تسونامي ومشكلة الشر والنجاة من البلاء

1\2

 

 

 

بقلم : د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

يدعونا مبدأ الذاتية الإسلامية إلى تصحيح ما جرت عليه عادة المسلم في توجهه إلى ربه في طلب النجاة من البلاء ، وبخاصة في عصور التغريب ، والجهل بالمنطلقات الأساسية للإسلام.

إن الأمر يدعو إلى تجلية البدهيات والأساسيات الإسلامية ، حول هذا الموضوع ، تلك التي تاهت عنها أقدام المسلمين المعاصرين ، وهم الذين يجأرون  اليوم بطلب النجاة ، وهم في واقع طلبهم هذا قد يرتكبون إثما جديدا يبعدهم عن النجاة .

إن الأمر يحتاج إلي تجلية أساسيات الموضوع وأولياته : ما هو تصور المسلم لمعنى النجاة ، وارتباط هذا المعنى بمعنى الفلاح ؟ إمكانات النجاة ؟ نجاة مَن ؟ من أي شيء ينجو ؟ ممن يطلب ؟ مقاييس النجاة التي بينها مالك النجاة  وأهمية الالتزام بها عند الطلب ؟ مسئولية الأمة في النجاة ؟

 

وللإجابة على هذه الأسئلة  لابد من معالجة إسلامية  لمشكلة الخير والشر كمدخل ضروري لبحث الموضوع .

 

وهنا يمكن القول بأن مشكلة الخير والشر في الفكر البشري والفلسفة ما تزال هي المشكلة التي يتحصن بها الإلحاد في محاربته لعقيدة الألوهية ،  بعد أن زالت تقريبا في العصر الحديث الشبهات الأخرى التي يثيرها  ضد الإيمان بالله تعالى .

لقد زالت - أو تكاد - شبهات الإلحاد ضد الاعتقاد بالغيبيات بعد أن أصبحت المادة نفسها في نظر العلم الحديث شيئا غير مادي .( أنظر مقالنا بالشعب لتاريخ 17\8\4 بعنوان " العلمانية ودورها في إنشاء ديانة شمعية ميتة )

وزالت  - أو تكاد - شبهات القول بكفاية القوانين التي تحكم التطور الطبيعي ، بعد ما تبين علميا أن ما يسمى " قوانين الطبيعة " ليست حتمية ، وتبين فلسفيا أن قوانين تطورها ليست ذاتية إذ هي في حاجة إلى عناية وتخطيط وقصد وإرادة لا تملك المادة الطبيعية شيئا منها.

وزالت - أو تكاد - شبهات القول بكفاية العلم التجريبي بعد ما تبين فشله في تلبية أشواق الإنسانية إلى المعرفة والقيم ، وأصبح كثير من المفكرين العصريين يعلنون : أنه ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان . وسوف نتحدث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله

لكن شبهة وجود الشر في العالم ما تزال موضع الاستغلال من أعداء الدين يقول هرمان راندال في كتابه ( تكوين العقل الحديث  ج2ص 244 وما بعدها ) : ( والحقيقة أنه لا يمكن أن يوجد اعتراض علمي  على تفسير مجرى الطبيعة كعملية إلهية …. والاعتراض الواحد الكبير على مثل هذا التفسير هو مشكلة الشر  العريقة في القدم  )

ويفسر هريرت سبنسر وجود الشر تفسيرا خيريا بنظريته الصارمة في التطور – منطلقا من إرادة الإلحاد - حيث يقول ( إن فقر العاجزين ، والمصائب التي تنصب على الغافلين ، ومجاعة العاطلين ، والضربات التي يسددها الأقوياء إلى الضعفاء .. هذه كلها تدابير طيبة بعيدة النظر ، وإنه من الصعب علينا أن نتقبل أن يأتي عامل عديم المهارة لا يستطيع التفوق رغم جهوده كلها فيلحق الفقر بصانع ماهر …. ولو نظرنا إلى هذه الأقدار القاسية غير منفصل بعضها عن بعض ، بل على ضوء مصالح الإنسانية الشاملة لرأيناها منطوية على أسمى الإحسان ) ثم يقول : ( إننا لا نعتبره عطفا حقيقيا من الأم أن تعمد إلى إرضاء طفلها بالحلوى بشكل يضر بصحته حتما ، كما أننا نعتبر ه نوعا سخيفا جدا من الرحمة ، تلك الرحمة التي تدفع الطبيب إلى ترك داء المريض يستفحل إلى درجة مميتة لئلا يؤلمه بإجراء عملية جراحية ، ويجب أن ننعت بنفس الوصف أولئك المحسنين المزيفين الذين يحاولون أن يدفعوا البؤس الحاضر فيوقعوا الأجيال المقبلة في بؤس أشد ، ويجب أن ندخل في هذه الزمرة جميع أنصار قانون حماية الفقراء ؛ إن أصدقاء المعوزين هؤلاء ينكرون تلك الضرورة القاسية التي إذا سمح لها بأن تفعل فعلها تصبح حافزا شديد الوخز للكسالى ،ولجاما قويا للمتشردين ، وإنما يدفعهم إلى إنكارها ما تسببه من عويل ونواح هنا وهناك . وهؤلاء الأشخاص بسطاء التفكير إذ يعمون عن أن المجتمع في كل النظام الطبيعي ينفي من جسمه باستمرار أفراده المرضى ، والأغبياء والكسالى المترنحين ، الكفرة !! ، إنهم إذ يعمون عن هذه الحقيقة رغم حسن نواياهم ، يقترحون القيام بتدخل في مجرى النظام الطبيعي ، من شأنه لا أن يوقف عملية التصفية فحسب ، بل أن يزيد من الفساد … وهكذا نرى هؤلاء الأشخاص الذين يرون الحكمة في التنهد ، وإظهار الحزن ،وهم يحاولون القضاء على الآلام المفيدة التي تحيط بنا ، إنما يورثون الأجيال القادمة لعنة متزايدة باستمرار )  أنظر المصدر السابق ، ترجمة جورج طعمة ج2 ص 480\ 481 ، هكذا كان الحل لمشكلة الشر عند هربرت سبنسر بعيدا عن هدي الله .

أما برتراند رسل فإنه بعد أن يجد نفسه أمام القانون الثاني للديناميكا الحرارية ، وما يدل عليه من حدوث العالم ، وما يقضي به من الإقرار بالصانع وبعد أن يرتكب حماقة التملص من حصار هذا القانون بما يشبه الهذيان ( أنظر كتابه " مجموعة عالمنا المجنون " ترجمة نظمي لوقا ص 70 ) نراه يحاول أن يستند إلى مشكلة وجود الشر في العالم لإنكار القول بوجود الله ، يقول في أسلوب انطباعي تهريجي ( بعض الناس يتعزون بفكرة أن الله إذا كان قد صنع العالم - أي بوجود الشر فيه - فقد يعيد بناءه حين يتم له الانهيار - يشير في سخرية إلى حقيقة الآخرة - وإنني - هكذا يقول - لا أرى أن عملية كريهة يمكن أن تقل كراهيتنا لها بأن نفكر في إمكانية إعادتها إلى مالا نهاية)

ومن الواضح أن رسل لم يكن جادا وهو يسوق اعتراضه على وجود العالم على هذا النحو التشاؤمي المطلق ، ذلك لأن رسل يناقض نفسه عندما يتسع أفقه إلى حدود ينظر فيها إلى العالم نظرة التفاؤل والقبول ؛ ذلك ما نجده في مواضع أخرى ، إذ يقول : ( إن العالم زاخر بشتى الأشياء : بعضها جميل ، وبعضها قبيح ، وأجزاء تبدو رديئة وأجزاء تبدو حسنة ) المصدر السابق ص 81 ، ويقول : ( إني لا أضع حدا فاصلا بين الخير والشر ، بل إني أرى أن الخير في بعض الأحيان قد ينقلب إلى شر ، والعكس طبعا صحيح .. ) المصدر السابق ص96 وهو ينعي على من يشكون من شقائهم في هذا العالم ، فيقول : ( وجملة القول أن أسباب الشقاء ترجع إلى أساس مشترك ، هو الحرمان في الصغر من لذة طبيعية ، تضخمت أهميتها مع التقدم في العمر ، وانعدام التوازن في الاتجاه النفسي مع الشعور بالضياع ) تراه يحلل نفسه فرويديا ؟؟!  أنظر المصدر السابق ص 154 ، ثم إنه يقول ( فالعقل لا يمكن أن يحظر علينا السعادة ، بل إني أعتقد أن هؤلاء الذين يرجعون شقاءهم إلى فكرتهم عن الكون أشبه بمن يضعون العربة أمام الجواد ، فهم في الأصل أشقياء لسبب آخر لا يدرون ما هو ، وهذا الشقاء هو الذي  يجنح بهم إلى التشبث بأوجه النقص في عالمهم ) المصدر السابق ص155 ، ثم يستعرض تشاؤم سليمان الحكيم في سفر الجامعة ، ويحلل أسبابه ، ويبطلها جميعا ، ( المصدر السابق من ص 159 إلى 164 ) ، بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك إذ يقرر أن " النقص " من عوامل الحصول على السعادة ، إذ يقول : ( لابد لحصول السعادة من عنصر لا غنى عنه ، وهو شعورك أن شيئا ينقصك ويسعدك أن تحصل عليه ) المصدر السابق ص 159  ، وإذن فإن رسل ليس جادا  ولا مخلصا ولا صادقا في ادعائه أن ما عليه العالم من شرور هو سبب رفضه لفكرة وجود الله ، إن الأمر كما يقول هو عنه : ( مرد هذا من غير شك إلى ضعف الشعور الديني لدي ) المصدر السابق ص 71 ، وكما يقول هو عن سير أرثر أدنجتون ( ليس من سبب يمنعه من ذلك – أي من الإيمان بوجود الله -  إلا عدم حبه لهذه الفكرة ) المصدر السابق ص 69 . ونحن غير معنيين بالرد التفصيلي  عليه في هذا الموضع ، ونرى فيما نذكره من النقاط العامة فيما يلي كفاية بالنسبة لجميع زوايا الموضوع .

 

وهنا يمكننا أن ننطلق من عدة مبادئ في مواجهة هذه الشبهة أعني شبهة الشر :

أولا : أن شعورنا بوجود الشر في العالم ناشئ من مشكلة تواجهنا من خلال نظرية المعرفة ، وليس من نظرية في الوجود ، - قارن ذلك باعتقاد المسيحية أن الإنسان شرير بطبعه  : كتاب تكوين العقل الحديث لهرمان رانال  ص 231 إلى 245 - وبعبارة أخرى أن هذا الشعور لا يرجع إلى إدراك موضوعي لوجود ما يسمى شرا ، ولكنه راجع إلى محدودية قدرتنا الإنسانية في المعرفة ، ذلك أن إمكانية الإنسان في مجال المعرفة محدودة بحدود ضيقة من مجال الكون والأرض والإنسان ، وإذن فليس من صلاحية هذه المعرفة أن تحكم على الصورة الكلية الشاملة ، وكما نعرف فإن المتطلع إلى صورة ما لا يمكنه الحكم عليها بالجمال أو بالقبح ، بالخير أو بالشر ،  بمجرد رؤية بقعة منها في هذه الزاوية أو تلك ،  ولكن عليه - إذا أراد أن يحكم عليها من خلال نظرته هو  - أن ينظر إليها نظرة شاملة  من جميع الزوايا  ، وهو شرط لا يمكن تحقيقه من خلال المعرفة الإنسانية المستقلة ، وهنا يأتي مغزى قصة الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام ، حيث كان موسى عليه السلام يغير حكمه على الصورة التي تعرض له عندما يكشف له عن الجانب الخفي منها .

 

ثانيا : أن شعورنا بوجود الشر ناشئ من ممارسات لنا  - فرديا أو اجتماعيا - خارج النظام الذي انطبع عليه نسيج العالم ، وحيث إن هذا النظام هو الذي يتيح لنا أن نجني من العالم خيره ، فإن الخروج عليه - طلبا لخير جزئي موهوم - لابد من أن يؤدي إلى إخلال بما وضع عليه هذا النظام . وكما يقول جورج باركلي  - وهو رجل دين وفيلسوف إنجليزي -

( إنما يريد الله النظام محبة بنا ، لكي نستمد من التجربة توقعا مفيدا في أفعالنا المستقبلة )  . فالذي يطلب الخير من النظام بالخروج عليه يرتكب تناقضا نظريا وعمليا في آن  .

 

ويترتب على ذلك القول بأن شعورنا بوقوع الشر _ في الدائرة الفردية -  يكون في كثير من الأحيان نتيجة التناول الخاطئ بعيدا عن النظام الموضوع أصلا لخيره ، وعلى سبيل المثال فالسم موجود ، وهو خير إذا تناولته بطريقة صحيحة ، وهو شر إذا تناولته بطريقة خاطئة ، وإذن فالشر وصف لعلاقة قابلة للتغيير بين موجودين ، وليست وصفا لموجود موضوعي .

 

ولاضمان ضد هذا التناول الخاطئ إلا إذا تخلصنا من خير أعظم : وهو حرية الإنسان بخيريتها من ناحية ، واطراد النظام بخيريته من ناحية أخرى .فمرجع الأمر هنا إلى اختيارية الإنسان  ، وخيرية هذه الاختيارية  ، فالذي يطلب الخير بالحصول على هذا الضمان يطلب شرا ويرتكب تناقضا أيضا .

وما على الإنسان لكي  يستفيد بإمكانات الخير في هذا النظام إلا بأن يمتثل - باختياره أيضا - لتعليمات واضع هذا النظام ، وهنا يصبح الإيمان والتسليم هو الطريق للخير  .

 

ثالثا : وإذا وصلنا إلى هذه النقطة يصبح من الميسور إدراك خيرية ما يقع مخالفا لرغبة الإنسان  سواء من خلال الرؤية الواقعية الفردية  لأحداث الحياة - فقد عزيز مثلا - أو من خلال الرؤية النظامية لأحداث الطبيعة - زلزال مثلا - لأن هذا الحدث - فضلا عن جريانه في مجرى النظام بخيريته البناءة   -  مشمول في الرؤية الفردية وما يترتب عليها من ألم ، بانضمام ما تقرره الرؤية الدينية من تعويض لهذا الألم ، _ في الدنيا أو الآخرة أو كليهما يتحول الألم به إلى مصدر للخير، يتمنى المرء أن لو كان قد أصيب بأضعافه من قبل ، كسبب لمضاعفة التعويض والثواب .

 

رابعا : إنه وإن جاز لبعض المفكرين إنكار وجود الخير نظريا فإنهم مهما كانت آراؤهم النظرية .. تراهم يضمنون سلوكهم الفعلي إيمانا بالخير الذي يطلبونه لأنفسهم  ، ويرجع سبب الغموض في تصور الفرد عن الخير العام في مثل هذه الحالة لا إلى عدم وجود هذا الخير العام ،  ولكن إلى أن خبرتنا هي قبل كل شيء محدودة معقدة ، ونحن لا نستطيع أن نعرف الخير إلا بقدر ما نخبره ، وهناك بالتأكيد ضروب من الخير لم تحط بها خبرتنا ، ولابد هنا من نقل قضية التسليم من مجال الإيمان العملي الذاتي الساذج أو الطفولي إن صح التعبير - إلى مجال الإيمان العملي الذاتي الديني رفيع المستوى ، أي بأن يكون التسليم العملي هنا من أجل الخير الذاتي في خلاص الذات فيما بعد الموت ، من المصير الذي أعد ضمن نظام الله في الكون للخارجين على أوامره ونواهيه ، وهنا يصبح استهداف الخير الذاتي الفردي شاملا للعمل من أجل الخير العام ، من حيث إن أوامر الله ونواهيه تحرض على هذا الخير العام وتحرص عليه وتجازي عليه .

 

خامسا : ومن خلال القيمة الفردية للإنسان لا مفر أمامه عمليا من إيمانه بالخير ، ولو أن إنسانا رفض هذا الإيمان لاستحالت حياته ، لأن رفضا كهذا يهدم أساس حياته كله ، إذ لا يكون لها قيمة أو مبرر ، ولو أن إنسانا أكد استعداده لذلك لا بشفتيه ولكن عمليا لافتقد كل فرصة  لإجراء هذا الحوار .

سادسا : ومن خلال علاقة الحب يجد الإنسان مفهوم الخير المطلق ؛ وهو وإن لم يختبر هذا المفهوم عمليا في نطاق العلاقات الإنسانية  .. لكن لنا أن نتصور للحب مدارج ، فإذا كان مفهوم الخير ناقصا في مدارجه الأولى فإن هذا النقص يزول بالصعود إلى  أعلى هذه المدارج في مقام الحب الإلهي .

 

سابعا: وكجزء من النظام واكتماله في الرؤية الشاملة ، ندرك أن النقص ليس شيئا وجوديا وإنما هو مسألة اعتبارية ، ومن ثم لا يوصف بالشرية  أو الخيرية ، كما ندرك أن النقص بمضمونه الاعتباري يدل على الكمال ولا يلغيه ، كما أن وجود الحادث لا يلغي وجود المحدِث ، بل يؤكده  ، وأنه لا يجوز في ميزان المنطق ، ولا في ميزان القيم أن يقوم الناقص بمراجعة أفعال الكامل أو تقييمها ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) .

ولاشيء موجود إلا وعند الله كماله ، يتم له كماله بالانخراط في نظام الله ، تحت عنايته ورعايته وطاعته ، وإذن فإن الإنسان لديه الطريق للتخلص من الشر  بالاعتصام بالله والاقتدار به .

 

ثامنا : في إطار إدراك الإنسان لنسبيته - سواء بحسب نظرية المعرفة ، أو بحسب نظرية الوجود - عليه أن يدرك أنه ليس كيانا قائما بذاته  ، وإنما هو جزء من كل هو هذا الكون

وكونه جزءا من هذا الكل ينطوي على تحقيق الخير له .

وكونه جزءا من هذا الكل يقتضي مراعاة قوانين الكل ، والانسجام مع الكل .

ومصدر شعور الإنسان بالشقاء أو الوقوع في براثن الشر  .. أنه في الوقت الذي يتعامل فيه مع الكل باعتباره جزءا منه  ، ليستفيد من هذه العلاقة …يرغب في أن يأخذ وضع الكائن القائم بذاته ، الذي من حقه وحده أن لا يعطي وزنا لخطوط مسيرة الكل ، ويرى فيها - إذا لم تنسجم مع إرادته - مساسا  بذاته .

 

تاسعا : وفي نظام الله للكون يتم توظيف الحرمان للحصول على النوال  ، بل نقول إنه - في نطاق محدودية الناقص ونسبيته وقوانين حصوله على المعرفة - يصبح الحرمان هو الطريق الوحيد - معرفيا  - للحصول على النوال ، ذلك أن الحرمان الذي يحس به الإنسان – آدم - إنما تقرر أصلا لخيريته من حيث إنه يتم لتمكينه من الشعور بالنعيم إذ لا شعور بالنعيم بغير تجربة للحرمان .

 

بهذه الحقائق :

(1)  خيرية النظام الكوني ، والحرية الإنسانية .

(2)  جهل خبايا الخير والشر ، إلا أن يكون بكلمة ممن يملك المعرفة المطلقة والعلم الكامل وهو الله تعالى .

(3)  نسبية المعرفة الإنسانية القاضية بتوظيف الحرمان من أجل إدراك النوال .

(4)  انضمام التعويض والثواب الإلهي إلى موازين تقدير ما يحدث للإنسان من أحداث ، إن خيرا وإن شرا  .

(5)  جزئية الوجود الإنساني بالنسبة للكون ، وخيرية هذه الجزئية للإنسان ،وشرية انتقاضه على الكل الذي هو جزء منه

(6)  استقرار مفهوم الخير عمليا في مواجهة الشكوك النظرية البحتة .

 

بهذه الحقائق تزول من الفكر البشري شبهة الشر كأساس للإلحاد .

كما تزول منه حيرته في تقدير الخير والشر .

ويستقر لديه مرجعية الله وحده في يقينية هذا التقدير .

فالله وحده - بما له من علم محيط بكل شيء ، شامل لكل شيء - ، هو وحده الذي يمكنه أن يحقق  الخير  لنا  .

وهو وحده الذي يعلم - بكماله - طريق تكميل الناقص ، وتمكينه من إدراك الخير : بشرط التسليم له سبحانه ، وهنا بالتحديد يأتي دور البلاء  .

 

****

وطبقا للذاتية الإسلامية فإننا نجد للبلاء موقعا في خريطة الإنسان في العالم : ويتأمل المتأملون في معنى الكارثة أو معنى الموت بين كونه - على سبيل الاختصار - : ابتلاء للصبر ، أو ابتلاء للتكفير عن السيئات ، أو ابتلاء للعقاب ، أو ابتلاء لادخار الحسنات ، أو ابتلاء للتذكير بقوانين الله في الطبيعة أو قوانينه في التاريخ ، أو ابتلاء للتذكير بجبروت الخالق ، مقارنا بألاعيب المخلوق .. ولكل نصيبه النوعي من هذا الابتلاء حسب موقعه أو مقامه عند الله . أنظر مقالنا بموقع شهود http://www.shohood.net/main.asp بتاريخ 25\2\2005

وتفصيلا لذلك نجد أنه قد :

 

(1)   يأتي البلاء لهدف بنائي في زرع الإيمان وترقيته كلما مارسنا الإيمان ، أو توغلنا فيه .

  والأنبياء مشمولون في هذا البلاء

  يقول الله تعالى ( ووالد وما ولد ،  لقد خلقنا الإنسان في كبد ) 3- 4 البلد .

ويقول تعالى ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وأولئك لهم الخيرات  وأولئك هم المفلحون )  88 التوبة

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في جوابه لمن سأله : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء ، ثم الأمثل ، فالأمثل ،  فيبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه،  وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة  رواه الترمذي في سننه وقال : حسن صحيح

وفي مسند أبي داود الطيالسي بسنده عن عياض المجاشعي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته : أن الله قال له :  (  يا محمد إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ) .

وفي سنن ابن ماجة  بسنده عن أبي سعيد الخدري قال  : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فوضعت يدي عليه ، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف ،  فقلت يا رسول الله : ما أشدها عليك ! قال :( إنا كذلك يضعف لنا البلاء ، ويضعف لنا الأجر )  ،  قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : ( الأنبياء) قلت :  يا رسول الله ثم من ؟  قال : ( ثم الصالحون ،  إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر ،  حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها ،  وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء  ! )

وفي مسند أحمد بسنده  عن أبي سعيد الخدري قال  : وضع رجل يده على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك  ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ، إن كان النبي من الأنبياء يبتلى بالقمل حتى يقتله ،  وإن كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباءة فيخونها،  وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء ) *

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط  ) رواه ابن ماجة في سننه

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله  ، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة  )  وراه الترمذي في سننه وقال : حسن صحيح *

ويقول  رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض . )  رواه الترمذي في سننه

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الدنيا من الكفار   فيقال اغمسوه في النار غمسة فيغمس فيها  ، ثم يقال له : أي فلان هل أصابك نعيم قط ؟ فيقول :  لا ، ما أصابني نعيم قط ،  ويؤتى بأشد المؤمنين ضرا وبلاء فيقال : اغمسوه غمسة في الجنة فيغمس فيها غمسة  ، فيقال له  : أي فلان هل أصابك ضر قط أو بلاء  ؟ فيقول ما أصابني قط ضر ولا بلاء . رواه ابن ماجة في سننه .وفي مسند أحمد مثله بمعناه

و في صحيح البخاري بسنده  عن عائشة رضي الله عنها قالت  : دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئا غير تمرة ، فأعطيتها إياها ، فقسمتها بين ابنتيها ، ولم تأكل منها ، ثم قامت ، فخرجت ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم علينا ، فأخبرته  ، فقال : ( من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار  )

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (  إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده  ، ثم صبره على ذلك ، حتى يبلغه المنـزلة التي سبقت له من الله تعالى   ) رواه أبو داود في سننه .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ،  وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ،  ومن سخط فله السخط ) رواه الترمذي في سننه بسنده  ، وفي مسند أحمد مثله بمعناه

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها ) رواه البخاري في صحيحه

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا في إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا  : أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله ،  وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك  ) رواه ابن ماجة في سننه .

ويقول  رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عجبت من قضاء الله عز وجل للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر ، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر ، المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته  ) وفي رواية أخرى  : ( … إلى فيه ) رواه الإمام أحمد في مسنده

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم  : ( ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها ، وإن طال عهدها فيحدث لذلك استرجاعا ، إلا جدد الله له عند ذلك  : فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها  ) رواه الإمام أحمد في مسنده .

  ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (  ما من مسلمين يتوفى لهم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته للمصيبة ) رواه الإمام أحمد في مسنده

( والحنث بلوغ الحلم وسن التكليف )

  وفي صحيح البخاري بسنده عن عبد الله بن عباس  رضي الله عنهما  أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل قال له  : سألتك كيف كان قتالكم إياه ؟ فزعمت أن الحرب سجال ودول ، فكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لهم العاقبة ) .

وفي هذا السياق من سياقات البلاء يأتي قوله صلى الله عليه وسلم  ( والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ، ثم أحيا ثم أقتل ، ثم أحيا ثم أقتل  ) فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثا أشهد بالله  ، رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه .

ولهذا يمكن القول بأن  أعلى درجات هذا السياق ينتهي في أعلاه  بصنع الإنسان الكامل  في مثله الأعلى :  محمد صلى الله عليه وسلم

 

 

(2)  ويأتي البلاء لهدف الكشف والإظهار كلما ادعينا " الإيمان أو تفاخرنا به  .

يقول الله تعالى (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ، إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) 1-3 الإنسان

ويقول تعالى : ( ألم ، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين  ، أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ، من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت ، وهو السميع العليم ) 1-5 العنكبوت

 

( 3) أو يأتي البلاء لهدف وضع الإيمان في موضعه من الجدية اللازمة كلما استسهلنا الإيمان ، أو استخففنا به  .

يقول تعالى: ( وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ، ثم تاب الله عليهم ، ثم عموا وصموا كثير منهم ، والله بصير بما يعملون ) 71 المائدة  .

ويقول تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) 142 آل عمران

ويقول تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ، مستهم البأساء والضراء ، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ، ألا إن نصر الله قريب ) 214 البقرة

ويقول الله تعالى :( قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) 154 آل عمران *

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء ، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء ) رواه البخاري في صحيحه .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ،  ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد ) رواه مسلم في صحيحه

وفي  صحيح البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها في تفسير قوله تعالى ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا ) قالت  : ( هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم ، وصدقوهم وطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم ، وظنوا أن أتباعهم كذبوهم ، جاءهم نصر الله . )

و في صحيح مسلم  بسنده  عن أنس بن مالك  رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبي لها ، فقال لها : ( اتقي الله واصبري ) فقالت :  وما تبالي بمصيبتي ؟  فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذها مثل الموت ،  فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين ، فقالت : يا رسول الله لم أعرفك  ، فقال: ( إنما الصبر عند أول صدمة  ) أو قال عند أول الصدمة .

وفي سنن النسائي بسنده عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ نزلنا منزلا ، إذ نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم : الصلاة جامعة ، فاجتمعنا ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخطبنا ، فقال : (  إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا ، لهم وينذرهم ما يعلمه شرا لهم  ، وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها  ، وإن آخرها سيصيبهم بلاء وأمور ينكرونها ، تجيء فتن فيدفق بعضها لبعض فتجيء الفتنة فيقول المؤمن  : هذه مهلكتي ،  ثم تنكشف ، ثم تجيء ،  فيقول :  هذه مهلكتي ، ثم تنكشف ، فمن أحب منكم أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع  ، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا رقبة الآخر ) .

 

( 4) وفي التصور الإسلامي يأتي البلاء للمسلمين عقابا :

يقول  رسول الله صلى الله عليه وسلم  :

( إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء ، فقيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال إذا كان المغنم دولا والأمانة مغنما ،  والزكاة مغرما  ، وأطاع الرجل زوجته وعق أمه  ، وبر صديقه وجفا أباه  ، وارتفعت الأصوات في المساجد  ن وكان زعيم القوم أرذلهم  ، وأكرم الرجل مخافة شره  ، وشربت الخمور  ، ولبس الحرير ،  واتخذت القينات والمعازف ، ولعن آخر هذه الأمة أولها … فليرتقبوا عند ذلك ريحا حمراء ، أو خسفا ومسخا  . )  رواه الترمذي في سننه  ، وقال  : هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث علي بن أبي طالب إلا من هذا الوجه ولا نعلم أحدا رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري غير الفرج بن فضالة ، والفرج بن فضالة قد تكلم فيه بعض أهل الحديث ، وضعفه من قبل حفظه ،  وقد رواه عنه وكيع  ، وغير واحد من الأئمة  .

وفي سنن ابن ماجة  بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

(يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن  - وأعوذ بالله أن تدركوهن  - لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا ، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا ، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم  ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم . )

 

ويأتي البلاء مخففا كما أخبر الرسول في قوله صلى الله عليه وسلم :

( إني صليت صلاة رغبة ورهبة ،  سألت ربي عز وجل ثلاثا  : فأعطاني ثنتين  ، ومنعني واحدة ،  سألت أن لا يبتلي أمتي بالسنين  ، ففعل ، وسألت أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل ، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فأبى علي ) رواه الإمام أحمد في مسنده

 

(5) ويأتي البلاء - حسب التصور الإسلامي -  عقابا ؛ غايته العفو :

ففي مسند أحمد بسنده  عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال :  ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟  ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) وسأفسرها لك يا علي ، ( ما أصابكم) من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ( فبما كسبت أيديكم ) ،  والله تعالى أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة  ، وما عفا الله تعالى عنه في الدنيا فالله تعالى أحلم من أن يعود بعد عفوه  .

وفي موطأ مالك بسنده عن يحيى بن سعيد أن رجلا جاءه الموت في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل :  هنيئا له مات ،  ولم يبتل بمرض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( ويحك وما يدريك لو أن الله ابتلاه بمرض يكفر به عنه من سيئاته  )

وفي مسند أحمد بسنده  عن عائشة  رضي الله عنها أن رجلا تلا هذه الآية ( من يعمل سوءا يجز به ) قال: إنا لنجزى بكل عملنا ؟؟  هلكنا إذا  !! فبلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال  : ( نعم يجزى به المؤمنون في الدنيا في مصيبة  ، في جسده ، فيما يؤذيه  . )

 

(6) وقد يأتي العفو قبل وقوع البلاء  :

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبع مائة،  ومن أنفق على نفسه أو على أهله ، أو عاد مريضا ،  أو ماز أذى عن طريق ،  فهي حسنة بعشر أمثالها ، والصوم جنة ما لم يخرقها ، ومن ابتلاه الله بلاء في جسده فهو له حطة  . )  رواه الإمام أحمد في مسنده

 

 

(7) ويقع البلاء مشمولا بالتعويض :

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : ( ما أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله عز وجل الحفظة الذين يحفظونه :  اكتبوا لعبدي مثل ما كان يعمل وهو صحيح  ، ما دام محبوسا في وثاقي ،  ) رواه الإمام أحمد في مسنده

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة  ) رواه الإمام أحمد في مسنده

  ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل قال إذا ابتلي عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة . يريد عينيه  ) رواه الإمام أحمد في مسنده .

 

(7)  وقد تكون واقعة البلاء الواحدة عذابا ، وقد تكون رحمة ، بحسب ارتباطها بالعلاقة مع الله تعالى ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري بسنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت :  ( سألت  رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن الطاعون ، فأخبرني  أنه  : عذاب يبعثه الله على من يشاء ، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ؛ ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لايصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد ) .

 

(8)    ولا نتعجل البلاء :

ففي سنن الدارمي بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ، فإنكم إن لا تعجلوها قبل نزولها لا ينفك المسلمون وفيهم إذا هي نزلت من إذا قال وفق وسدد  ، وإنكم إن تعجلوها تختلف بكم الأهواء فتأخذوا هكذا وهكذا  ) وأشار بين يديه وعن يمينه وعن شماله

 

(9)  ويستجيب المسلم لفطرته ، ويشجع عليها في طلب العفو: رجاء وعبادة :

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة :  كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء .

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها ،  وصوموا نهارها ، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا  ، فيقول :  ألا من مستغفر لي ، فأغفر له ، ألا مسترزق فأرزقه  ، ألا مبتلى فأعافيه ،  ألا كذا ألا كذا  ، حتى يطلع الفجر) رواه أبو داود في سننه بسنده *

****

 

في ظل هذه المبادئ يتحرك المسلم بين أبعاد خيرية النظام ، وخيرية البلاء معا : بثقة ، وطمأنينة ، وتماسك ، ورباطة جأش …

يخضع في بعض الظروف للمستوى الضروري من إنسانيته ، فيتألم من نوع من البلاء …

ويرتفع في بعض الظروف للمستوى الأرقى في إنسانيته ، فيسعد لنوع من البلاء …

ولكنه في جميع ظروفه تلك : يمارس الخير ، أو يظلله الخير : إن شكر اقترب من مولاه فله أجر هو خير …

وإن صبر ارتفع في صنع ذاته ، وله أجر هو خير …

وإن جزع رجع وآب فله أجر هو خير .

 

ولكنه في جميع الأحوال يظل - أو ينبغي أن يظل - مرهف الحس ، شديد اليقظة ؛ لقضية الخلود : الخلود في الفلاح والثواب والخير ، والخلود في الخسران والبلاء والشر .

ويكون من شانه أن يتجاوز جميع المربعات الصغيرة في علاقات الخير ، والنجاة ، والبلاء … ليشد انتباهه إلى الخلود .

الخلود في أحدهما : خيرا أو شرا .

 

وهنا تسعفه مقاييس الإسلام حول هذين الأمرين . وعليه أن يتقيد بهذه المقاييس .

تلك هي قضيته الرئيسية التي تحكم مسيرة حياته كلها : دنيا ، وأخرى .

وفي هذا المعنى يأتي قوله صلى الله عليه وسلم في رواية  للإمام أحمد بمسنده  عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال  : ( مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل وهو يقول : الله إني أسألك تمام النعمة ، قال يا ابن آدم  : أتدري ما تمام النعمة؟ قال دعوة دعوت بها ،  أرجو بها الخير . قال  : فإن تمام النعمة فوز من النار ودخول الجنة ) .

هنا - وانطلاقا من الذاتية الإسلامية - يجب إضافة مبدأ الخلود عند معالجة الموضوع .

فيصبح الهم الأكبر للمسلم الفوز بالخير الدائم  ( الجنة ) .

ويصبح همه الأكبر في طلب النجاة : النجاة من الشر الدائم  ( النار ) .

والله أعلم