اي
نجاح متوقع للمبادرة العربية في العراق ؟
بقلم : عوني فرسخ
بعد ثلاثين شهراً من احتلال العراق اعلن امين عام جامعة الدول العربية عن مبادرة لتحقيق وفاق وطني عراقي . واعقب ذلك زيارة الامين العام
المساعد للشؤون السياسية , ثم الأمين العام نفسه , للعراق و تمكينهما من اجراء لقاءات مع بعض المرجعيات الدينية و الزعامات السياسية
في بغداد و خارجها . و يقينا ان ذلك ما كان ليتم لولا
أن أمانة الجامعة و انظمة الدول الاعضاء
تلقت الضوء الأخضر الامريكي , وبالتبعية مباركة زعامات
العصبيات العرقية و الطائفية الحاكمة في العراق المحتل . وبمقدار ما تبعث مبادرة
الجامعة لتحقيق الوفاق العراقي على التفاؤل , بقدر ما تنطوي على ما يدعو للقلق .
اما التفاؤل فمبعثة أن يأتي الترحيب بالمبادرة العربية امريكيا و عراقيا بعد الذي قيل بحق العرب و العروبة والجامعة
العربية وامينها العام على مدى الثلاثين شهراً الماضية ,
واعتماد طرفي المعادلة الأمريكية – العراقية استبعاد كل دور عربي رسمي او شعبي في الشان العراقي . وعليه
يغدو منطقيا و مبرراً التساؤل هل كانت الادارة الامريكية , وسلطة الاحتلال , وزعامات العصبيات , تقبل
بالمبادرة العربية لولا توصل الجميع لقناعة تامة بعجز آله حربهم في مواجهة تطور
المقاومة الوطنية العراقية واتساع اطارها ؟ واليس في تقبل المبادرة العربية مؤشر على ادراك
الطرفين الامريكي و العراقي الحاكم باهمية
الدور العربي في اخراجهما من المأزق الذي يواجهانه ؟ ثم
الا يدل هذا الادراك على ان العروبة اعمق في فكر نخب ووجدان
غالبية الشعب العراقي من المشاعر العرقية والطائفية التي عملا على إنكائها , ولا يزالان . وان تكون الاجابة
عن التساؤلات الثلاثة السابقة بالايجاب , وهي كذلك
بيقين , ما يدل على عمق وغنى المكون الحضاري العربي الذي يختزنه شعب العراق بكل الوان طيفه الاجتماعي . وما يدعو بالتالي للتفاؤل بمستقبل
العراق برغم خطورة ما يواجهه في حاضره من تحديات على مختلف الصعد
.
غير ان التفاؤل
بمستقبل العراق لا يعني مطلقا تجاهل تداعيات المازق الامريكي , وانعكاسات ذلك عند صناع القرار الحقيقيين في
واشنطن . وليس أدل على عمق هذا المأزق و تداعياته مما كتبه الجنرال باري ماكافري – الاستاذ في اكاديمية وست بوينت العسكرية – في
صحيفة " وول ستريت جورنال
" قبل نحو شهرين , من ان الولايات المتحدة في سباق
ضد الزمن في العراق . بسبب المصاعب التي تواجه القوات العسكرية . ويرى أن القوات الامريكية في العراق " جوهرة التاج " و الضمانة للأمن
القومي الامريكي في الحرب على الارهاب
. و يذهب الى أن النقص الشديد في الرجال و الموارد الذي
بات يعانيه الجيش الامريكي يهدد مستقبل الحرب في العراق
و افغانستان . و تأسيسا على ذلك يقرر " إن من شأن
هذا الفشل أن يكون كارثة للسياسة الخارجية الامريكية و
للمصالح الاقتصادية الامريكية للسنوات العشرين القادمة "
– كما ورد في تقرير ضيا ميان
– الاستاذ في جامعة برينستون
– الذي نشرته في 22/8/2005 "منظمة مشروع ضد الخطر الراهن ", ونقله عنها
موقع " السياسة الخارجية في بؤرة
الاهتمامً على شبكة الانترنيت " وقامت بترجمته للعربية مجلة " المستقبل
العربي , العدد 320 تشرين اول / اكتوبر
2005 ص 125 –
وفضلا عن ذلك فان في قبول زعامات العصبات العرقية و الطائفية العراقية المستقوية
بالامريكان بالدور الرسمي العربي في العراق المحتل ما
ينطوي على اقرار ضمني بتعثر- إن لم يكن فشل – كل ما
اتخذ من اجراءات امريكية و
غير امريكية للتأثير سلبا في انتماء العراق القومي
العربي . بل والاقرار بزيف كل الاتهامات التي كيلت
جزافا طوال الثلاثين شهراً الماضية لما قيل أنه تدخل رسمي و شعبي عربي في شؤون
العراق الخاصة " فضلا عما يعنيه ذلك من بطلان كل المقولات المعادية للعرب و
العروبة , وانفساح المجال بالتبعية لمشاركة القوى و
العناصر قومية الانتماء والتوجه في صياغة مستقبل العراق , الأمر الذي يهدد في
الصميم مكاسب امراء العصبيات العرقية و الطائفية و
مراكزها السياسية و الاجتماعية التي حققتها بالتعاون مع قوات الاحتلال.
ويقينا ان قيادات
المركب الصناعي – العسكري الامريكي , صاحبة الدور الأول
في صناعة القرارات الامريكية على مختلف الصعد , لن تسمح بالفشل الذي يحذر منه الجنرال ماكافري. ومن المؤكد أن الادارة الامريكية سوف توظف امكانياتها غير
المحدودة في دوائر صناعة القرارات الرسمية العربية كي لا تخرج المبادرة العربية عن
المخطط المرسوم , بحيث تصب في قناة تعزيز الأمر الواقع في العراق المحتل . وذلك
بالدفع باتجاه انجاز اتفاق عراقي مؤسس على القبول بالانجاز " الديمقراطي"
الذي حققته سلطة الاحتلال وزعامات العصبيات العرقية و الطائفية العراقية , والتي
لن تمانع باجراء بعض الرتوش التجميلية
على ما تم انجازه بحيث يتاح للقوى التي قاطعت ما يسمى " العملية السياسية "
المشاركة فيها واخذ نصيب وإن محدود من المكاسب المادية و المعنوية .
فهل ذلك هو المقصود
من المبادرة العربية أم أن كون طرفا المعادلة الامريكية
– العراقية يعيشان واقعا مأزوما , فيما تحقق المقاومة الوطنية تطوراً نوعيا
متناميا , يتيح لامين عام الجامعة , بما هو معروف به من كفاءة , تحقيق الوفاق الذي
يحتاجه العراق وشعبه ؟ الوفاق الذي يؤسس لاجماع وطني
عراقي على الالتزام بالعمل لوضع نهاية سريعة وشاملة للاحتلال, واستعادة سيادة
العراق المغتصبة , و تحرير ارادته الوطنية الاسيرة , و تأمين وحدة ترابه الوطني , و تماسك نسيجه
الاجتماعي , وقيام الديمقراطية على قاعدة المواطنة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون
واحترام حقوق الانسان .
وعلية يبدو جليا أن
المبادرة العربية تواجه احتمالين متضادين : احتمال أن ينجح اطراف
المعادلة الامريكية – العراقية في توظيفها لتعزيز الأمر
الواقع بما يخدم مصالح الطرفين وطموحاتهما .واحتمال أن ينجح الامين
العام باستثمار مأزق الطرفين وابداعات المقاومة في انجاز الوفاق المؤسس لحراك وطني عراقي
فاعل ومنتج . والأمر متوقف على ما يمكن تحقيقه على المحاور التالية :
1- محور التحرر من الاحتلال بالتوصل الى برنامج لانسحاب قوات الاحتلال امريكية
القيادة دون أي شروط , ومن غير أن يترتب على ذلك ابقاء
قواعد عسكرية امريكية في العراق , او
عقد اتفاقية عسكرية تنتقص من سيادة العراق و حرية قراره الوطني .
2- على محور تماسك النسيج الوطني العراقي , وذلك
بالتوافق على اعادة النظر في دستور سلطة الاحتلال
وزعامات العصبيات العرقية والطائفية , و الذي ينطوي على لغة تفريقية بدلاً من أن
تكون توحيدية جامعة . والاتفاق على انتخاب جمعية وطنية بعد استكمال انسحاب قوات
الاحتلال وفق البرنامج المتفق عليه لتضع دستوراً وطنيا يؤسس لعقد اجتماعي جديد , ويؤكد
على الهوية الوطنية الجامعة , وتكافؤ الفرص على اساس
المواطنة , وسيادة القانون , و احترام حقوق الانسان .
3- على محور صيانة وحدة التراب الوطني , وذلك باعادة النظر في موضوع الفيدرالية , التي كانت قوى المعارضة
قد اتفقت على اعتمادها في مؤتمراتها التي عقدتها خارج العراق و في منطقة كردستان العراقيةثم جرى تقنينها في الدستور الصادر مؤخراً .في حين أن
اعتماد الفيدرالية في دولة كالعراق انما يعني التوافق
الضمني على تقسيمها الى اقاليم
لكل منها شخصيته القانونية . وحين تقام الفيدرالية على اسس
عرقية وطائفية ففي ذلك تهديد في غاية الخطورة لوحدة تراب العراق الوطني و تماسك
نسيجه الاجتماعي .
4- على محور الهوية الوطنية والانتماء القومي
واللغة الرسمية .وذلك بتوضيح أن تأكيد الانتماء القومي العربي للعراق لا ينطوي
مطلقا على الانتقاص من الحقوق السياسية والمدنية والاقرار
بالخصائص الذاتية الواجبة الاحترام للاكراد و التركمان واالكلدواشوريين و غيرهم .
ذلك لأن العروبة تتميز بكونها مؤسسة على انتماء حضاري وليس على انتساب سلالي , وأن
الامة العربية ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة . ويصلها بالتالي صلات تاريخية و تراثية بكل
مكونات المجتمع في كل قطر عربي, مما ينفي وجود تناقضات عدائية فيما بينها .
5- على محور تكامل القوى المجتمعية لمواجهة
التحديات بجهد مشترك , وذلك باستبعاد كل محاولات الاقصاء
لأي من الجماعات الاجتماعية او التنظيمات السياسية
العراقية .ذلك لان الوفاق الوطني مستحيل
التحقيق عمليا إذا بقي اي طرف او
حزب خارجه , ودون ذلك إقامة جبهة تعارضها القوى المستبعدة كما هو الواقع الراهن
الذي جاءت المبادرة العربية لتجاوزه .
وبمقدار ما يتحقق النجاح على المحاور
الخمسة بقدر ما يكون امين عام الجامعة واركان الامانة العامة قد تقدموا
على طريق إقامة الوفاق الوطني الذي يحتاجه شعب العراق لاتقاء المخاطر التي تهدد
وحدة ترابه الوطني و تماسك نسيجه الاجتماعي , و تمكينه من معاودة اسهامه في
التصدي للتحديات التي تهدد الامة العربية في الصميم . كما
ان في ذلك ما يبدد القلق الذي يساور الكثيرين تحسباً من
أن تنجح الادارة و الاجهزة الامريكية في ان تسخر المبادرة
العربية لتكريس الواقع العراقي المأزوم .