعديل الدستور صفقوا له .. وحين أعلن النقيض ووافق على تعديل الدستور صفقوا أيضا
بنفس الحرارة .. وهكذا .. لا يخجل أحد منهم .. ولا يفكر في أن يحترم نفسه مرة
واحدة .. لا توجد حكومة أو برلمان أو مؤسسات .. المجتمع كله تلخص في شخص واحد إلا
من رحم الله – وهم قلة – وكما عبر
المستشار طارق البشري عن هذه الحالة بمصطلح شخصنة الدولة .. وهي حالة نادرة لم
تتكرر كثيرا في التاريخ البشري .. حتى الأحزاب التي تدعي أنها معارضة تلعب دورا
قبيحا لتطويل أمد الاستبداد .. وتوافق على إرجاء تعديل الدستور إلى ما بعد
الاستفتاء .. ثم يصفعها هو صفعة قوية ويعلن تعديل الدستور ليستبين تهافتهم المخزي
وتآمرهم المفضوح .. وهم راضون ومستمرون في تنصيب أنفسهم مجرد ديكورات لتجميل
النظام المتهالك .. حتى المرشد العام للإخوان المسلمين .. يشترك في نفس اللعبة
ويعلن أنه لا يمانع من استمرار حكم مبارك لدورة خامسة .. ولا أدري إن كانت جموع
الإخوان توافق على هذا النهج أم لا ؟ ! .. وعلى حسب صلتي بالعديد من عناصر الإخوان
من مختلف الأجيال .. وجدت أنهم مستاءون جدا من هذه التصريحات التي تحرجهم وتنأى
بهم عن الخط الوطني والمرجعية الإسلامية التي يرتكزون عليها .. وكان الأجدر به أن
يسكت .. إذا لم يكن قادرا على تحمل مسئولية قول الحق
.. لقد
أجرى موقع الجزيرة على الإنترنت استطلاعا للرأي حول قضية التمديد لحسني مبارك ..
فكانت نسبة الرافضين لاستمراره في الحكم 97 % .. والموافقين 7% فقط .. وإن كنت أرى
أن نسبة 7 % كثيرة جدا .. وربما لو أجري استطلاع شعبي موسع ما تعدت نسبة الموافقين
على استمراره 1% وهم الذين يمثلون مجموعة المنتفعين واللصوص والمزورين .. لكن
الجماهير الغفيرة من الشعب المصري لا يطيقون بقاء هذا النظام لحظة واحدة .. مهما
تفنن في التحايل .. واستعان بالأفاقين والكذابين لتزيين باطله .. وإطالة أمد حكمه
.. لذا
.. فلن تنخدع القوى الوطنية المخلصة بهذا الإفك اللعين .. وستواصل مسيرة الكفاح
والنضال لإسقاط هذا النظام الباطل .. ولن تقبل محاولات التجميل التي تستهدف تهدئة
الصراع .. أو الالتفاف حول إرادة التغيير التي انطلقت .. ولن تهدأ الثورة إلا
بالرحيل الكامل لكل دعائم هذا النظام الفاسد .. ولن نرضى بأي حلول جزئية أو
توافقية .. وسيخيب مكرهم .. ( والذين يمكرون السيئات لهم
عذاب شديد .. ومكر أولئك هو يبور ) 10 من
سورة فاطر