الأمن المائي العربي... ومستقبل الصراع العربي الإسرائيلي

 

 

بقلم: سري القدوة

 

بات موضوع المياه مرشحاً لإشعال الحروب في منطقة الشرق الأوسط وفقاً لتحليل دوائر سياسية عالمية، خاصة ان اغلب الأقطار العربية لا تملك السيطرة الكاملة على منابع مياهها. فأثيوبيا وتركيا وغينيا وإيران والسنغال وكينيا وأوغندا وربما زائير ايضاً هي بلدان تتحكم بحوالي 60% من منابع الموارد المائية للوطن العربي. ويدور الحديث الآن حول ارتباط السلام في الشرق الأوسط بالمياه بعد اغتصاب إسرائيل لمعظم نصيب دول الطوق العربي من المياه. كما ان بعض الدول أخذت تتبنى اقتراحاً خطيراً للغاية يتمثل في محاولات إقناع المجتمع الدولـي بتطبيق اقتراح تسعير المياه، وبالتالي بيع المياه الدولية. ويقع على رأس هذه الدول تركيا وإسرائيل. والأخطر من ذلك تبني بعض المنظمات الدولية (كالبنك الدولي ومنظمة الفاو) لتلك الاقتراحات، متناسين حقيقة الارتباط الوثيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي من جهة، والأمن القومي العربي من جهة أخرى.

لقد تحول موضوع المياه إلى قضية ساخنة ومركزية في التنمية والسياسيات، وفي الصراع العربي الإسرائيلي، وهو موضع اهتمام عالمي ونقاش جماهيري واسع حيث يشكل الماء محور الجغرافيا السياسية في كل مرحلة من مراحل التاريخ في المنطقة، وأساس التفاعلات الحضارية والصراعات والتداخلات الخارجية، وكان الماء موضوع النزاع والهجرات للقبائل العربية عبر التاريخ.

ومازالت المياه في أوائل القرن الحادي والعشرين مشكلة من أخطر المشكلات التي تواجه العرب، يقول الخبير الأمريكي توماس ناف: "إن المياه في الشرق الأوسط قضية اقتصادية وسياسية واجتماعية، وتمتد لأن تصبح مصدرا محتملا للصراع، وهو ما يجعلها ذات بعد عسكري.

والوطن العربي يقع في المنطقة الجافة وشبه الجافة، وتخترقه من الغرب إلى الشرق صحارى واسعة جدا يكاد ينعدم المطر فيها، أما المناطق الساحلية والجبلية القريبة منها فإنها تتعرض لتيارات هوائية بحرية ومنخفضات جوية تسبب هطول الأمطار في فصول ومواسم محددة. ففي البلدان العربية المتشاطئة مع البحر الأبيض المتوسط تسقط الأمطار عادة في فصل الشتاء، وأما البلدان الواقعة على بحر العرب وفي بعض مناطق الجزيرة العربية وجنوب السودان فإنها تتعرض لتأثير الرياح الموسمية الصيفية الحاملة للأمطار.

وتتراوح المعدلات السنوية لهطول الأمطار في الوطن العربي بين 250 -400 ملم، وتتجاوز الألف ملم في بعض مناطق جبال لبنان والساحل السوري ومرتفعات اليمن وجنوب السودان، ويسقط على الوطن العربي 2100 - 2300 مليار م3 سنويا.

وفي ضوء ذلك تتشدد إسرائيل في مطالبها المائية تجاه الدول العربية المجاورة وتتطلع إلى لعب دور إقليمي على صعيد الشرق الأوسط بما فيه إيران وتركيا لضمان أمنها المائي بل إنها تتطلع إلى دول حوض النيل للغرض ذاته

وكانت المياه العربية موضوع ندوات ولقاءات عربية ودولية رسمية وغير رسمية. وما تزال هذه الأنشطة مستمرة لمعالجة الجوانب الفنية والقانونية المتعلقة بالمياه العربية، وكان موضوع المياه العربية على جدول أعمال أول مؤتمر قمة عربية عقدت عام 1964.

إن توطين ستة ملايين وافد في أرض فلسطين سيفاقم بالتأكيد الأزمة والضغط على مصادر المياه كما أن تهجير اللاجئين الفلسطينيين إلى الأردن الفقير مائيا ضاعف الأزمة المائية، وتبدي إسرائيل أطماعا واضحة في المياه العربية وبخاصة حصة الدول العربية المشاركة في حوض نهر الأردن.

وقد أقام اليهود قبل إقامة دولة إسرائيل مجموعة من المشاريع المائية تؤشر الى اهتمام مبكر بقضية المياه، مثل تجفيف بحيرة الحولة عام 1934، ومشروع روتنبرغ لاستخدام مياه نهري الأردن واليرموك عام 1927، ومشروع يونيديدس عام 1938 لدراسة المياه في فلسطين، ومشروع لادور ميلك عام 1944 لدراسة الموارد المائية في فلسطين وإمكانية استخدامها، ومشروع هيزر عام ،1946 وبعد عام 1948 أعدت دراسات ومشاريع لاقتسام وتنظيم استخدام نهر الأردن وحوضه أهمها مشروع جونسون عام 1955 وقامت إسرائيل بنقل جزء كبير من مياه نهر الأردن إلى صحراء النقب، وهي تقوم الان بسرقه مياه قطاع غزة عبر انابيب توصبل وتنقلها الي منطقة بئر السبع .

وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية اتفق على إنشاء لجنة للتعاون والتنسيق في موضوع المياه، وقد تعهدت إسرائيل عام 1995 بزيادة حصة الضفة الغربية من المياه، وهي ابتداء مياه فلسطينية استولت عليها إسرائيل عام 1967.

وقد عالجت اتفاقية وادي عربة التي وقعت عام 1994 بين إسرائيل والأردن المياه بتفصيل واهتمام، ويؤخذ عربيا على هذه الاتفاقية أنها تجاهلت حقوق الدول العربية الأخرى في مياه نهر الأردن ونهر اليرموك وأدخلت إسرائيل طرفا أساسيا في تعاون عربي أو إقليمي في مجال تنمية الموارد المائية، وأسست لهيمنة إسرائيلية على موارد المياه في نهر الأردن والأحواض الجوفية.

ان مطامع إسرائيل كبيرة جدا ًوخطيرة باستخدام المياه كعنصر أساسي في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تشكل المياه أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً وذلك لارتباطها بخططها التوسعية والاستيطانية في الأراضي العربية. وتشمل تلك الأطماع في الموارد المائية العربية نهر الأردن وروافده ونهر اليرموك وينابيع المياه في الجولان وانهار الليطاني والحاصباني والوزاني في لبنان. إضافة الى سرقة إسرائيل للمياه الجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمصلحة مستوطناتها الاستعمارية.

وفي ضوء ذلك يبقي إن ندرك أن المياه تهدد المستقبل العربي وخاصة الفلسطيني، ويجب على جامعه الدول العربية أن تتحمل المسؤولية تجاه مستقبل المياه وتعمل علي توفير المياه عبر مشاريع التحلية حيث بات الأمن المائي العربي في خطر حقيقي سيواجهه المواطن العربي مستقبلا بعد أن أصبح اليوم لتر المياه الواحد اغلي بكثير من لتر المحروقات.

ان المستقبل يحتم علينا العمل ضمن رؤية واقعية لمعالجة مشاريع المياه لوضع حد للهيمنة الإسرائيلية علي موارد المياه العربية مما يكرس الواقع ألاحتلالي الإسرائيلي فلسطينيا وعربيا.