استنهض المسلمين اليهود
بقلم : د. فايز صلاح أبو شمالة
نام المسلمون قروناً من
الزمن، لم يبعث فيهم الحمية على دينهم، ووطنهم كل ما لحق بهم من ويلات ومصائب،
ناموا، وفرش لهم البين رداءه، وتمطى عليهم بأغطية تحجبهم عن نور التطور، وتخفف
عليهم وخز المهانة، ناموا في أبين اللحظات التي كان يعد لهم فيها الاستعمار مقصلة سايكس بيكو، لشنق البلد العربي
الواحد بالتقسيم، وتسليم فلسطين (للصهيونية) الحركة القومية لليهود، أو حركة
الإحياء القومي، كما أسموها في حينها، لتمرر على العرب فكرة بعث الحركة القومية
للعرب في مقابل الحركة القومية الصهيونية، وليأخذ الصراع أبعاداً قومية، يخفي من
خلفه عن قصد ودراية أصل الصراع ودوافعه، وأهدافه التي تصل إلى عميق المعتقد، ومن
يدقق في مفاصل التاريخ يدرك من الذي فتح المسارب والمسارات، وشجع على بروز القومي
العربي في مواجه القومي الصهيوني، ومن دفع إلى عقد مؤتمرات العرب قبل 1948،
ونتائجها، ومن يدقق يعرف من أسهم في إنشاء جامعة الدول العربية، ومن رعى تأسيسها،
وحدد لها الدور الذي تلعبه في فترة ما من التاريخ العربي المعاصر تحت رعاية وحماية
الاستعمار البريطاني.
مراجع التاريخ المنطبق على
الواقع هي التي تشي بأن القومية العربية قد نهضت في حينه لمجابهة القومية
الصهيونية، فقد تم تصوير الصراع على أنه صراع قوميات ناهضة في أوروبا، تنعكس
بتأثيرها على الشرق، الذي انخدع وعام على بحر ضحل من الفكر الموجه، وظن أن اليهود
لا علاقة لهم بالمعتقد الديني، وإنما مصالح اقتصادية تحركهم، وأطماع حفنة من
المستثمرين والمستعمرين تستغلهم، وأنهم رأس حربة لمشروع استعماري يوظفهم لخدمة
الدول الكبرى، لقد تسوق هذا الفكر، ووجد من يشتريه، وهناك من لا يزال يصر على أن
لا شأن للديانة اليهودية بالصراع الدائر على أرض فلسطين، وإنما الصراع يدور على
مصالح ومكتسبات، وأطماع استعمارية في المنطقة، وقد عزز الفكر الماركسي هذه
النظرية، بل ذهب إلى أن اليهود المساكين تسوقهم الصهيونية كالجمال السائمة إلى حيث
لا يدركون أبعاد خطواتهم المستقبلية، وأنهم مظلومون كادحون، مثل الطبقة العاملة في
الشعب العربي تماماً، وما جاء العمال اليهود إلا لإقامة الكيبوتسات
التعاونية الاشتراكية، ولا ينشدون إلا السلام والسلامة، والخير لبني البشر، وأن من
حقهم التجمع والحياة على أرض إسرائيل مثلهم مثل بقية شعوب الأرض؟
كانت ليالي المشرق من
الزمان اليهودي حبالى، فإذا جاءها المخاض، برزت الحقائق جلية على أرض الواقع في
السنوات الأخيرة، جاءت الوقائع لتؤكد بطلان كل ادعاء يفصل الصراع على أرض فلسطين
عن عمقه الديني، وجاءت الحقائق لتؤكد أن النهضة اليهودية، والعودة على تعاليم
الديانة اليهودية، واحترام الشعائر اليهودية، وتقديس يوم السبت عند اليهود،
والاكتفاء ـ على سبيل المثال ـ في كل إسرائيل بأكل "البيسح"
القراقيش سبعة أيام عيد الفصح، للتأكيد على يهودية
الدولة، وللتأكيد على أن اليهودي لم يعد إلى أرض فلسطين طلباً للمال، ولا بحثاً عن
الأمن، ولا هرباً من ضيق الرزق، على العكس، كان اليهود ومازالوا من أغنى أغنياء
العالم، ـ الملياردير واليهودي روتشلد دليل على ذلك،
وهو من دعم بالمال أول فكرة استيطان في فلسطين ـ ومن أكثر التجمعات أمناً
واستقراراً في كل العالم، بما في ذلك أوروبا، بل وكانت دعوتهم للعودة إلى فلسطين
قبل ظهور النازية في ألمانيا بسنوات.
لقد جاء اليهودي إلى فلسطين
ليستكمل الشعائر الدينية اليهودية، لكي يمارس عباداته بشكل سوي، لكي يحقق حلم
العودة والدولة، وقد يكون قد تعمد التقية في بداية دعوته لكي يحظى بتعاطف العالم
معه، ولكن مع كل تقدم وانتصار، ومع كل نجاح للخطوات المدروسة بعناية فائقة، ومع كل
تحقيق للوجود، برزت بجلاء النوايا الحقيقية، التي عبر عنها اليهود بطريقة الرقص
الهستيري عشية حرب 1967، وانتصارهم على جيوش العرب، لقد انتشرت في حينه في أوساط
اليهود مقولة: ديننا اليهودي على حق، ونصر الأيام الستة جاء ليؤكد ذلك، وكانت
النتيجة أن مال المجتمع اليهودي في إسرائيل إلى التدين كاستجابة للنصر، بل تأكيداً
على أن النصر الذي تحقق على الجيوش العربية ما كان ليتم لو أن فكرة العودة إلى أرض
الميعاد لم تجئ في موعدها الصحيح.
لقد استنهض تمسك اليهودي
بتعاليم دينهم جميع أهل الأرض، بعد أن أدهشهم النصر المتزامن مع التوسع في إظهار
خصائص تعاليم دينهم، لقد بات ينظر سكان الأرض إلى اليهودي القادم من التاريخ
كمعجزة تتحقق على الأرض، وجسد منظر رئيس وزراء إسرائيل مناحيم
بيجن وهو يضع على رأسه ( الكيبه)
الطاقية اليهودية، ويوقع اتفاقية كامب ديفيد مع أكبر
دولة عربية النصر التاريخي لسلامة فكرة العودة إلى أرض الميعاد، كان استهلال مناحيم بيجن حديثة بفقرات من (التناخ) ما يوحي بأن مصدر قوة هذا القائد ترجع إلى تمسكه
بتقاليد اليهود الأوائل، ومعتقدهم، وتعاليمهم.
لقد استنفر اليهود بتمسكهم
بتعاليم دينهم، وسيطرتهم على رأس المال والإعلام، وعلى القرار السياسي في أكثر من
مكان في العالم، استنفر الأديان جمعيها لتأخذ موقعها في السيطرة على العالم،
ولتبحث لها عن دور سياسي، أو ليبحث السياسي عن دور من خلال الدين، لقد حصل ذلك مع
الديانة المسيحية التي باتت تتحكم بخطوات الساسة في كل من بريطانيا وأمريكا، وهو
ما حرك جماعة (اللادينيون، أو الملحدون) لعقد مؤتمر لهم
في باريس تحت شعار: صياغة برنامج ضد ما يشكله تنامي الديانات، والساسة المتدينين
من خطر على الدولة العلمانية في أنحاء المعمورة، حيث لا ينكر "روي بروان" رئيس الاتحاد الدول اللاديني
انزلاق المجتمع الأمريكي نحو الدولة الدينية، بل وتزايد التدين والأصولية في كل
القارات، وهذا ما يؤكده المدير التنفيذي للاتحاد "بابوجوجينيني"
يرى أن تغطية جنازة البابا يوحنا بولس الثاني، وتنصيب خليفة له، ترقى إلى حد
الدعاية المجانية للكاثوليكية.
وصل الأمر في أمريكا إلى ما
هو أبعد من ذلك، حيث راح يوسع المساندون للرئيس جورج بوش من نفوذهم، ليشمل المدارس
والمختبرات العلمية والمتاحف، وقال " بول كيرتز"
رئيس تحرير مجلة البحث الحر: إننا على شفا تحزب ديني.
نفس التدين ينتقل إلى
بريطانيا حيث يشجع طوني بلير
أكثر رئيس وزراء بريطاني متدين منذ قرن، المدارس الدينية، ويسمح لبعضها القول: أن
نظرية دارون عن النشوء والارتقاء خاطئة.
لم يقف الأمر على الديانة
المسيحية، ففي الهند بدأوا يبرزون الشخصيات الدينية،
ويشاركونها في الظهور، وفي أفريقيا كما أشارت دورية "فوكاس
أون أفريكا"، تقوم الحركات المسيحية الإنجيلية
التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية بالحلول محل الكنائس الكاثوليكية
والأسقفية، كما فعلت ذلك في أمريكا اللاتينية، ووصل الأمر في روسيا التي كانت
يوماً معقلاً للشيوعية أن يظهر البطريرك "ألكسي" إلى جانب الرئيس فلاديمر بوتن.
بعد
كل ما سبق، أهناك متشكك في أن تأسيس دولة اليهود؛ وتمسك اليهود بتعاليم دينهم،
وتماسكهم خلف معتقدهم، كان سبباً في أيقاظ الآخرين من سباتهم، وإثارة اهتمامهم على
مستقبل معتقداتهم، وتخوفهم من تيه الأفكار الوافدة عليهم؟ بمعنى أكثر وضوحاً؛
أوليس تعصب اليهودي لمعتقدهم السبب الرئيس في بعث التعصب الديني في كل المعمورة.
ألا يمكن الجزم بأن
التعاليم اليهودية، وخطوات اليهودي العقائدية المدروسة قد نجحت في استنهاض مقابلها
الإسلامي، واستنفرت المسلمين للدفاع عن دينهم بعد صمت قرون؟