من أجل "إيمان صامت"

تفسير علماني لسورة العصر

 

 

 

 

بقلم :حسن السرات *

 

أخيرا، انتبه بعض "العلمانيين المسلمين" إلى أن العلمنة مستحيلة من خارج المرجعية الإسلامية، وأنه لا بد من إنجاز المهمة هذه المرة من داخل الحصن. أخيرا تأكد علمانيونا أن أحسن طريقة لإيقاف "الأسلمة" والقضاء على الإسلاميين هي منافستهم من داخل مرجعيتهم وتقديم قراءة جديدة للقرآن الكريم، وإنتاج "إسلامية-علمانية" بريئة من "آفة التسيس" قريبة من منطق "الشيطان الأخرس".

وما دام القرآن العظيم هو أصل الأصول والهادي للتي هي أقوم، وما دام خير المؤمنين هو من قرأ القرآن وعلمه، ثم فسره وبينه، فإن أولى عمل وأجداه في صرح "العلمنة المسلمة" هو تقديم تفسير علماني لسوره وآياته: تفسير لا يخضع للأصول التي تراكمت بإجماع العلماء والمفسرين عبر القرون، مثل تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالوحدة القياسية الفريدة في تاريخ المسلمين، أي بالسنة والسيرة والمجتمع النبوي الأول، فهذه الأصول -في نظرهم- تاريخانية فقط وهي وليدة واقعها والواقع يتغير، ثم "إننا لم نقرأ القرآن أبدا" -كما قال أحد قرائهم الجدد في كتاب يحمل العنوان نفسه- مثل قراءة هذا الزمان الذي تطورت في المعارف والعلوم البشرية بشكل مقطع النظير، ألسنا في نهاية التاريخ  وزمن الإنسان الأخير، والغرب يتولى اليوم ختام الإنسانيات، فلا حرج إذن من التخلي عن بعض القرآن أو جله أو أغلبه؟

وقد قدم لنا أحمد حرزني نموذجا لهذا التفسير العلماني الجديد من خلال ما نشره في صفحة الرأي بجريدة "الصحراء المغربية" ليوم السبت 17 محرم 1426ه/الموافق 26 فبراير 2005م، (العدد 5882 الصفحة 13) تحت عنوان "والعصر" حيث اعتبر تلك المقالة "محاولة متواضعة -والتعبير له- لقراءة سورة العصر، وذلك من أجل تخليص النقاش الدائر من المزايدات وإعفاء الأمة من خصومات مفتعلة". ويفعل حرزني ذلك -حسب تعبيره دائما- كفقيه مدني، لا كفقيه تقني، فطالما ردد حرزني ذاته أن "كل مسلم فقيه بالمعنى الواسع، بالمعنى الذي يتيح لكل مسلم عضو في الجماعة، مواطن من مواطني الأمة، أن يدلو بدلوه في جميع شؤون الأمة والجماعة، بما فيها الشؤون الدينية، لما يكتنف هذه الأخيرة من غموض وتحتاج إلى إعادة صياغة الإجماع حولها".

تخليص من المزايدات وإعفاء من الخصومات، قصد نبيل يعلن عن القيام به  أحمد حرزني، فالرجل بعبارة أخرى يستبطن تجربة أبي حامد الغزالي وينهض مثل "المنقذ من الضلال". فهل وفق حرزني في عمله ووفاه حسابه؟ أم ساهم فكان من المدحضين؟ أم اجتهد فكان من المأجورين ولو كان من المخطئين؟ أم أضاف مزايدة أخرى فوق ركام المزايدات وزاد في تأجيج الخصومات؟ وماهي الخلفيات الفكرية الغربية الثاوية في نفس حرزني وأمثاله من الذين تشاهبت قلوبهم بقلبه؟ ولكن قبل هذا وذاك يجدر بنا ويجب علينا أن نقدم موجزا لأهم الأفكار الواردة في التفسير الحرزني لسورة العصر، أو قراءته لسورة قال عنها حرزني -مصيبا- إن الشافعي قال عنها "لو تدبرها الناس لوسعتهم"، ثم علق مفسرا "أي لكفتهم عن غيرها من السور والمواعظ".

1- نحن في لحظة استثنائية من تاريخنا تشهد تهديد حرية وأمن العلاقة مع الخالق.

2- تخبرنا سورة العصر أن أغلبية الإنسانية محكوم عليها حتما بالخسر.

3- الإيمان يسير نحو التناقص والاستثناء.

4- لا داعي للدعوة لأن الله لم يكلف أحدا من المؤمنين، وعليهم الاكتفاء بالدعوة الصامتة، وعدم الإفراط في إظهار الإيمان.

5- الحق هو عدم المغالاة في معارضة واستنكار مظاهر الفساد.

6- الصبر هو تحمل مظاهر الفساد المحيطة.

7- من أوجب واجبات المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن كمواطنين لا كمؤمنين.

8- المعروف هو إحلال أقصى قدر من ممكن من العدل والإنصاف في توزيع فرص الولوج إلى السلطة والثروة والجاه.

9- منطق الإيمان شيء ومنطق السياسة شيء آخر، فلا يجوز أن يستقوي المؤمن بإيمانه في مجال السياسة، كما لا يجوز للسياسي أن يستقوي بما قد يتوفر له من سلطان للتدخل في أمور الدين والإيمان.

10- لا يسمح المؤمن لنفسه بأن يدعي أنه مكلف بإنقاذ المجتمع ولا بالأحرى البشرية جمعاء، فالله لم يكلفه، والله لم يرد إنقاذ البشرية، بل أرادها أن تكون في خسر.

11- معالجة القضايا الأساسية تتطلب برامج مستمدة من الدراسة العلمية للواقع ولا تتطلب مواعظ.

12- الانحرافات الجنسية والتعاطي للمسكرات والمخدرات والإجرام بمختلف أشكاله صغائر لا تستحق من المؤمن أن يلتفت إليها وإن تجاوزت حجمها الطبيعي.

13- مقاربة المؤمن لهذه الصغائر ينبغي أ ن تكون برأفة الطبيب لا بقسوة الرقيب.

هذه أهم الأفكار التي وردت في "قراءة" أحمد حرزني لسورة العصر، وقبل مناقشتها، أرى لزاما أن ننظر نظرة في السياق الحضاري الذي يتحكم في المقال: سياق نفسي وثقافي وسياسي بالمعنى العام للسياسة وليس بالمعنى الحزبي الضيق.

 

حيرة المناضل الحداثي

 

ليس من حق أحد أن يصادر رأي أحمد حرزني، بل على العكس من الواجب الدفاع عن حقه في إبداء الرأي والنظر في القرآن الكريم وكل شؤون الأمة والجماعة، خاصة الشؤون الدينية، وقد أصاب عندما قال إن كل مسلم فقيه بالمعنى الواسع، ولكل مسلم نصيبه من الفقه "المدني". ولكن من واجب أحمد حرزني أن يتقبل بدور إبداء النظر في نظره، والرد على قراءته للقرآن بالمنهج الذي اختاره. وإذا كان القرآن الكريم  ذاته لا يغلق الباب على أحد ليبصر ويدبر فيه ويفكر ويتذكر ولو كان كافرا به ، فمن باب أولى أن يلزم المؤمنين به أن لا يتخذوه مهجورا، وأن يمعنوا قراءته دائما، وأن يتلوه حق تلاوته ويرتلوه ترتيلا. وعليه فسوف أنظر بدوري في قراءة أحمد حرزني لسورة العصر بالصفة ذاتها التي نظر هو بها إلى القرآن الكريم، أي صورة "الفقيه المدني"، فأنا مثله لست خريج جامعة دينية متخصصة في علوم القرآن أو السنة أو مقاصد الشريعة الإسلامية، ولا أحمل مؤهلا علميا أجازني به عالم من العلماء الشيوخ أو تزكية منه. ولكني أحمل هما وقلقا شبيها بهم أحمد حرزني وقلقه، هم وقلق سكن في قاع النفس بفعل حداثة طاغية قاهرة أرادت أن تكون دينا شموليا جديدا يقصي الآخرين ويسحق مقوماتهم تحت سنابك العولمة وحوافر التحديث.

أليس أحمد حرزني واحدا من المناضلين الحداثيين الذين أفنوا أعمارهم بين دروب السياسة وجدران السجون وساحات التفكير المرهق؟ أجل، وإنه ما يزال على الدرب يقاوم. وإنه واحد من المناضلين اليساريين الحداثيين الذين يتألمون من عالم فقد وجهته وأضاع وجهه وهو يغادر القرن العشرين ويدلف في القرن الواحد والعشرين. وعند إرجاع البصر كرتين إلى القرن الماضي تجد أنه كان ممتلئا بالمعتقدات الجماعية التي تثير الخوف أكثر مما تثير الرجاء، والتي خرجت من رحمها ديكتاتوريات وشموليات أخذت الجماهير جملة وتفصيلا، ولم تجن منها سوى السراب والجوع والعذاب. حتى إذا ما استيقظت وراجعت حالها ونظرت مآلها، أيقنت أن تلك العقائد هي السبب، فتولدت لديها عقدة الإيمان المعلق الموقوف التنفيذ. وما يزال كثير من المراجعين يتساءلون باستغراب ودهشة، كيف أن أسماء جامعية وعلمية كبيرة استسلمت أمام الدوار الجماعي، وكيف آمنت عقول متحضرة، تظن نفسها متحررة، بشموليات مجنونة مهووسة كالقوميات العنصرية المتعصبة واللينينية القاتلة والهتليرية الهمجية والاستعمار الغاصب، وغيرها، حتى قال كلود لوفور في مقاله "القرن العشرون: الإيمان واللاإيمان"(مجلة إيسبري.فبراير 1995.ص 20)"إننا لم ننته بعد من التساؤل حول أشكال الإيمان التي عرفها القرن العشرون".

ولقد كان للسقوط الشيوعي المدوي عام 1989 المرحلة النهائية من هذا الجحود المؤلم والطويل للذات. سقوط أغرق في بحر لجي آخر الممسوسين المصروعين، وسجل هزيمة "المؤمن" أمام المتشكك الحذر وخسارة المناضل أمام المتيقظ المنتبه. ولما وقعت هذه الواقعة تبين للنظار والدارسين أي خطر داهم يشكله المزج بين العنف و"الإيمان" في الأنظمة الشمولية (التوتاليرية) وفق قول كلود لوفور نفسه. 

 هنا بالضبط سيطرت على كثير من المناضلين، خاصة من جهة اليسار والتقدمية، حيرة شديدة وإحساس بالضياع والتخطف والسقوط في مكان سحيق، فلم يجدوا بدا من التشبث بمركب الديمقراطية والبحث عن مأوى يحمي من "ظلامية" الأديان وشموليتها، ويدرأ عن المجتمع "الأخطار" المصاحبة للإيمان الجمعي، ويحاصر "التدين" في الدائرة الضيقة للفرد ويمنعه من "الدعوة" و"الدعاية". ثم كبر سؤال مؤرق مع توالي التحولات الكبرى: كيف نجمع بين الرغبة الدفينة في الإيمان والحذر من الانزلاق الجماعي المهووس؟

وأظن أن أحمد حرزني جاء ينظر في القرآن وسورة العصر بهذه المخاوف والمحنة الشعورية، ويبحث عن مخرج يحافظ به على "إيمان صامت" يروي الظمأ الروحي ويسكت النداء الفطري المتجذر في ظهورنا، ويشهد للكون برب بديع فاطر، ولكنه في الوقت نفسه لا يشعل فتنة عمياء في ميدان التنافس السياسي والحزبي. والحل في اجتهاد أحمد حرزني هو التخلي عن الدعوة، والعمل بقاعدة "من رأى منكم منكرا فليصمت"، وإذا ما أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فليفعل ذلك بمعزل عن الدين، وليلبس لباس المواطنة.

 

انقلاب المفاهيم

 

ولذلك تنقلب كثير من المفاهيم والمصطلحات القرآنية عند أحمد حرزني وتتخذ معاني أخرى مستوردة من مجال دلالي بعيد عن القرآن ذاته، فالخسر والإيمان والعمل الصالح والتواصي والحق والصبر الواردة في سورة العصر، تنقلب على القرآن وتصبح عكس مرادها غالبا، أو جزءا صغيرا منه، وهذا هو عين ما نهى القرآن عنه عندما وجه الذين ينظرون فيه إلى تجنب التبعيضية والتجزيئية والانتقائية. فالكتاب العزيز يفسر نفسه بنفسه، فلا يمكن أن نولد منه المعاني والمصطلحات والمفاهيم والنظريات ما لم نقم بجولة شاملة كاملة فيه أو ما يسمى الاستقراء التام، فضلا عن الاستقراء الناقص، الشيء الذي لم يفعله أحمد حرزني في هذه القراءة.

وأكثر من هذا، فإن قراءة أحمد حرزني للسورة ومعانيها تضطرنا إذا أخذنا بها إلى التخلي عن أكثر من نصف القرآن، فماذا نفعل بالآيات التي تفرض الدعوة على المؤمنين وهي كثيرة جدا، وهي التي تجعل كل مسلم وكل جماعة وكل دولة آمنت بالإسلام أن تكون الدعوة أولى أولوياتها، ولماذا بعث الأنبياء والمرسلون معززين بالمعجزات الحسية والمعنوية إلى أقوامهم وإلى العالم، وما معنى مسؤولية البلاغ المبين الذي كلف به الأنبياء وأتباعهم من المؤمنين؟ ألم يبعث خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام (شاهدا ومبشرا ونذيرا)؟ أليس في هذا تكليفا بإنقاذ البشرية؟

وأخطر مما سبق أن أحمد حرزني يتجاوز كل "المؤمنين" ليقدم ما لم ينزل به الله سلطانا، فيدعي أن الله لا يريد إنقاذ البشرية، بل يريد لها الخسران المبين والضلال البعيد، وفضلا عن أن هذا افتراء على الله وكذب عليه، فإنه يقدم صورة قبيحة عن الألوهية والربوبية. وشبيه بهذا أن أحمد حرزني يعطي لنفسه ما يمنعه على "المؤمنين" فينشر رأيه ويدعو إليه انطلاقا من فهم فهمه في سورة العصر، في حين يمنعهم من "الدعوة" و"الدعاية" لأفهامهم وآرائهم؟

 

مصدر التهديد

 

عندما استهل حرزني قراءته أشار إلى التهديد الذي تتعرض حرية وأمن العلاقة مع الخالق، أي حرية العبادة بجميع أشكالها -وفق قوله- ثم حدد مصر التهديد في بعض الناس الذين "يريدون تلقين غيرهم كيفية العبادة ويكفرون من شاؤوا، وينصبون أنفسهم أئمة، ويواعدون الجمهور ببعث الدولة الإسلامية الراشدة، إلى غير ذلك من الأوهام والادعاءات". وهذا مصدر حقيقي لتهديد العبادة والإيمان، ولا يسع أي مؤمن عاقل إلا أن يوافقه على مصدر التهديد هذا، لكن التهديد لا يأتي فقط من هذه الجهة، بل إن تصرف هذه الجهة ليس سوى رد فعل عن تهديد آخر للعبادة والإيمان وعلاقة المؤمنين بخالقهم. تهديد مارسته الحداثة والديمقراطية عندما انحرفتا عن رسالتيهما. فقد جاءت الحداثة وديمقراطيتها للقضاء على "الاستبداد الديني" ومصادرة الدين  واحتكاره والزعم بأن الرهبان والأحبار والملوك والسلاطين خلفاء الله وناطقون رسميون باسمه. ولوضع حد لهذا الاستغلال والاستبداد رأت "الأنوار" أن الحل هو فصل الإيمان عن السياسة، لأن "منطق الإيمان شيء ومنطق السياسة شيء" كما قال أحمد حرزني نفسه وهو يبرهن على ترك الإيمان جانبا عند الدخول إلى ميدان النضال السياسي في مجتمع إسلامي ودولة إسلامية. الاستغلال يا أحمد حرزني لم يقع للدين فقط، بل ها هو اليوم يقع للعلم الذي ظن الحداثيون أنه "إله جديد" و"منقذ جديد" و"نبي جديد" سيملأ الأرض عدلا وعلما، فإذا بنا اليوم أمام أخطار وكوارث رهيبة بسبب هذا الإله الظالم، واقرأ إن شئت الحجج والبراهين على ذلك في كتاب "مقدمة لقرن التهديدات" للبروفيسور الفرنسي "جاك بلامون" عضو أكاديمية العلوم والذي يحاضر في جامعة باريس 5 والمشارك في البرامج الفضائية الأوروبية بتعاون مع وكالة "الناسا" الأمريكية والمراكز الفضائية الروسية.

 

سؤال أخير

 

أخيرا، وقبل الختام، ليتساءل معي أحمد حرزني، ما هو جوهر "الأنوار" والحداثة" و"العلمانية" في العلاقة مع الدين؟ أليس هو كما قلت مكافحة الاستبداد إذا تدين؟ ألم تقع الثورات والتحولات وأزهقت الأرواح وارتكبت فظائع وسالت أودية من الدماء لتحرير البشر من المستبدين باسم الدين؟ أليس في الإسلام ضمانات أكثر من أي دين آخر وإيديولوجيا أخرى تمنع استغلاله والاستبداد باسمه؟

إن هذا السؤال الأخير يلخص القضية برمتها، ويضع كل الفقهاء "المدنيين" و"الدينيين" و"العلمانيين" و"الإسلاميين" أمام عقبة لابد من تجاوزها بالإجابة الصريحة وتقديم الحجج البليغة على البراءة من الاستبداد وجذوره وبذوره والاعتصام بالحرية جذورا وفروعا وأغصانا وأوراقا.

 

---------------------

* كاتب و مفكر مغربي