جيبوتي وجزر القمر، مثلا!
بقلم :زهير اندراوس
بدأت هذا الأسبوع
حملة عالمية هدفها سحب جائزة نوبل في مجال الرياضيات من البروفيسور الإسرائيلي يسرائيل اومان، وشريكه الأمريكي ستيف شلينغ، لأنهما يطوران نظريات
لتكريس الاحتلال. فالسيد اومان يعتقد انه كلما استمر
الاحتلال الإسرائيلي أكثر للمناطق الفلسطينية فان الطرف الضعيف في المعادلة سيضطر
إلى تقديم تنازلات أخرى، وكأنه بقي شيء للتنازل عنه.
قراءة سريعة في أفكار
اومان تثبت بالدليل القاطع أن صناع القرار في تل أبيب
تبنوها حرفيا، مع أننا نشك في أن وزير الأمن شاؤول موفاز، هو نابغة عصره في مجال الرياضيات. اومان
يعارض سياسات شارون وموفاز ويقول فيما يقول ان إخلاء المستوطنات الكولونيالية
في قطاع غزة كان خطأ شنيعا ارتكبته الحكومة، وان نتائج هذه الخطوة ستكون وخيمة على
مستقبل إسرائيل. ولكن من الناحية العملية تصريحات موفاز
الأخيرة انه لا شريك في الطرف الفلسطيني لإحلال السلام، تتساوق مع نظريات اومان العنصرية والراديكالية. فموفاز
قال إن على دولته الانتظار إلى الجيل الفلسطيني القادم لكي تتمكن إسرائيل من صنع
السلام، بمعنى آخر، فان الرجل يدعو بصورة غير مباشرة إلى مواصلة الاحتلال، وهذا
الموقف لا يتناقض مع نظريات البروفيسور اومان.
تصريحات موفاز ضد رئيس السلطة السيد ابو
مازن، المرضي عنه أمريكيا وإسرائيليا، تقطع الشك باليقين بان التهدئة لا تصب في
الصالح الإسرائيلي، وبالتالي فإنها تفتعل الأزمات المتواصلة والمتواترة لمواصلة
عدوانها على الشعب الفلسطيني، تبتكر الأزمات ليقنع السيد موفاز
نفسه والرأي العام بأنه لا شريك لدولته في الطرف الفلسطيني. من
سخريات القدر أن هذه النغمة الإسرائيلية بنزع الشرعية عن عباس وإظهاره بموقف الشخص
الضعيف في المعادلة، تأتي عشية الذكرى السنوية لرحيل الرئيس الفلسطيني السابق ياسر
عرفات. هكذا حددت
إسرائيل إستراتيجيتها ضد المرحوم عرفات، وتمكنت بمساعدة الإدارة
الأمريكية الحاقدة على العرب والمنافقين الأوروبيين من إقناع العالم بان عرفات هو
شخص متعطش للدماء ويدعم الإرهاب ويعمل بخطى حثيثة من اجل محو إسرائيل عن الخريطة. هذه
السياسة أثبتت نجاعتها وتم عزل الرئيس عرفات ومحاصرته في
المقاطعة ومن ثم قتله مسموما.
نحن نميل إلى
الاعتقاد بان موفاز يعبر بشكل صادق عما يدور في أروقة
صناع القرار في تل ابيب. نعم، نوافقه على أن لا شريك في الطرف الفلسطيني لعملية السلام مع الإسرائيليين.
ولكن عن أي سلام يتحدث موفاز؟ ومن
هو القائد الفلسطيني الذي سيوافق على التنازل أكثر لإرضاء وزير الأمن ومن لف لفه؟
حتى مشروع السلام الأمريكي المسمى خريطة الطريق، والذي ينتقص من الحقوق العادلة
للشعب الفلسطيني ترفض إسرائيل تنفيذه، وها هو شارون من على منصة الكنيست يتمايل
كالطاووس ويعلن للعالم أن دولته على
استعداد لتنفيذ خريطة الطريق، شريطة الموافقة على التحفظات الأربعة عشر التي
وضعتها حكومته. وخريطة الطريق تنص
أولا وقبل كل شيء على قيام السلطة بتفكيك المقاومة من أسلحتها، أي انه وفق هذه
المعادلة فإن قضية الشعب الفلسطيني تحولت بقدرة قادر إلى قضية أسلحة شرعية وغير
شرعية.
لماذا نوجه اللوم إلى
أمريكا وربيبتها إسرائيل، والقيادة الفلسطينية الحكيمة وافقت على خريطة الطريق
بجميع بنودها دون أي تحفظ؟ قيادة السلطة تعيش في هذه الأيام حالة تعيسة إن لم تكن
حالة انهزامية، فمن ناحية تتعرض للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية المدعومة من الزعماء
العرب المتواطئين مع سياسات بوش وشارون، ومن ناحية أخرى باتت عبئا على الشعب
الفلسطيني وعلى الفصائل المسلحة التي وضعت المعادلة بأنها ملتزمة بالتهدئة شريطة
وقف العدوان على الشعب الفلسطيني.
السياسة الإسرائيلية
لنزع الشرعية عن محمود عباس مخططة ومبرمجة لإحباط أية محاولة للتوصل إلى تفاهمات
مع الفلسطينيين، لا بل أكثر من ذلك فان تصريحات موفاز
عن شخص عباس تبرهن بان الإسرائيليين يتعاملون مع الفلسطينيين، شعبا وقيادة، من
منطلقات استعلائية.
الاحتلال يواصل
عدوانه الغاشم على الشعب الفلسطيني مستخدما الأساليب الوحشية. واكبر تعبير عن المشهد العربي حدث قبل أيام: رئيس اكبر دولة عربية،
السيد مبارك، يستقبل الإسرائيليين في القاهرة ويغدق المديح عليهم. ففي مقابلة مع
صحيفة "يديعوت احرونوت"
قال مبارك إن شارون وحده القادر على صنع السلام، وهمس في أذن الإسرائيليين بمنح
القليل من التسهيلات للفلسطينيين لتقوية السيد عباس ومنع الإرهابيين الفلسطينيين
من العربدة، وهذه ترجمة حرفية لأقواله. أما في صحيفة "معاريف"
فقد قرأنا أن السيد مبارك قال انه لا فرق بين حركتي الجهاد الإسلامي وحماس وبين
تنظيم القاعدة الذي أعلن مسؤوليته عن تفجيرات طابا وشرم الشيخ. فإذا كان السيد
مبارك يتحدث بهذه اللهجة المتأمركة، فمن تبقى لك يا سيد عباس لمساعدتك، دولة جيبوتي ام
جزر القمر، والدولتان عضوان في الجسم الهلامي المسمى الجامعة العربية.
قلناها في السابق وها
نحن نعود ونكررها: الخروج من الأزمة الفلسطينية الداخلية يتمثل في إعادة إحياء
منظمة التحرير الفلسطينية وترتيب البيت ووضع أجندة محددة توافق عليها جميع
التنظيمات حتى لا نصل إلى وضع نطالب فيه بإقامة دويلة في احد أحياء غزة "المحررة"!