كذبة المدن المؤهلة
بقلم علي حتر *
يحاول الكثيرون وعلى
رأسهم مسؤولو الحكومة الأردنية ودعاة «تشجيع
الاستثمار حتى ولو على حساب قضايانا القومية»، وكتاب التدخل السريع وحملة أقلام
الدفاع عن التطبيع؛ التعلل بحجة «تجذب» العاملين في هذه المدن إلى جانبهم في
الدفاع عنها، وهذه الحجة هي «إن هذه المدن تشغل 15000 مواطنا أردنيا..»!!!
(هذا ما جاء في العدد
11 من نشرة وزارة الصناعة والتجارة الأردنية، الذي يذكر أن العدد الإجمالي للعمالة
في هذه المدن بلغ 30000 عامل في نهاية تشرين الأول (اكتوبر) 2004، نصفهم من
الأجانب.
(والأجانب في هذه
المدن يحتلون الوظائف الأهم، في حين تترك الوظائف الدونية والتكرارية للعمالة
المحلية)..!!
منذ أنشئت أولى المدن
الصناعية المؤهلة المشؤومة، عام 1997، ونحن نسمع من الحكومة أن هذه المدن توفر
أكثر من 23000 فرصة عمل للأردنيين، وبعد تسع سنوات، ما زلنا نسمع نفس الرقم، أي 23000
فرصة عمل، أو ما يقارب ذلك، رغم زيادة عدد المدن المؤهلة من واحدة إلى حوالي 21
عام 2004!!!!!
23000 فرصة عمل، ولكن
العاملين الأردنيين فعلا هم 15000 فقط!! وهم في غالبيتهم من الشباب دون مستوى
الثانوية العامة كما قال رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن!!
وهنا أنبه إلى أن سن
الثانوية العامة هو 18 سنة، وهذا خطر آخر يتعلق بعمالة الأطفال لتعويض النقص في
عمالة الكبار، وهذا يعني الراتب المتدني والفقر، لضمان تدني الأجور، كما يعني خطرا
آخر وهو خطر تشغيل الأطفال، دون أن تتحرك الجهات المسؤولة.
وقبل أن أصل إلى بيت
القصيد، أريد أن أذكر أن دراسات صندوق النقد الدولي تشير الى أن خط الفقر في
الأردن ما بين 150- 160 دينارا في الشهر، بينما حددت الحكومة الحد الأدنى للأجور
في المدن المؤهلة بـ85 دينارا، وهو سيبقى منخفضا، كما طلب حاتم الحلواني بصراحة،
رئيس لجنة إدارة غرفة صناعة عمان، لتشجيع المستثمرين على القدوم إلى هذه المدن،
وهذا لا يمكن أن يعني إلا قبول المنتفعين من هذه المدن والمتنفذين المتحكمين
بالقرار، ان يبقى المواطن الأردني الفقير فقيرا، لصالحهم ولصالح الاستثمارات
الأجنبية والتطبيع مع الكيان الصهيوني.
هنا أوضح أن راتب 85
دينارا، ليس إلا راتباً لفرد ينام في بيت أهله (أي يعيش في بيت ملك أهله بدون
استئجار) ويوفر له أهله معظم طعامه وملبسه، أي أن هذه الرواتب من المدن المؤهلة
تسد جزءا من حاجة الأفراد العاملين فقط، دون عائلاتهم، أي يقبضون نصف ما يلزمهم
ليكونوا فقراء، حسب صندوق النقد الدولي، مع الاستغلال والإذلال.
وهذا يعني أن هناك 15000
عامل أردني، (عدا السماسرة الكبار) يقبضون شهريا من كل هذه المدن، ما لا يزيد عن
مليون وثلاثمائة ألف دينار فقط، هذا عدا عن السرقة والتحايل وحالات الهروب
بالأموال، التي مارستها الشركات المؤهلة، أما الأرباح، فتتبخر إلى خارج الوطن.
هذا هو ثمن التنازل
عن القضايا الوطنية.
هناك حسبة صغيرة قمت
بها حديثا، بينت لي حقيقة، يجب ذكرها هنا، لأهميتها في إسكات الأصوات المدافعة عن
المدن المؤهلة.
مجموعتان صناعيتان
وطنيتان، بالرأسمال الوطني المستثمر محليا، وبدون تشجيع الاستثمار وبدون التنازل
عن القضايا القومية وبدون معاهدات مع العدو، ودون تأجير الأرض للعدو ودون معالجة
فضلات مصانعه، ودون إعطائه الطاقة والمياه، تدفعان لعمالهما المحليين فقط، أكثر
مما يدفعه مجموع المدن الصناعية في كامل التراب الوطني، (وتدفعان للعمالة العربية
خارج الأردن مبالغ مهمة أيضا، ولكنني سأتكلم فقط عما تدفعانه للعمالة المحلية)،
وهاتان المجموعتان هما مجموعة نقل الصناعية ومجموعة أبناء منير السختيان.
ما تدفعه هاتان
المجموعتان من رواتب وفوائد ومكافآت، يصل إلى مليون واربعمائة ألف دينار تقريبا،
وتبقى أرباحهما في البلد، أي أكثر مما تدفعه كل المدن الصناعية المؤهلة مجتمعة
للعمالة المحلية، أي أن الرأسمالية الوطنية قادرة لو استثمرت أموالها، في الوطن،
أن تقدم حلولا لمشاكل الوطن، وهذا هو الاستثمار الحقيقي الذي يستحق التشجيع، رغم
عدم تنازلي عن فهم الصراع العادي بين العمال وأصحاب رأسالمال. ما أكثر مسؤولينا
الذين يملكون الملايين، ولا يستثمرونها محليا.
وأخيرا اقول: ألا تدل
الأرقام السابقة، أن المستفيد من المدن المؤهلة ليس الوطن، ولا أبناءه، بل العدو
والعدو فقط..؟.
-------------
* كاتب أردني