نظرة فى الآراء الفقهية لمحمد أسد

(ليو بولد فايس)

 

بقلم :د. ابراهيم عوض

ibrahim_awad9@yahoo.com

 

فى الصفحات التالية مناقشة لبعض المسائل الفقهية التى عَرَض لها مترجمنا فى هوامش ترجمته للقرآن الكريم: فمن ذلك تكريره أن الحرب المشروعة فى الإسلام إنما هى الحرب الدفاعية فقط (الدفاعية بالمعنى الواسع)، وأن ذلك هو ما تقوله الآيات القرآنية التى تأمر المسلمين بمقاتلة من يقاتلونهم فحسب وألا يبدأوا أحدا بعدوان كما فى الآية 190 وما بعدها من سورة "البقرة"، والآية 39 من سورة "الحج"، والآية 227 من سورة "الشعراء"، والآية 8 من سورة "الممتحنة"[1]. وهو يؤكد فى نفس الوقت أن "الجهاد فى سبيل الله" واجب دينى لا يتم الإيمان إلا به (An act of faith)[2]، وأن الأمم التى يخاف أبناؤها من الموت الجسدى ينتهى أمرها إلى الموت المعنوى، كما أن عودتها إلى الحياة تتوقف على عودتها إلى التمسك بالأخلاق من خلال التغلب على الخشية من الموت[3].

 

وفى ضوء هذا نراه يفسر غزوات الرسول عليه السلام: فعند حديثه عن بَدْر يقول إن حالة "حرب مفتوحة" كانت قائمة بين المسلمين والمشركين منذ الهجرة، وانطلاقا من هذا كان تفكير الرسول فى مهاجمة القافلة القرشية العائدة من الشام والتى لم تكن رغم ذلك هى الهدف الحقيقى، وإلا لأخفى عليه السلام العزم على مهاجمتها ولانتظر حتى تمرّ فى ميعادها وهاجمها عندئذ دون أن تكون لديها الفرصة للاستنجاد بقريش. أما هدفه الحقيقى فهو استفزاز الجيش المكى عن طريق بث الإشاعات عن عزمه على مهاجمة القافلة حتى يبرز الجيش إليه ويشتبك معه فى معركة يحدد هو زمانها ومكانها فيهزمه محققا بذلك الاعتبار والأمن لأتباعه الذين كانوا ضعفاء إبانئذ، بدلا من انتظار قريش حتى تغزوهم فى الوقت والظروف المواتية لها[4].

 

وانطلاقا من مبدإ الدفاع عن النفس أيضا يعلل أسد غزوة تبوك، إذ يقول إن الأخبار قد وردت إلى النبى عليه السلام فى المدينة حينئذ بأن الروم يجهزون جيشا لغزو الجزيرة العربية والقضاء على الإسلام خشيةً من عواقب سرعة انتشاره واستجابةً لتحريض أبى عامر الراهب، ولكن عندما لم يجد الرسول عليه السلام جيش الروم عاد أدراجه إلى المدينة لأن الإسلام لا يحارب إلا للدفاع عن النفس[5]. ولست أظن أن عندى ما يمكن أن اعترض به على هذا الكلام.

 

أما ما قاله فى الحِرَابة فليس من السهل قبوله. لقد تحدث القرآن الكريم عن جريمة الحِرَابة وعقوبتها فى قوله عز شأنه: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن فى الأرض فسادا أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض. ذلك لهم خِزْىٌ فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب عظيم* إلا الذين تابوا من قبل أن تَقْدِروا عليهم فاعلموا أن الله عزيز حكيم"[6]، وعلق أسد على العقوبة المذكورة فى الآية قائلا إن تقطيع يَدَىِ الشخص ورجليه غالبا ما يراد به القضاء على سلطانه، وإن من الممكن أن يكون هذا هو المعنى المقصود هنا، أو قد يكون المراد هو تشويهه على الحقيقة والمجاز معا، وإن التفسير الصحيح لعبارة "مِنْ خِلاَف" هو "بسبب مخالفتهم (للدولة)" أو "بسبب فسادهم". ثم يضيف أن الآية لا تمثل فى الواقع حكما تشريعيا، بل هى نبوءة بأن الذين يحاربون الله ورسوله سينتهى مطافهم حتما إلى أن يُقْتَلوا أو يُعَذَّبوا أو يشوِّه بعضهم بعضا مما يترتب عليه القضاء على جماعات كثيرة من الناس بسبب تهالكهم على السلطة الدنيوية والمطالب المادية، وهذا هو معنى النفى من الأرض فى رأيه.

 

والذى جعله يقول بهذا التفسير هو أن التضعيف فى "يُقَتَّلوا" و"يُصَلَّبوا" و"تُقَطَّع" يفيد، حسب فهمه، وقوع تلك الأفعال على أعداد كبيرة منهم لا عليهم كلهم بالضرورة، وهذا محض تحكم يعوذ هو بالله من أن يكون تشريعا إلهيا، فضلا عن أن محاربة الله ورسوله قد تقع من فرد واحد، فكيف يمكن أن يُقْتَل أو يُصْلَب منه أعداد كبيرة؟ ثم إن هذا الحُكْم هو نفسه الحُكْم الذى أصدره فرعون على من آمن من سَحَرَته بموسى، فكيف يجعل الله سبحانه مثل هذه العقوبة الفرعونية تشريعا سماويا؟ كذلك لم يحدث، كما قال، أن أصدر حاكمٌ مسلمٌ عقوبةَ النفى من بلاد المسلمين على أحد من الخارجين عليه. وفوق ذلك فإن استعمال كلمة "الأرض" بمعنى "بلاد الإسلام" هو استعمال لا يعرفه الأسلوب القرآنى. كما أن قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...أن يُقَتَّلوا أو يُصَلَّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلافٍ أو يُنْفَوْا من الأرض" ليس على سبيل الأمر لأن الأفعال الأربعة كلها إنما جاءت بصيغة المضارع[7].

 

هذا ما قاله أسد، ولكن فاته أن القرآن حين يقول: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ...كذا وكذا" إنما يقصد النص على تحديد العقوبة بصرف النظر عن الصيغة الفعلية المستخدمة. وهذا مثل قوله عز وجل: "ومَنْ قَتَله منكم متعمِّدا (أى قَتَلَ صيد الحرم) فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَل من النَّعَم"[8]، "قالت: ما جزاء مَنْ أراد بأهلك سوءا إلا أن يُسْجَن أو عذاب أليم؟"[9]، "ومن يَقْتُلْ مؤمنا متعمِّدا فجزاؤه جهنم"[10]، "قالوا (أى إخوة يوسف): جزاؤه من وُجِدَ فى رَحْله فهو جزاؤه"[11]...إلخ. ثم إنْ وافقْنا كاتبنا على تفسيره للتقتيل وتقطيع الأيدى والأرجل، فإن السؤال هو: إذا كان المحارب شخصا واحدا فكيف يا ترى سيَقْتُل هذا الشخصُ الفردُ أو يشوّه بعضه بعضا؟ كذلك فكثيرا ما يموت الخارجون على الدولة ميتةً طبيعيةً دون أن يَقْتُل أو يشوّه بعضهم بعضا كما يفسر محمد أسد العبارة. إن التضعيف فى هذه الأفعال إنما يشير إلى أن الخارجين يجب أن يؤخذوا بكل عنف ودون لين أو هوادة مهما كثرت أعدادهم. أما حكم فرعون بهذه العقوبة على سحرة المؤمنين فلا يعنى أنه فى ذاته حكم فاسد، بل يعنى أن تطبيقه فقط كان ظالما، أما حين يطبَّق على وجهه الصحيح فإنه يكون عندئذ حكما عادلا. وبالنسبة للنفى من الأرض فقد حدث كثيرا فى التاريخ الإسلامى، وإن لم يَعْنِ بالضرورة النفىَ خارج ديار الإسلام كلية بل من المكان الذى يكون للمحارب فيه شوكة أو الذى يعيش فيه أهله وأصحابه ممن يؤلمه الابتعاد عنهم مثلا[12]. وإلى جانب هذا فإن الاستثناء فى الآية الثانية من النص الذى بين أيدينا يدل على أن الكلام هنا إنما هو عن عقوبة تشريعية يُعْفَى منها الذين تابوا من جريمتهم قبل أن تلقى عليهم السلطات يدها. وأخيرا فلو جارينا أسد فى رأيه هذا لما كان له من معنى إلا أن الإسلام لم يضع لهذه الجريمة الشنعاء أية عقوبة، فهل هذا ممكن؟ حقا هل هذا ممكن فى الوقت الذى قد حدد فيه للسرقة عقوبة القطع، وهى جريمة أهون من جريمة الحرابة بكل المقاييس؟ أقول هذا لأن أسد لم يحاول أن يؤوّل آية عقوبة السرقة[13] كما فعل مع آيتى الحرابة، بل دافع عن العقوبة الواردة فيها قائلا إنها عقوبة عادلة جدا فى ضوء ما تقوم به الحكومة الإسلامية من توفير المستوى المعيشى الملائم لكل فرد فيها، مسلما كان أو غير مسلم، ومن ثم فليس مقبولا أن يتحجج أحد بأنه قد وقع فريسة لإغراء السرقة. ثم تابع كلامه بقوله إنه إذا لم يقم المجتمع الإسلامى بتوفير المستوى المعيشى الملائم لأفراده فلا محل عندئذ لتطبيق عقوبة القطع[14]. وهو كلام، كما يرى القارئ، معقول جدا، وقد سار عليه عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى عام الرمادة، إذ سيق إليه رجلان متَّهمان بسرقة بعيرٍ وأَكْله، فكاد أن يطبِّق عليهما الحد، لكنه لما علم أنهما كانا واقعين تحت ضغط الجوع والحاجة أسقط عنهما العقوبة وهدد بها سيدهما الذى كان يضيق عليهما فى الطعام تضييقا اضطرهما إلى الإقدام على هذه السرقة.

 

وعند أسد أن "الزنا" فى الإسلام شىء واحد سواء كان الزانيان متزوجين أو عَزَبَيْن، بخلاف ما هو مقرَّر فى بعض اللغات الأوربية كالإنجليزية مثلا، إذ يُسَمَّى النوع الأول: "adulteryوالثانى: "fornication"[15]. وقد ورد هذا الكلام أثناء تعليقه على الآية الثانية من سورة "النور"، وهى الآية التى تحدد عقوبة الزانى والزانية. ورغم أنه لم يفصِّل القول فى هذه العقوبة فالمفهوم من عبارته، ما دام لا يفرق بين زنا وزنا، أنه لا يرى عقوبة للزنا إلا الجَلْد سواء كان مُجْتَرِحه مُحْصَنًا أو غير مُحْصَن. وتعليقا على اشتراط القرآن الإتيان بأربعة شهود على واقعة الزنا يقول كاتبنا إن ذلك من الاستحالة بمكان، مما يدل على أن الإسلام يريد استبعاد أى طرف ثالث غير مرتكِبَىِ الواقعة وقَصْرها على إقرار أحد هذين الطرفين من تلقاء نفسه[16]. ونضيف نحن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقبل إقرار الزانى بسهولة، بل كان يراجعه ويتأكد منه بكل السبل أنه قد اجترح فعلا هذا الإثم ذاته اجتراحا صريحا لا يقبل الشك على أى نحو من الأنحاء، بل لقد كان يمحص قواه العقلية، وهو ما يومئ إلى أن الإسلام فى هذا الأمر يؤثر الستر وعدم المسارعة إلى تمزيق البناء الأُسْرى.

 

وبالنسبة لتعبير "ما ملكت أيمانكم" الذى تكرر فى القرآن المجيد يؤكد أسد، خلافا لما يقوله المفسرون والفقهاء، أن الإسلام لا يقر الاتصال الجنسى بسبيَّة أو أَمَة دون زواج، وأن "ما ملكت أيمانكم" معناها "من امتلكتموهن من النساء بحقٍّ، من خلال عقد زواج"، وأن تحديد النكاح بأربعٍ غيرُ خاصّ بالحرائر من النساء بل يمتد ليشمل السبايا أيضا. ذلك أنه يقرأ قوله تعالى: "وإن خفتم ألا تُقْسِطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاع، فإن خفتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم" على أساس أن جملة "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" هى جملة اعتراضية، و"ما ملكت أيمانكم" معطوف على "النساء"، أى "انكحوا ما طاب لكم من النساء أو مما ملكت أيمانكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاع". أى أنه لا فرق على الإطلاق بين الحرائر والإماء فى مسائل الاتصال الجنسى والزواج[17].

 

لكن يبدو لى أن ما فعله أسد هو إرهاق شديد لتركيب الآية، إذ لماذا يقدِّم القرآن الكريم جملة "فإن خفتم ألا تَعْدِلوا فواحدة" على موضعها الأصلى ويحولها إلى جملة اعتراضية مما يترتب عليه أن يفهم القارئ أن التحديد بأربع إنما هو أمرٌ خاصٌّ بالحرائر من النساء فقط، مع أن المقصود شىء آخر غير ذلك؟ إن الذى نعرفه هو أنه لا بد من استبراء السَّبِيَّة بحيضة، خلافا للحرة المطلَّقة التى تُسْتَبْرَأ بثلاث حيضات. ولم نسمع أن الرسول أو أحدا من الصحابة كان، إذا ضم إليه سبيَّة، يعقد عليها القِرَان ويدفع لها مهرا كما كانوا يفعلون مع الحرة. ثم إن القرآن الكريم يميز تمييزا واضحا بين زوجات الرجال وما ملكت أيمانهم بما يؤكد أن هؤلاء غير أولئك، وهو ما يتضح من قوله تعالى فى موضعين من القرآن: "...إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم"[18]. بل إن المهر فيه لا يُذْكَر إلا للزوجة وحدها لا لملك اليمين، إذ خاطب المولى سبحانه رسوله عليه السلام بقوله: "يا أيها النبى، إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيتَ أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك..."[19]. فالأجور، كما هو واضح، قد ذُكِرَتْ للزوجات وحدهن دون ملك اليمين. وهذا فضلا عن أن السبيَّة يحِلّ نكاحها حتى لو كان لها زوج،[20] ولكن بعد استبرائها بحيضة كما سلف القول، أما الحرة المتزوجة فلا يمكن نكاحها إلا إذا مات عنها زوجها أو طلَّقها. أما آية "النساء" فالذى نفهمه من تركيبها هو أن على المسلم، إذا أراد التعديد، أن يَعْدِل بين زوجاته، وإلا فلْيكتف بواحدة أو فلْيأخذ مما ملكت يمينه ما يشاء. هذا ما تقوله الآية، أما تفسيرها على طريقة المستشرق النمساوى فمن الصعب الاقتناع به. ولسنا نقول هذا لأننا ندعو إلى إفلات الشهوات، فإن الحياة الحديثة فى بلاد كبلادنا تجعل من الصعب الشديد الصعوبة التزوج بأكثر من واحدة، فضلا عن أن "ما ملكت اليمين" لم يَعُدْ لها الآن أىّ وجود بحكم التطور التاريخى، لكننا نقرر ما نعتقد أنه هو التفسير الصحيح للآية. ولا ريب أن ما يقوله القرآن عن "ملك اليمين" هو أنبل وأشرف بما لا يقاس مما تفعله الجيوش الغربية فى أى بلد تجتاحه من اغتصاب للنساء الحرائر وبَقْر لبطونهن وتعاوُر عدة ذكور على المرأة الواحدة وغير ذلك من الفظائع، فلا ينبغى إذن أن يُفْزِعنا المعيار الغربى، فهو معيارٌ كله نفاق وغطرسة فارغة كذابة، والأستاذ أسد يعرف ذلك أكثر من غيره.

 

وما دمنا بصدد الحديث عن المرأة فيحسن أن نورد هنا رأى كاتبنا فى زيّها فى ضوء ما طالبتها به الآية الحادية والثلاثون من سورة "النور": "وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبْدِين زينتهن إلا ما ظهر منها، ولْيَضْرِبْن بخُمُرِِهِنّ على جيوبهن"، إذ هو يرى أن عبارة "إلا ما ظهر منها" عبارة غامضة قصدا كى يترك الإسلام الباب مفتوحا للتطورات الاجتماعية فى تحديد المساحة التى تظهرها المرأة من جسدها. وعلى هذا فهو يخالف العلماء الذين يحددون المقصود بـ "ما ظهر منها" بالوجه والكفين والقدمين أو بأقل من ذلك، ثم يضيف مؤكدا أن المهم هو غض البصر وحفظ الفرج لأن هذا هو مقياس العفة الذى ينصبه الإسلام للحكم على سلوك المرأة ولبسها[21]. ومن الواضح جدا أن محمد أسد قد فاته ما نَصَّتْ عليه أقوال الرسول من أن المرأة إذا بلغت المحيض فلا يحل لها أن تظهر من نفسها إلا الوجه والكفين. ومن الواضح أيضا أنه لم يبال كثيرا بما تقوله الآية ذاتها من وجوب ضرب النساء خُمُرهن على جيوبهن ولا ما جاء فى الآية 59 من سورة "الأحزاب" من قوله سبحانه وتعالى: "يا أيها النبى، قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدْنِين عليهن من جلابيبهن"، فمن هاتين الآيتين نعرف أن المسألة ليست متروكة للتطور الاجتماعى، بل هى محددة تحديدا، وإلا فلم أمر القرآن نساء المؤمنين بألا يكتفين بستر رؤوسهن بالخمار بل لابد أن يغطين به صدورهن أيضا، أو بأن يُدْنِين عليهن من جلابيبهن، ما دام المجتمع فى ذلك الوقت كان يسمح بكشف الصدر والشعر وما إلى ذلك؟ أليس هذا دليلا على أن القرآن هو الذى يسيِّر المجتمع ويوجِّهه فى هذه المسألة لا العكس كما يريد محمد أسد؟ وهَبْ أن العرف الاجتماعى فى بلد ما (كما كان الحال فى بعض مناطق إفريقيا الهمجية مثلا) لا يرى فى كشف المرأة أثداءها أو سوأتها من حرج، فهل يمكن القول بأن القرآن يُقِرّ ذلك العرف ولا يرى به بأسا؟ وإذا كان القَفَّال، الذى يستشهد به أسد، قد فسر حدود "ما ظهر منها" بأنه ما تقضى به "العادة الجارية"، فقد كان مقصده هو العادة الجارية فى المجتمعات الإسلامية فى عصره، إذ مهما تفاوتت العوائد وقتها فلم تكن لتخرج عن نطاق الشرع: فبعضٌ يرى أنه لا بأس بكشف الوجه واليد مثلا، وبعضٌ يوجب أن تغطى المرأة وجهها ويديها أيضا تغطية تامة، وبعضٌ يخفف قليلا فيجوِّز لها ارتداء البرقع بدلا من النقاب...وهكذا.

 

ثم كيف يا ترى يمكن وصف المرأة التى تعرِّى نفسها بالحشمة (decency) كما فعل أسد؟ إن هذا تمييع للمفاهيم وللحدود الفاصلة بينها. إننا لسنا من المتشددين الذين يرفضون أن يظهر من المرأة حتى الوجه والكفان، لكننا لا نستطيع رغم ذلك أن نوافق على ترك الميدان دون ضابط أو كابح بحجة مسايرة "العادة الجارية". وفوق ذلك فالأستاذ أسد قد عاد فى الهامش الذى بعد ذلك فقال إن الصدر فى الإسلام هو جزء من أجزاء جسد المرأة التى لا يمكن إظهارها[22]. إذن فالمسألة ليست متروكة سَبَهْلَلاً بل هناك ضوابط تحكمها، وهذا أحدها. ثم كيف يقول الأستاذ أسد ما قال، والآية التى تلى ذلك تحرِّم على النساء إظهار زينتهن إلا لآبائهن أو آباء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن...إلخ؟ إن هذا يبرهن بأجلى برهان أن زى المرأة ليس متروكا للعادة الجارية بإطلاق، بل له قواعد محددة.

 

وفى الآية 58 من سورة "النور" الخاصة بالاستئذان داخل البيت الإسلامى والتى تُوجِب على الذين مَلَكتهم يمينُ المسلم وكذلك الذين لم يبلغوا الحُلُم أن يستأذنوا أهل البيت قبل الدخول عليهم فى ثلاثة أوقات محددة: من قبل صلاة الفجر، وحين يضعون ثيابهم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، يقول محمد أسد إن "ما ملكت أيمانكم" يمكن أن يكون المقصود بها من ملكتهم يد المسلم أو المسلمة من خلال الزواج (أى الزوج والزوجة)، وذلك بناء على قوله إن السبيَّة لا يصح الاتصال الجنسى بها إلا بعقد زواج ومَهْر. وقد فرعنا من توضيح خطئه فى هذه النقطة، ونزيد هنا أن من الغريب القول بوجوب استئذان كل من الزوجين للآخر قبل الدخول عليه مع أن كليهما يرى من رفيقه فى السرير ما لا معنى معه لوجوب استئذانه عند الدخول عليه فى غرفة النوم. ليس ذلك فقط، بل هو يفسر "الظهيرة" فى الآية بـ "النهار كله"[23]، ومعنى ذلك أن وجوب الاستئذان سيستمر أربعا وعشرين ساعة تقريبا ما دامت الظهيرة تساوى النهار كله، على حين يتكفل بالليل جميعه تقريبا الوقت الممتد من بعد صلاة العشاء إلى ما قبل صلاة الفجر. لكن إذا كان الأمر كذلك فلم حدد القرآن مرات الاستئذان بثلاث ولم يقل: "ليل نهار" فيريح ويستريح؟

 

بقيت نقطتان أختتم بهما هذا الجزء الخاص بالمسائل الفقهية فى تعليقات أسد على ترجمته للقرآن: الأولى عَزْوه إلغاءَ التبنى فى الإسلام إلى "رغبة الرسول"، وزعمُه أنه صلى الله عليه وسلم حين زوَّج زيدا زينب كان فى ذهنه هذا الهدف، وكأنه عليه السلام قد رتب كل شىء بحيث يتزوج ربيبُه من بنت عمه ثم يطلقها ليتزوجها هو، إذ كانت زينب (كما قال كاتبنا) تحبه منذ طفولتها[24]. ولكن كيف عرف أسد أن زينب كانت تحب الرسول منذ الطفولة؟ وكيف طاوعته نفسه على كتابة هذا الكلام الذى يرجع بعضا من التشريعات الإسلامية على الأقل إلى "رغبة النبى" عليه السلام؟ كذلك كيف فاته أن كلامه هذا يناقض القرآن، الذى عاتبه صلى الله عليه وسلم فى الآية 37 من "الأحزاب" لأنه كان يخشى الناس، فلذلك تباطأ فى الزواج من زينب بعد تطليق زيد لها حتى لا يقولوا إنه قد تزوج امرأة ابنه، مع أن الله أحق بأن يخشاه؟ الواقع أننى لا أعرف سر هذا الغرام لدى أسد بمخالفة ما هو معلوم ومقرر دون داع والإتيان بدلا منه بتلك الآراء الغربية التى يصعب على النفس والعقل هضمها!

 

والنقطة الثانية هى دعواه بأن الحكم الشرعى فى قوله عز من قائل: "يا أيها الذين آمنوا، إذا ناجيتم الرسول فقدِّموا بين يَدَىْ نجواكم صدقة" لا يزال سارى المفعول، إذ الآية فى نظره أعم مما يُفْهَم من ظاهرها، والمقصود هو أن على المسلم تقديم صدقة، سواء كانت صدقة مالية أو مجرد كلمة طيبة...إلخ كلما أقبل على دراسة تعاليم النبى، فهذه التعاليم عنده تقوم مقام الرسول نفسه عليه السلام[25]. وكاتبنا، بهذه الطريقة، يضيِّع معالم النص ويجعله ينطبق على كل شىء وأى شىء. ثم إننا لم نسمع أن أحدا من الصحابة كان يفعل هذا الذى يطالب به أسد، بل على العكس كان بعضهم يشفقون أن يقدموا بين يَدَىْ نجواهم مع الرسول نفسه صدقات كما تقول الآية التى تلى ذلك، فكيف يطالَب المسلمون بعد وفاة النبى أن يقدِّموا هذه الصدقات؟ على أية حال فهذه الآية توضح أن الله قد أعفاهم من هذا الحكم، إذ تقول: "أأشفقتم أن تقدِّموا بين يَدَىْ نجواكم صدقات؟ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتُوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بما تعملون". لكن أسد، رغم هذا، لا يسلِّم بل ينفى أن يكون فى الآية الثانية نسخ للأولى، فهو ينكر فكرة النسخ من جذورها لأنها، كما يقول، تذكرنا بمؤلف بشرى يعيد النظر فى بعض النصوص التى كتبها فيشطب ما تبيَّن له خطؤه ويستبدل به كلاما آخر[26].

 

والواقع أن فكرة النسخ فى القرآن أضحت هدفا لمطاعن النصارى بعد أن كانوا يقولون به فى أديانهم، لكنهم عادوا واتهموا القرآن بالتخبط وتغيير الأحكام من آونة لأخرى[27]. فهل يريد أسد أن يغلق الباب فى وجه هؤلاء وأمثالهم؟ لكننا لو نفينا من القرآن كل ما يتخذه أعداؤه مطاعن عليه فأخشى ما يُخْشَى أن نصحو ذات يوم فنجد أننا قد نسخنا القرآن أجمع! وأيا ما يكن الأمر فلابد أن نعرف أن النسخ غير البَدَاء: فالبَدَاء هو اتهام الله سبحانه بالجهل بما يقع واضطراب أحكامه بناء على هذا، أما النسخ فهو المواءمة مؤقتا بين الأحكام وبعض الظروف الطارئة ثم تغيير هذه الأحكام بعد زوال الطارئ من الظروف. فالفرق بينهما، كما ترى، هو الفرق بين المشرق والمغرب[28].

 

والحق أن فى تفسير أسد لمفهوم النسخ ظلما وتجنيا شديدا على من يقولون به، فهم لا يقصدون هذا الذى يظنه بَتَّةً ولا يمكن أن يدور بذهنهم شىء منه، وكل ما يقولونه هو أن الظروف فى بداية الدعوة الإسلامية كانت تحتاج إلى بعض التشريعات الوقتية التى تناسبها ثم يُسْتَبْدَل بها غيرها متى زالت هذه الظروف الخاصة. وهذا مشاهد فى كل مجالات الحياة، فالطفل مثلا له معاملة تختلف عن معاملته هو نفسه عندما يكبر، وليس يظن عاقل أن فى الأمر خطأ، بل هى طبيعة التطور. وعجيب أن يتصلب أسد فى موقفه هذا من النسخ، وهو الذى يقول باحترام التطور فى مسألة الزى النسائى على رغم خطورة الرأى الذى ينادى به.

 

ومما يعتمد عليه مترجمنا فى إنكار النسخ فى القرآن أيضا الآية 42 من سورة "فُصِّلَتْ"، التى تصف القرآن المجيد بأنه "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فهو يظن أن "إبطال" الحُكْم فى الآية المنسوخة هو نفسه "الباطل" الذى نفته الآية عن القرآن[29]، مع أن هذا غير ذاك. ومثله نوع الطعام الذى يقدَّم للإنسان فى فترة الرضاعة، إذ بعد أن يكبر الطفل وتنبت له أسنان ويقوى جهازه الهضمى فإن أمه تكف عن إرضاعه اللبن وتقدِّم له بدلا من ذلك أطعمةً متماسكةً، ولا يقال أبدا إنه قد اتضح أن اللبن كان طعاما باطلا.

 

ولأن مستشرقنا النمساوى يرفض القول بالنسخ نراه يلوى بعنفٍ عنق الآيتين 6-7 من سورة "الأعلى": "سنُقْرِئك فلا تَنْسَى* إلا ما شاء الله" قائلا إن هذه الجملة قد سببت حيرة شديدة للمفسرين إلى يومنا هذا، وإنهم كالعادة قد لجأوا فى تفسيرها إلى القول بالنسخ، أما هو فيفسرها بأن المقصود هنا ليس قراءة القرآن ونسيانه بل العلم البشرى بكل أنواعه من تجريبى وتأملى واستنباطى مما يورِّثه كل جيل للجيل الذى يليه فلا يضيع منه شىء إلا ما يشاء الله أن ينساه البشر لكونه لم يعد صالحا جَرّاءَ تقدم العلم والتنبه إلى خطئه. وفى هذا التفسير من التمحل ما فيه، فالكلام فى الآيتين موجه للرسول عليه السلام، على حين أنه، حسب تفسير أسد، موجه إلى البشرية كلها دون أن يكون فى السياق ما يسوِّغ هذا التفسير.

 

على أن محمد أسد ليس هو الوحيد الذى ينكر النسخ بل مجرد واحد ممن يفعلون ذلك، ومنهم على سبيل المثال عبد المتعال الجبرى، الذى ألَّف منذ سنوات كتابا بعنوان "لا نسخ فى القرآن". ولهذا الفريق حججه التى يبسطها فى الدفاع عن رأيه، وهم يؤوّلون كل آية يقول غيرهم إنها قد نُسِخَتْ بحيث تبدو وكأن مفعولها لا يزال ساريا. ولست أرى فى هذا ما يجرح إيمان أصحابه، وإن كنت أخالفهم فى موقفهم. وقد أحببت فى ردى على أسد أن أبين أن الأدلة التى يوردها فى الدفاع عن رأيه ليست بالأدلة القوية أو الوجيهة، وهذا كل ما هنالك. وعلى أية حال فإنى أجد الخلاف معه هنا أهون كثيرا من الخلاف حول عصمة الأنبياء أو القول بنجاة اليهود والنصارى والصابئين بعد مجىء الرسول عليه الصلاة والسلام برسالته إلى جميع الإنس والجن.

 

وفى النهاية أحب أن أضيف شيئا لأنى، بعد أن فرغت من فصول هذا الكتاب كلها تقريبا، قد اطلعت على ترجمة محمد أسد فى "تتمة الأعلام للزركلى" لمحمد خير رمضان يوسف، فألفيته يقول إن أسد قد "ظل يُسْدِى النصح الصبور إلى الإسلاميين ليقنعهم بأن الموعظة الحسنة والبناء المتأنى لا الصراع المتعجل هو سبيل البناء الإسلامى الصحيح"[30]. وأنا معه فى هذا، وأرى أنه ينبغى البدء بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية قبل التفكير فى تطبيق الحدود، التى ينبغى أن تكون آخر ما يطبَّق بعد أن تكون الأرض قد مُهِّدَتْ لها تماما مثلما حدث فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

 

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

[1] انظر مثلا ص 41/ هـ 167، وص 575/ هـ 101 من ترجمته للقرآن: "The Message of the Qur'an".

 

[2] انظر ص 54/ هـ 326.

 

[3] انظر ص 54/ هـ 232.

 

[4] انظر ص 236 / مقدمة ترجمته لسورة "الأنفال".

 

[5] انظر ص 265/ هـ 59. لكن الأستاذ أسد يرى، مع ذلك، أن الإسلام دين استعمارى وأن ليس فى ذلك ما يعيبه، إذ لم يكن الدافع له إلى فتح العالم واستعماره هو حب السيطرة أو الأنانية الاقتصادية أو القومية أو إكراه الناس على اعتناقه، بل "بناء إطار عالمى لأحسن ما يمكن من التطور الروحى للإنسان"، فإن "المعرفة بالفضائل، حسب تعاليمه، تفرض على الإنسان من تلقاء نفسها تبعة العمل بالفضائل، أما الفصل الأفلاطونى بين الخير والشر من غير حث على زيادة الخير ومحو الشر فإنه فسق عظيم فى نفسه. ذلك أن الاخلاق فى الإسلام تحيا وتموت مع المسعاة الإنسانية للعمل على نصرتها على الأرض" (محمد أسد/ الإسلام على مفترق الطرق/ ترجمة د. عمر فروخ/ دار العلم للملايين/ 31)، وهو ما يعنى أن الحرب فى الإسلام ليست دائما دفاعا عن النفس، بل قد تكون نشرا للهداية الإلهية والقضاء على طاغوت الشر. ترى هل تطورت أفكار أسد فى هذا الموضوع؟

 

[6] المائدة/ 33- 34.

 

[7] انظر ص 148-149 / هـ 45. وكان أسد قد قال فى ترجمته لـ"صحيح البخارى" الصادرة فى كتاب سنة 1938م إن معنى عبارة "تقطيع الأيدى والأرجل" هو القضاء على قوة الشخص ونفوذه فى الدنيا (ص 30/ هـ 4 من "Sahih al-Bukhari- The Early Years of Islam".

 

[8] المائدة/ 195.

 

[9] يوسف/ 25.

 

[10] النساء/ 93.

 

[11] يوسف/ 75.

 

[12] وقد وهم الأستاذ أسد حين ظن أن النفى إنما يكون للمعتدَى عيهم لا المعتدين على غيرهم.

 

[13] وهى الآية 38 من سورة "المائدة"، ونصها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله...".

 

[14] انظر ص 149- 150/ هـ 48 فى التعليق على الآية المذكورة.

 

[15] انظر ص 532/ هـ 2.

 

[16] انظر ص 533/ هـ 7.

 

[17] انظر ص 101/ هـ 4، وكذلك ص 519/ هـ 3.

 

[18] المؤمنون/ 6، والمعارج/ 30.

 

[19] الأحزاب/ 28.

 

[20] كما جاء فى الآيتين23– 24 من سورة  "النساء".

 

[21] انظر ص 538/ هـ 37. ولعل فى هذا ما يفسر قول أسد إن ذا القرنين لم يشأ أن يزعج الأقوام البدائيين العراة الذين وجدهم فى طريقه، وآثر أن يتركهم على تلك الحالة الفطرية التى ألفاهم عليها مما تناولتُه فى موضع آخر من هذا الكتاب.

 

[22] انظر ص 540/ هـ 78.

 

[23] انظر ص 545- 546/ هـ 80.

 

[24] انظر ص 645- 646/ هـ 43 تعليقا على الآية 37 من سورة "الأحزاب".

 

[25] ص 846- 847/ هـ 22 فى التعليق على الآية 12 من سورة "المجادلة".

 

[26] انظر ص 22/ هـ 87.

 

[27] انظر مثلا محمد عبد العظيم الزرقانى/ مناهل العرفان فى علوم القرآن/ عيسى البابى الحلبى/ 2/ 186.

 

[28] انظر مثلا، فى تجويز النسخ والتفرقة بينه وبين البَدَاء، ابن الجوزى فى كتابه "نواسخ القرآن"/ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة/ 1404هـ- 1984م/ 78 وما بعدها.

 

[29] انظر ص736/ هـ35.

 

[30] محمد خير رمضان يوسف/ تتمّة الأعلام للزركلى/ دار ابن حزم/ 2/ 45.