تعليقات على المقالة اليابانية

 

 

 

بقلم د : يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

المقال منشور بموقع جريدة الشعب 9\7\ 2005  بعنوان " الإسلام هو النموذج  الأمثل"  أو" القرآن هو لب الإسلام " أو " الإسلام هو الدين الحق " بقلم د : ناوكي كوموروترجمة : ميسرة عبد الراضي عفيفي ، لا ندري أي هذه العناوين هو الأصل ، وأيها من وضع المؤلف ، أو من وضع المترجم

نشهد أن الكاتب افاد  أكثر مما أساء وأجاد أكثر مما تعثر ، لكنه عند ما تعثر تعثر في مواضع ممالا يحسن السكوت عليه وبخاصة لكونه أنصف في مواضع أخرى ، الأمر الذي قد يكون سببا عند البعض - وبخاصة من سرهم العنوان - في التسليم بكل ما  كتب ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ) 102 التوبة

 

يرى الكاتب أن المسلمين  يتزايدون في أمريكا بمعدل مرتفع للغاية. ويتوقع أن ينتشر كذلك في روسيا وغيرها من الدول لكونه  في غاية الوضوح والبساطة.ً

ويشير إلى حقيقة تاريخية شديدة الأهمية من وجهة نظره تلك هي أنه لا يوجد بلد من البلاد التي دخلت في الإسلام  تحولت بعد ذلك إلي البوذية. ولكن العكس حدث بكثرة. فكل البلاد التي يمر بها طريق الحرير كانت بوذية وتحولت إلى الإسلام.

والبلاد التي تحولت من المسيحية إلى الإسلام كثيرة جداً، و حتى العصور الوسطى لا يكاد يوجد بلد تحول من الإسلام إلى المسيحية، إلا فيما ندر.ًويرجع ذلك إلى أنه لا توجد في الإسلام تعاليم غامضة مثل "فداء المسيح للخطيئة الأصلية" أو منطق "الفراغ" أو "الإدراك الأوحد" كما في البوذية.

وبذلك كان من الطبيعي أن تتحول الدول الأفريقية من المسيحية إلى الإسلام.

 

وأكد أنه عند الحديث عن مقارنة الأديان يجب البدء بشرح الإسلام ليس فقط لأنه في الإسلام تتوحد تماماً تعاليم الدين مع تقاليد المجتمع مع قوانين الدولة، ولكن أيضا لأن معرفة الإسلام هي الطريق إلى معرفة اليهودية والمسيحية، بل والبوذية أيضاًَ.

كما أكد أن قراءة القرآن هي أفضل طريقة لفهم الإسلام..

، وأنه يصعب الحصول على "كتاب مقدس" في الأديان الأخرى له وضوح وسهولة وجاذبية القرآن.

 

وضرب  مثالا على وضوح المنطق القرآني : ذلك أنه من أهم التعاليم في المسيحية  ما يطلق عليه "عقيدة نيقية" وهي أن عيسي المسيح عليه السلام  إله وفي ذات الوقت إنسان كامل. وفي المسيحية عقيدة الثالوث المقدس. بمعنى أن الآب والابن والروح القدس متحدون في واحد. وهي أهم تعاليم الدين المسيحي. لكنها في الوقت نفسه  غاية في الصعوبة ولا يمكن فهمها على الإطلاق.

 

وبين أن الإسلام  ينكر ذلك بمنتهى الوضوح ، وأن عيسي في الإسلام لا يزيد عن كونه بشرا ونبيا عظيما . ليس إلها على الإطلاق. وكذلك هو  محمد{ صلى الله عليه وسلم } . لا يزيد على أنه بشر وأفضل الأنبياء جميعا.

كما ينكر الإسلام "عقيدة الثالوث"  ، ويقرر أن الرب هو الله الواحد الأحد لا ثاني له ولا ثالث.

ويقرر أنه عند النظر بحيادية لابد من الاعتراف أن القرآن في هذا الموضوع هو الذي يتماشى مع العقل والمنطق.

ويثير الكاتب مسألة القضاء والقدر ، أو ما يسميه "  نظرية القدرية المسبقة التي تعتبر من أكبر سمات المسيحية؟ " ويتخبط في تقريره للموضوع فتارة يؤكد أنه يوجد في الإسلام شئ شبيه بها، وهي مشيئة الله  أو القدر"مشيئة الله" ( وهي المتحكمة في كل شيء بين السماء والأرض بدون"استثناء" بيد الله القدير العليم وهو الذي بيده مصير الإنسان في الماضي و الحاضر والمستقبل) أي أن سعادة الإنسان أو شقاءه في هذه الدنيا قررها الله  سلفا ،   ويذكر تارة أن ذهاب  الإنسان في الإسلام إلى الجنة أو إلى النار يترتب على أفعاله ، ما إذا  فعل خيرا أو فعل شرا في هذه الحياة الدنيا . – وهذا صحيح بشرط الإيمان - أي أن هناك سببية في هذا الموضوع ،. وأنه لا يوجد في تعاليم المسيحية الأصلية بعد الإيمان أي عبارة تـأمر بفعل الخير.

وتجاوزا منا لما يذكره عن المسيحية – او عن البوذية -  فإن ما يعنينا هو أن الكاتب يتصور أن عقيدة القضاء والقدر التي يقررها الإسلام من ناحية تتعارض مع مبدأ السببية التي يقررها الإسلام أيضا من ناحية أخرى .

ويحل الكاتب هذا التضارب – حسب تصوره – بما قدمه من أن القدرية إنما هي في سعادة الإنسان وشقائه في الدنيا ، وأن السببية إنما هي في شقائه أو سعادته في الآخرة ، وهذا الحل غير صحيح فضلا عن أنه محض تحكم

أما أنه غير صحيح فذلك لأن النصوص صريحة في أن القضاء والقدر شامل لكل ما في الكون ، وأما أنه محض تحكم فلأن التمييز بينهما لا دليل عليه .

والصحيح إسلاميا – باختصار شديد - أن القضاء والقدر تخضع له جميع الأشياء ، وفقا لقوله تعالى ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) 49 القمر ، وقوله تعالى ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) 51 التوبة ، وقوله تعالى (  ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) 22 الحديد ، إلخ وهذا موضع الاتفاق عند جميع الفرق الإسلامية ، وهو لا يتعارض كما يظن الكاتب مع مبدأ السببية ، ذلك أن القضاء والقدر إن كان يعني العلم السابق فالعلم صفة كشف وليس صفة تأثير ، وإن كان يعني الإرادة فمبدأ السببية إنما تقرر بإرادة الله ، ومن ضمنه أن جعل للإنسان حرية وإرادة في فعل الأفعال الاختيارية ، وإن كان يعني الخلق فأفعال العباد الاختيارية توجد بقدرة من الله أودعها الله في العبد ، أما كيف تقوم هذه القدرة بدورها فذلك هو موضع البحث الذي لم تتفق عليه الفرق ، وكان حله عمليا في حديث الرسول بقوله صلى الله عليه وسلم ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) وأوصى بعدم الخوض في هذه النقطة من هذا الموضوع

.

وللكاتب أن  نسجل صحة رأيه في بعض ما يتعلق بهذا الموضوع  في : أن القرآن مفعم بأوامر فعل الخير والنهي عن فعل الشر ، وأن الشريعة الإسلامية هي التي تحدد عن طريق الأمر والنهي ما هو الخير وما هو الشر ، ..

وأن الإنسان  إذا فعل  الخير: سيكون مصيره الجنة. وإذا فعل السيئات فسيسقط في الجحيم. وأحد السمات التي تميز الإسلام أن الجنة وكذلك الجحيم يصوران  بشكل حسي مادي . ولم يتنبه الكاتب إلى أن هذا النعيم في الإسلام ليس محصورا في شكله المادي ويدل على ذلك أمور : أولا أن هذا النعيم الحسي إنما يأتي كذلك في البداية " وأوتوا به متشابها " ،  تجنبا لصدمة ما هو غير مألوف " ولكنه مفتوح الأفق من هذا الباب إلى ما فوقه ، إلى ما فوقه مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  ، إلى ما فوق ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت . إلى ما فوق ذلك من رؤية الإنسان لله ، والعكس صحيح بالنسبة للجحيم

***

تحت عنوان " بماذا تؤمن في الإسلام " ذكر الكاتب أن  منطق القرآن يختلف مع منطق اليابانيين اختلافا كبيرا جدا في طريقة الإيمان بالله ، فبينما يقول أكثر رجال الدين مثالية في اليابان:<لا أدري من المعبود ولكن يفيض الدمع لهذا الجلال> …..يذكر القرآن في كثير من مواضعه صفات الله وأسماءه وقدراته. ويتطلب الإيمان بالله – في الإسلام - الإيمان بكل هذه الأسماء والصفات من أعمق أعماق القلب. فالله هو القوي المتين خالق السموات والأرض. الله هو الذي وهب الحياة للإنسان وهو الذي يميته. الله مستمر الوجود بلا انقطاع . الله واحد أحد موجود صمد قوي متين شديد الحساب.

ويذكر الكاتب نقلا عن بعض المصادر الإسلامية التي لم يحددها أن القرآن يذكر 99 اسما وصفة لله ، إذا لم يؤمن الإنسان بها جميعا لا يعتبر مؤمنا بالله.

وهذا غير دقيق : إذ أن هذه الأسماء ليست واردة كلها في القرآن الكريم ، كما أنه ليس مطلوبا من كل مسلم أن يعرف هذه  الصفات والأسماء كلها ، لكن بعضها لازم ، وبعضها من المستحسن أن يعرفه ، وما يعرفه منها من طريق القرآن أو السنة يجب عليه أن يؤمن به .

 

ثم ذكر الكاتب  أن القرآن يركز على رحمة الله الواسعة، وأنها أكبر مميزات الإسلام.

ويقرر أن أكثر الأشياء اللاهوتية تعقيدا في العهد القديم أن الرب عاقب الأمم التي لم تحافظ على وعدها معه،  ووصل العقاب إلى حد الإبادة الجماعية. وكذلك عاقب شعب إسرائيل عندما خالف وعوده مع الله أكثر من مرة.. ولكنه لم يبدهم كما فعل مع قوم نوح و عاد وثمود. ولا تستطيع  اليهودية تقديم سبب مقنع لذلك. في حين أن الإسلام يشرح لنا السبب. هو أن الله هو الحليم واسع المغفرة، ولو أخطأت فمن الممكن أن يغفر لك أخطاءك.

ويذكر الكاتب ما يجب الإيمان به في الإسلام وهو ستة أشياء محددة بشكل واضح :  أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.

أول الأشياء الستة هو الإيمان بالله بأسمائه وصفاته المشار إليها آنفا.

الثاني : يجب الإيمان بالملائكة. وهي مخلوقات  بريئة صافية تعمل في خدمة  الله وعبادته ، وأن لها مستويات في علو المكانة، أعلاها جبريل الذي بلغ الوحي الإلهي إلى محمد صلى الله عليه وسلم . ثم يليه الأقل فالأقل على مستويات محددة بدقة. والإيمان بالملائكة هو فرض علي المسلم.

الثالث : الإيمان بالكتب السماوية، وهي الكتب التي أوحاها الله إلى البشر من عباده عن طريق الملك جبريل. ويقال أن عددها مائة وأربع . منها الأكثر قداسة وفي مقدمتها القرآن العظيم ثم  التوراة التي نزلت على موسى ، والمزامير التي أعطيت لداود ، ثم الإنجيل الذي نزل على عيسي.

الرابع : الإيمان بالرسل. والرسول هو إنسان بعثه الله إلى الناس لكي يبلغهم رسالة ربهم. ومن أهم الرسل آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ثم أعظمهم وخاتمهم محمد { صلى الله عليه وسلم }. ولن يظهر رسول بعده. مع التأكيد على ذلك

الخامس : الإيمان باليوم الآخر. والعالم الآخر ليس كما في البوذية ولادة من جديد. العالم الآخر في الإسلام يشير إلى مصير الإنسان بعد الحساب إما إلى الجنة أو إلى النار. وأعمال الإنسان في هذه الدنيا سيتم الحكم عليها بكل دقة وعدل، إذا كان صالحا سيدخل الجنة التي أشار إلى محتواها فيما سبق. وإذا أدين سيذهب إلى النار. ذهابه إلى الجنة أو إلى النار ليس بالروح فقط،

ولكن بالروح والجسد معا.

السادس الإيمان بالقدر. أن كل شئ في السموات والأرض وما بينهما يتم بمشيئة الله بلا استثناء، وأنه لابد من الإيمان بذلك.

 

ثم يذكر الكاتب أوامر عديدة يحددها الإسلام أيضا بوضوح في الأعمال والعبادات، خلافا للمسيحية التي تكاد لا تكون فيها أوامر.

الإسلام يوجب على كل مسلم أعمالا وعبادات لابد له من فعلها: أولها عقيدة الإسلام التي هي إيمان في القلب وهو فعل داخلي، مع عمل بهذا الإيمان، وهو فعل خارجي . عندما يجتمع الفعلان معا يصبح المرء مسلما. والأعمال هي : الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج. أركان الإسلام  الخمسة. أولها الشهادة، وهي أن تشهد بأنه لا إله إلا الله وأن  محمدا رسول الله. ويجب النطق بهذه الشهادة باللسان بلا انقطاع { قوله بلا انقطاع كيف ؟ غير صحيح كما أنه غير ممكن } .

 

ثاني الأركان الصلاة، إذ يوجب الإسلام على المسلم أن يصلي متوجها إلى الكعبة خمس مرات في اليوم. وبخاصة يوم الجمعة و يجب الذهاب فيه إلى المسجد والصلاة جماعة.

ويعلق الكاتب بأن البعض يطلق  على المسجد الإسلامي لفظ المعبد الإسلامي وهذا خطأ فادح. إذ لا يوجد كهانة في الإسلام وبالتالي لا يوجد معابد.الصحيح أن يطلق عليها مصلى أو جامع. لأنه لا يوجد رهبان في الإسلام. { قوله فادح غير صحيح }

 

ثم يذكر الكاتب أن  الصلاة في الإسلام فرضت عن طريق القرآن ، ولكن لا يذكر القرآن الطريقة التفصيلية للصلاة .

القرآن هو الوحي الأوحد في الإسلام { قوله الأوحد غير صحيح ففي السنة وحي أيضا  }  ، ولكنه لا يغطي كل شئ إلى تفاصيل  التفاصيل ، لذلك هناك مصادر عدة للتشريع الإسلامي تأتي بعد القرآن، والطريقة المفصلة لكيفية الصلاة نجدها في المصدر الثاني من مصادر التشريع وهو السنة.

ثالث أركان الإسلام : الصيام ، إذ يجب على المسلم صيام شهر رمضان. فمنذ بزوغ فجر اليوم إلى غروب الشمس يحرم تناول أي طعام أو شراب { وكان ينبغي عليه  في هذا الموضع إضافة منع مباشرة النساء } .

ويعلق الكاتب في قدر كبير من المبالغة أن هذه الفريضة حسب تعبيره : ( قاسية جدا) ثم يصف فريضة الصيام كما هي في الإسلام : فيقول : ( ولكنها تختلف عما يتصوره اليابانيون عن الصيام، فالصيام عند اليابانيين هو صيام الوصال، إذا كان أسبوعا فهو صيام متواصل  لمدة سبعة أيام ليلا ونهارا، ولكن في الإسلام إذا غربت الشمس يصبح مباحا أكل أي شئ. حتى إن القرآن يذكر أنه يمكن مباشرة الزوجة في ليلة الصيام. طبعا سيتخيل البعض أن الموضوع سهل إذن. لكن فريضة الصيام صعبة جدا، حتى إن بعض الناس يتأثر جسمانيا منها. لذلك هناك بعض الاستثناءات التي تسمح للحامل والمريض والمسن بعدم الصيام. وحتى المسافر أيضا يباح له الفطر. )

ثم يقول في مبالغة أخرى ( إذا بالغنا في القول، لو لم تتحمل جوع الصيام فمن الممكن أن تذهب في رحلة { وهذا تحايل مؤثم أولا ، وغير مفيد ثانيا لأن عليه أن يقضي ما فاته في اقرب وقت مستطاع } .

ثم يذكر الكاتب : (  أنه علي قدر شدة هذه الأوامر – في الإسلام - بقدر ما توجد بعض السبل للفكاك منها بشكل شرعي وقانوني . إذا كان محرما أكل بعض الأطعمة، فأكل ما عداها مباح.) ثم يقارن ذلك بغيره في الأديان التي ليس بها قواعد وأوامركما في المسيحية والبوذية مما نتجاوزه في هذا التعليق

ثم يعود فيؤكد بقوله : ( أن هذا الشكل العائم من طرق الضبط لا يمكن تخيله في الإسلام. الاستثناءات محددة بشكل واضح وقاطع، وعند استخدامها يجب أن توافق المنطق.)

 

ثم يعود إلي رابع أركان الإسلام وهو الزكاة. وأنها التزام أمام الله لا تحتمل  التهرب ولا تحتمل الغش، وهي محددة بدقة متناهية 5،2 في المئة من الدخل. ويجب الانتباه هنا إلى أن المقياس علي الدخل وليس على الثروة. { قوله ( ليس على الثروة ) ، غير دقيق ويبدو أنه يقصد بالثروة الملكية العقارية والمنقولات الثمينة عدا الذهب والفضة }

ويذكر الكاتب : أن هذا التحديد في الإسلام يدل على دقة شديدة في الشريعة الإسلامية.

ثم يذكر أنه أيضا توجد في الإسلام الصدقات - غير  الزكاة - وهي ليست إجبارية،  ومتروكة للمسلم يقررها بنفسه. وهذا صحيح ولكنه يرفق ذلك بقوله ( ولكن في الغالب تكون ما بين العشرة إلى الخمسة عشر في المئة من الدخل ) وهذا غير صحيح . ، أما الصحيح فهو أنها  مع كونها  ليست محددة بدقة لكنها تقتضي في الملمات ( أخذ ما يحتاج إليه المسلم مما يرزقه الله به والباقي يرده عن طريق الصدقات )

ومن الصحيح أيضا ما ذكره من أن ( العلاقة بين المسلمين لا تحدد بمن يعطي الصدقة ومن يأخذها. كلاهما يعمل عملا طيبا. في البلاد الإسلامية إذا أعطيت المتسول حسنة يدعو لك الله أن يرزقك) لكن من المبالغة ما ذكره بعد ذلك من  أن ( أحد اليابانيين يقول : إنه أحس من تعبير وجه المتسول وكأنه يقول سأتفضل عليك  بأخذ صدقتك من أجل أن يرضي الله عنك ) وللياباني الحق في أن يجد من ( من الصعب عليه تقبل هذا النوع من الدعاء)

.

ثم يقدم الكاتب فريضة الحج فيقول : ( آخر الأركان هو الحج. وهو الذهاب إلى مكة في الشهر الثاني عشر من التقويم الإسلامي وإقامة شعائر الحج التي أهمها الطواف حول الكعبة) ونسي الكاتب أهمية الوقوف بعرفة ، ثم يقول : ( . المسلم الراشد يكفيه الحج مرة واحدة في العمر.

ولكنها فريضة لمن يستطيع. فمن ليس لديه متسع من المال والصحة والقدرة لا يفرض عليه الحج. ولكن المؤمن المستطيع يشارك في الحج عدة مرات ولو حبوا على الأرض ) وفات الكاتب أن يفرق بين شرط الوجوب وشرط الصحة ، بمعنى أن يبين أنه في حالة الحبو هذه يكون الحج غير واجب لعدم الاستطاعة ، ولكن يصح منه لأن هذا النوع من الاستطاعة ليس شرطا للصحة .

ومن الصحيح قوله بعد ذلك بعد التجاوز عن شرط الوجوب (  وإذا لم يستطع فيصح له أن يرسل أبناءه وأخلاءه ولا يتوانى في تقديم المساعدات المالية لذلك.)

ويبدأ الكاتب في ذكر بعض الظواهر الاجتماعية التي تنتج عن أداء فريضة الحج ، وهي ما يعبر عنها بقوله ( ومن ينتهي من الحج يلقى احتراما كبيرا.) ( ومن أدى الحج يقابله أهل بلده بصباح الخير يا حاج … وهو شئ يبعث على الارتياح والنشوة في نفس أي مسلم. فلقب الحاج لن يستطيع أي فرد آخر الحصول عليه بأداء أي فريضة أخري غير فريضة الحج. وكذلك أيضا لأنه دليل صادق على صفاء وعمق إيمان صاحبه.) { وهي أمور قد تكون حسنة ولكنها غير غير لازمة شرعا }

 

ولكنه يصف بعد ذلك بعض الآداب الواجبة شرعا أثناء أداء فريضة الحج كما يجب أن تستمر بعده : فيقول : ( أثناء الحج إذا كنت مسلما فلا فرق بين عدو وصديق، الكل يصبحون إخوانا. وتذوب الفروق الاجتماعية والعرقية. يتساوى الملوك مع عامة الناس. في الحج تتولد بين الجميع وليجة تستوجب الإعجاب.  )

ويذكر من شعائر الحج ملابس الإحرام  بقوله ( وكل من يذهب إلى الحج من الرجال يلف حول جسده قطعة واحدة من القماش الطويل. والنساء يزدن عليها قطعة أخرى ، فتغطي جسدها كله أبتداء من الرأس فيما عدا الوجه فقط تظهره. لذلك لا يمكن التمييز هل الذي أمامك غني أم هو رئيس جمهورية أم هو مجرد فرد من عامة الناس. أثناء الحج يزول الفارق الاقتصادي بالطبع، وكذلك اختلاف الجنسية واختلاف لون البشرة سواء أسود أو أبيض أو أصفر أو أحمر، هذه الفروقات جميعها لا تثير أي مشكلة على الإطلاق.الجميع يرتفع فوق الفروقات ويتوحد بعضهم ببعض، ويصلون متجهين إلى قبلة واحدة. هذه التجربة تؤثر على من عايشها فردا فردا تأثيرا عظيما جدا. الإنسان في العالم الإسلامي لا يهتم كثيرا بمسألة الجنسية كما يفعل اليابانيون، والسبب أنه على أرض الواقع هناك مواضع مثل الحج يتواصلون فيها مرتفعين فوق اختلاف جنسياتهم. > (نقلا عن يوسف ضاي، المصدر السابق)

ويقرر بحق أن (الحج – في الإسلام - يولد تواصلا مثاليا بين المسلمين. …  قوة الإسلام  في هذه النقطة.) بخلاف ما كان من   عادات الحج في اليابان  ( وكانت مزدهرة إلى معبد إسه، ولكن لم يتساو فيه عامة الناس مع القادة العظام . في مثل هذه الحالة يصبح التواصل شيئا صعبا جدا.)

وهنا نود أن نوضح للقارئ أنه من الخطأ الشائع فيما يتعلق بأركان الإسلام الاعتقاد بأنها هي الإسلام وكفى ، حيث  اختزلت الأقلام – وأخشى أن يكون الكاتب متأثرا بهؤلاء – اختزلت مبنى الإسلام الباذخ في أركانه الخمس المعروفة موهمة أو متوهمة أنها تستند في ذلك  إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن ‏ ‏محمدا ‏ ‏رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ‏) ، بينما أن الحديث صريح في أن هذه الخمس هي أساس البناء وليست البناء نفسه ، إذ المبني المقصود  كيان يأتي فوق  المبني عليه وهم  فيما فعلوا كأنهم - بحكم  حرفية نص  الحديث ( بني الإسلام على..) - قد أخذوا الخمس وتركوا الإسلام ، أوهم أشبه بمن يضع أساس بناء شاهق  ثم يسكن بين أركان هذا الأساس  شأن الضواري والقطط والفئران والحشرات وما أشبه ، وليس شأن قاصد البناء ، ونص الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على .. ) يدين هؤلاء ، وهم في مسلكهم هذا كأنهم قاموا بتحريف حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فبينما يقول لهم " بني الإسلام على .. " هذه الخمس اختزلوه في عبارة " الإسلام هو هذه الخمس … " ، ومن هنا جرت التربية الشعبية والمدرسية في عصور متأخرة متوالية على أن الإسلام هو هذه الخمس ، وأن هذه الخمس هي الإسلام ، بينما أن البناء لا يزال ينتظر من يبنيه ممن يفهمه فهما خالصا بريئا من كيد الشيطان وكيد العلمانية الشعبية التربوية المبكرة ، إنه مع وضع أسسه في هذه الخمس يتطلب البناء فوقها ، ويستنفر العاملين في الأسس ويشغل بالهم ويصعد بهم نحو بناء طبقاته المتوالية المتساندة المتكاملة :  العقدية والأخلاقية ، والعبادية والفقهية والعلمية والمعاملاتية ، والمعيشية والاقتصادية والسياسية ، وحفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال إلخ هذه الفرائض والشعب التي جاءت في الحديث في صحيح البخاري بسنده عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ، ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ : ( ‏الْإِيمَانُ ‏ ‏بِضْعٌ ‏ ‏وَسِتُّونَ ‏ ‏شُعْبَةً ‏ ‏وَالْحَيَاءُ ‏ ‏شُعْبَةٌ ‏ ‏مِنْ الْإِيمَانِ ) ورَوَاهُ أَصْحَاب السُّنَن الثَّلَاثَة مِنْ طَرِيقه فَقَالُوا : بِضْع وَسَبْعُونَ َ

وبصورة شاملة يظهر مبنى الإسلام في تطبيق الشريعة تطبيقا شاملا ، أصولا وفروعا ومقاصد ، وأخيرا يظهر باذخا شاهقا رائعا جميلا جليلا آمنا أمينا في بنائه الحضاري الكامل الذي وضعت الأسس الخمسة من أجله ، حيث " الحضارة الإسلامية " مقصد كلي شرعي أصيل من مقاصد الشريعة ملحوظ في خلافة الإنسان على الأرض

 

 

***

ثم يتطرق الكاتب إلى التعليق على ما يسمى في عالم الصحافة  فندمنتاليست للتعبير عن المتطرفين الإسلاميين، وتم ترجمتها في اليابان إلى كلمة الأصوليين، فيقول : ( وهو استخدام خاطئ. فالأصولية فندمنتالزم كلمة تخص المسيحية فقط. الأصولية المسيحية في الوضع الطبيعي ليس لها علاقة بالسياسة. فالالتزام التام بما جاء به الإنجيل، وأن <إيمانك هوالذي يداويك> ليس له أي علاقة بالسياسة.) والنتيجة أنه يرى أن الأصولية وهي ترتبط بالسياسة تكون في الحالة الإسلامية دون المسيحية ، دون أن يوضح لماذا كان ما يسمى الأصولية هي التي تربط السياسة بالإسلام ، وهو فهم غير دقيق ،  لأنه على جميع المستويات تتغلغل السياسة في جميع الأنشطة في الإسلام .

 

ثم يقول في مفارقة مع المسيحية من وجهة نظره فيما يخص المسيحية : ( لكن الإيمان في الإسلام لابد أن يتبعه فعل. )  ومن الصحيح قوله من الناحية المثالية : (  تعاليم الدين – في الإسلام - وعادات المجتمع وقوانين الدولة كلها متوحدة ونابعة من الشريعة. فمن الطبيعي أن تكون السياسة أيضا كذلك نابعة من الشريعة ) لكن من غير الصحيح قوله ( في الإسلام السياسة المثالية هي التي يحددها علماء الدين والعارفون بالقرآن) ذلك أن رجال الدين  العارفين بالقرآن قد يفتقدون الشروط السياسة ، لهذا كان موضعهم من رجل السياسة موضع الداعي أو الواعظ أو رجل القانون على الأكثر.

 

ثم يذكر الكاتب مزايا ما يسميه " المعنى الأكبر"  لقراءة القرآن : ويكرر ما ذكره سابقا من أن أهم طريقة لمعرفة الإسلام هي قراءة القرآن . ويشرح كيفية قراءته. في الفاتحة كبداية. ويقول : ( إذا كنت تريد قراءة القرآن فمن الأفضل  حفظها ) ويركز على مغزى وأبعاد الابتداء ببسم الله الرحمن الرحيم قائلا :

( أولا : نص " بسم الله الرحمن الرحيم " هذا يأتي في بداية كل سورة من القرآن. ربما يعتقد اليابانيون بسبب تعودهم على كلمة الرحمة في البوذية، أن ذلك شئ مفروغ منه. ولكن في الواقع مقارنة بوضع الأديان في العالم كله يعتبر هذا شيئا يثير العجب.

سفر التكوين في العهد القديم يبدأ بخلق الله للسماء والأرض، ويبدأ الإنجيل في العهد الجديد بأن المسيح هو من نسل داود الذي هو من نسل النبي إبراهيم.

لكن القرآن يبدأ بالرحمة.

كلمة الرحمة في الإسلام هي نفسها كلمة الرحمة في البوذية، لكن معناها يختلف اختلافا كبيرا. في اليابان يقال إن بوذا ذو رحمة واسعة. ويعلم جيدا منطق السببية، ولذلك يعلم أتباعه الأفعال والعبادات التي تجعلهم يحافظون على الأخلاق الحميدة. لكن لا يستطيع بوذا أن يغفر لمن إقترف ذنبا من الذنوب، لا تصل قدراته إلى هذا الحد.

لكن الرحمة في الإسلام تعني أن الله قادر على غفران الذنوب لمن وقع في الذنب. الرحمة تؤدي في النهاية إلى ذلك. هذه مسألة مهمة في كيفية قراءة القرآن. إذا تاب الإنسان توبة من القلب يغفر له. )  وهذا صحيح بل جميل أما قوله بعد ذلك ( وهو ما يحتوي على تناقض من وجهة نظر علم الأديان. بمعنى إذا كان الله قادرا على المغفرة، فهذا يعني أنه لا يمانع من فعل الذنوب. ولكن لابد من التوبة والندم، يجب قراءة ذلك.) فنقول : ما المقصود بقوله " إن الله لا يمانع من فعل الذنوب "  : إذا كان معناه أن الله لا يجبر البشر على الطاعة فصحيح ، وإذا كان المقصود أنه يفتح له باب الاختيار بين فعل الطاعة أو فعل المعصية فصحيح أيضا ، أما إذا كان المراد أنه يرضى عن فعل المعصية فغير صحيح .

 

ثم يتحدث عن  المغفرة والتوبة في اليهودية والمسيحية والبوذية  الكونفوشيوسية ، وما يعنينا في هذا السياق عودته إلى معالجة موضوع القضاء والقدر بين المشيئة والسببية وتوهمه التعارض بينهما وقد بينا خطأ هذا التصور سابقا

ثم يتحدث عن مصادر التشريع الإسلامي:

المصدر الأول للتشريع : هو الوحي المطلق القرآن. والمصدر الثاني: السنة النبوية و المصدر الثالث : الإجماع وهو اتفاق جميع المجتهدين : الأئمة الأربعة الذين أنشأوا المذاهب الأربعة. بالإضافة إلى من يمتلك مؤهلات التفسير . وهنا نقول : { ليس دقيقا الاتفاق على أن الإجماع خاص بالمجتهدين من الأئمة الأربعة، كما انه ليس صحيحا ضم من يمتلكون مؤهلات التفسير- فحسب -  إلى هؤلاء }

ثم الرابع القياس ويقول الكاتب : ( إلى هنا لا خلاف على هذه المصادر، )  وهذا غير دقيق فقد حصل الخلاف وإن يكن ضعيفا في القياس ، وبخلاف أضعف : في تفاصيل الإجماع .

ومن المصدر الخامس إلى المصدر العاشر هناك عدة آراء ونظريات ولا يمكن القول أن جميع  المسلمين متفقون عليها.

ثم يقول الكاتب : ( الشيء الثابت والذي لا يتغير هو القرآن ، أما ما عداه من المصدر الثاني وما يليه فليس من المستحيل تغييرها إذا ما وجدت الأسباب الكافية للتغيير.) وهذا غير صحيح فالسنة الصحيحة غير قابلة للتغيير قطعا .

والمثال الذي ضريه الكاتب على ما قال ليس غير صحيح فحسب ولكنه مزعج تماما وذلك في قوله ( على سبيل المثال، عدد الصلوات في اليوم محددة بخمسة صلوات طبقا للمصدر الثاني وهو السنة) ويستدل الكاتب على ذلك بـ (كمال أتاتورك أبو التحديث في تركيا(1881~1938) أنه بعدما أصبح رئيسا للبلاد جعلها ثلاث صلوات فقط ) وهذا مضحك فضلا عن كونه باطلا باطلا ، فأتاتورك علماني صريح لا يرى نفسه ولا يرى فيه أحد مصدرا من مصادر التشريع ولو بفلس . .ولو رجع الكاتب إلى المصادر الشرعية التي ذكرها لما وجد فيها ما يجيز فعل أتاتورك الذي لم يدع هو نفسه احتراما لواحد منها . وهذا من مطبات البحث التي دفعتني دفعا للتعليق عليه لخطورتها الشديدة على من تقل بضاعتهم من الإسلام ومن يأخذهم الإعجاب بتوفيقه في بعض أجزائه ، ولو التزم الكاتب بالمراجع الدقيقة التي رجع إليها لما وقع في هذا الخطأ الجوهري

فالقرآن نفسه يجعل إنكار السنة إنكارا للقرآن نفسه ، كما جعل التغيير فيها معصية لله  تعالى ، وذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " 7 الحشر

" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " 59 النساء .

" وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله " 64 النساء

" فَلا وَرَبِّكَ لا يؤْمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّموا تَسْليماً " 65 النساء

وهو بعد ذلك أو قبل ذلك رسول الله الخاتم الذي "{ وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يوحى } النجم 3 – 4

ومصدر وحيه هو مصدر وحي القرآن نفسه ، وببيان صريح من القرآن ذاته . .

 

ثم نتجاوز عن غوص الكاتب في المقارنة مع البوذية وفقا لمنهجنا الذي التزمناه في هذه التعليقات

 

ثم يذكر الكاتب أن خروج آدم من الجنة أنه كان مشمولا بمغفرة من الله خلافا لما جاء في اليهودية ، والمسيحية وهذا راجع حسب تعبيره إلى ( أن الله بحق وكما جاء في الفاتحة أول سور القرآن هو الرحمن الرحيم. هل فهمتم  لماذا أن الله مقارنة بيهوه أو المسيح هو اللطيف الرحيم.)

 

ويقول الكاتب : ( الآية التي تلي ذلك توضح سمة أخرى من أهم سمات الإسلام. <والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.> المقصود بآياتنا هنا المعجزات، ولكن لم يأت محمد { صلى الله عليه وسلم } بأي معجزة. إذن ما هو الشيء الذي يعتبره الإسلام معجزة. منطق القرآن هنا، أنه يشير إلى المعجزات التي أنزلها الله على عيسى والرسل من قبله. يؤكد أنها كلها معجزات حقيقية وقعت بالفعل ويجب الإيمان بها، والإيمان بالمعجزة الأعظم

والأكبر، معجزة المعجزات ألا وهي القرآن.)

وقد اخطأ الكاتب هنا ثلاثة أخطاء رئيسية مترابطة :

أولا : زعمه أن الآيات في الآية مقصود بها المعجزات دون دليل ، والسياق يفيد عكس ذلك وأن المراد بالآيات الهدى في قوله تعالى ( قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )  وليس من منطق الإسلام أن يكون المكذب بشيء من معجزات الأنبياء السابقين  التي لم تذكر في القرآن موصوفا بأنه من ( الذين كفروا وكذبوا وأنه من أصحاب النار خالدا فيها )  وإنما يكون ذلك جزاء من يكذب بشيء من معجزات الأنبياء السابقين المذكورة في القرآن وعندئذ يوصف بالكفر لتكذيبه بالقرآن نفسه .

الثاني : زعمه في بداية الفقرة أن ليس في الإسلام معجزات ، وهذا غير صحيح قطعا ، وحتى الذين أنكروا المعجزات الحسية أبقوا الاعتراف بالإعجاز القرآني وهو ما اعترف الكاتب به في نهاية الفقرة .

الثالث : زعمه أن المعجزات في الآية هي معجزات الأنبياء السابقين ، فليس من المنطق الاعتراف بمعجزة نبي سابق وإنكار معجزات محمد صلى الله عليه وسلم والحسية منها على وجه الخصوص ومنها الإسراء والمعراج ، ومن الخطأ إنكار حسية معجزة الإسراء والمعراج مع الاعتراف بحسية معجزات عيسى وموسى وإبراهيم ، أو بدافع من حتمية قوانين الطبيعة التي لم تعد حتمية في نظر العلم نفسه .

 

ويقول الكاتب : ( يعترف الإسلام بكل من التوراة والإنجيل علي أنهما كتب سماوية. وأيضا كل ما جاء من قبله من كتب معجزة هي كتب سماوية… ) نقول : من الخطأ الزعم بأن ما نزل من الكتب السماوية معجز ، فذلك لم يقل به حتى أصحاب هذه الديانات ، ومن المهم الاحتراس بما ذكره الكاتب نفسه من أن القرآن لا يعترف بالروايات التي تخالف القرآن في تلك الكتب ، ولكن كان عليه أن يذكر أن الأمر لا يقتصر على الروايات وإنما يشمل كل ما كان مخالفا من روايات أو تعاليم أو غير ذلك

ويقول الكاتب : ( كذلك فالإسلام بعد أن يقرر أن الإسلام هو الدين الحق، يترك حرية

الإعتقاد للبشر مفتوحة، ويسمح للمخالفين له باعتناٌق ما يشاءون من الديانات. ) وهذا كلام ناقص ، يجب أن يقرن بتحميل الإنسان مسئولية ما يؤمن به من أديان  وجزائه عليه يوم القيامة ، طبقا لقوله تعالى ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) 256- 257  البقرة

ثم يقول الكاتب : ( ليس هذا فقط بل إنه مذكور في القرآن بوضوح <وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم>فهو يحترم ويعترف بكونفوشيوس كرسول للصين، وبوذا كرسول للهنود) وهذا في جزئه الخاص بالاعتراف بكونفوشيوس وبوذا إلخ ، غير صحيح إطلاقا  ، إذ لا يكفي في الاعتراف به كونه يتكلم بلسان قومه إذ  لا بد للاعتراف به إسلاميا أن يكون ورد اسمه نصا في المصدر الشرعي المقرر ، وهذا ما لم يحدث لكونفوشيوس أوبوذا ، فيظل الكلام فيه محصورا في دائرة علماء الأديان دون إقحام في الاعتراف الشرعي .

 

ثم يبين الكاتب سماحة الإسلام في تعامله مع الأديان الأخرى واحتضانه لأقباط مصر وإنقاذهم من اضطهاد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية ، ويقول ( في المقابل هل يستطيع أحد أن يذكر مسجدا ولو واحدا، بقى علي حاله في البلاد التي استولي عليها المسيحيون. )  ( وفي أسبانيا وبعد انهيار الحكم الإسلامي قتل المسيحيون المسلمين في طول البلاد وعرضها. وبطرق متناهية في  البشاعة والقسوة.)

 

ثم يتحدث عما يسميه نقطة الضعف الأكيدة لدى المسلم قائلا : ( هل تتذكرون نقطة الضعف الأكيدة لدى المسلم. ذكرنا أن المسيحي إذا آمن في قلبه وزيف أفعاله،لا يخرجه هذا من دائرة الإيمان. لكن المسلم لا يستطيع إكمال  الإخفاء. يجب أن ينطق الشهادة بلسانه، ويجب أن يقيم

الصلاة. بل إنه إذا لم يتطابق الإيمان مع العمل لا يعتبر إيمان أصلا.) وهذا غير صحيح ، فالمسلم العاصي يسمى مسلما عاصيا ، وإذا لم يتب ولم تقبل توبته يعاقب بحسب ذنبه في اليوم الآخر دون أن يخلد في النار، وهذا عند أكثر المذاهب انتشارا في الإسلام

 

ثم يتحدث عما يسميه واقعة ( مأساة  المسيحيين المتخفين التي حدثت في اليابان. …) وفيما عدا التجاوز عما ذكره عن المسيحية لم أفهم ما هي نقطة الضعف فيما ذكره عن المسلم .

 

الذنوب في الإسلام :

ويبين الكاتب أن أعظم ذنب في الإسلام  هو عبادة الأصنام . وكذلك الديانات السماوية جميعها تشترك في هذه النقطة وهذا صحيح غير أنه يستشهد على ذلك بقصة ، الملك داود الذي ينسب إليه أنه ( أرسل أخلص جنوده له إلى جبهة القتال ليموت في الحرب، ثم يستولي على زوجته. مثال آخر ابنه الملك سليمان كانت له سبعمائة زوجة وثلاثمائة جارية، وغرق بكل

طاقته في الحياة الماجنة. ) وهذا مع ما يرتبه عليه من نتائج غير صحيح إسلاميا لأن كلا من داود وسليمان عليهما السلام كانا رسولين  والرسل في العقيدة الإسلامية معصومون من مثل هذه الذنوب

 

ثم يتحدث الكاتب عن انتشار عبادة الأصنام في منطقة الشرق الأدنى قبل الإسلام ، وكيف قضى عليها الإسلام ، ولست أدري ماذا يقصد بقوله في هذا السياق ( ولكن تحطيم الأصنام هذا كان مصرحا به فقط ضد الأصنام  التي تخالف القرآن.) وهو قول شديد الغرابة والتناقض مع ما ذكره سابقا إذ ليس هناك أصنام لا تخالف القرآن

 

ثم يتحدث عن العبادات في الإسلام فيقول (العبادة المثلى هي اتباع تعاليم القرآن ……. أما عبادة الأصنام فهي محرمة تحريما قاطعا.) وهذا صحيح غير أنه ليس صحيحا قوله في إثر ذلك : ( و العبادات التي لا تتبع القرآن يغض الطرف عنها) إذ هي محرمة بالكلية بغير خلاف ، ولا يكفي غض الطرف عنها .

ثم يعود فيذكر أن ( الخمر في الإسلام محرم في هذه الدنيا، ولكنه غير محرم في الآخرة ) وهذا صحيح ، لانقطاع الصلة بين ما في الدنيا والآخرة إلا في التسمية والمشابهة السطحية أنظر قوله تعالى ( وأوتوا به متشابها )

ويقول ( إن الإيرانيين الذين يأتون للعمل في اليابان يشربون الخمر  بلا أي مبالاة. لكن هذا سببه الطبيعي موجود في تعاليم الإسلام. كما شرحت لكم إن الله رحمته واسعة. وذنب خفيف مثل شرب الخمر من الممكن أن  يغفره تبعا لنوعية الأفعال التي يفعلها المذنب بعد ذلك.الإيرانيون أيضا بعض المريبين منهم قام بتزوير النقود وبطاقات  الهاتف ثم قام ببيعها لليابانيين، ووقع بعض اليابانيون أوالمسلمون الملتزمون في مشاكل جراء ذلك. لكن خداع غير المسلم إسلاميا ذنب خفيف نسبيا وبالطبع من الممكن أن يغفره الله تبعا للأفعال الأخرى. هكذا هم يعتقدون. ) وهذا غير صحيح ألبتة  : غير صحيح القول بأن شرب الخمر أو التزوير أو خداع غير المسلم ذنوب خفيفة ، وإنما هي من الكبائر ، بل من أكبر الكبائر وقد حرمها القرآن بأسلوب شديد ، أنظرقوله تعالى ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) فهي رجس ، وهي من عمل الشيطان ، وهي واجبة الاجتناب ولو من بعيد ، وفي اجتنابها رجاء الفلاح ، فشاربها وبائعها وعاصرها ومناولها وجليسها  جميعا ملعونون ، كما جاء في الحديث الشريف ، وشرط مغفرتها التوبة الصحيحة ، وغير صحيح أن هذه التوبة تسهل ارتكاب هذه  الذنوب ، لأنها غير مضمونة لأسباب كثيرة  .

 

ويتحدث الكاتب هنا وفي نقاط أخرى عن الألوهية بأسلوب غير دقيق بل غير لائق كقوله في سعة الرحمة الإلهية والتوبة كما هي في الإسلام : ( إن هذا الإله يحاول إشعارنا بالجميل إلى حد مريع. ) <دولة الرب>

 

ثم يقارن بين حكم الإسلام في ثواب الحسنة الخفية والمعلنة مع تفضيل الخفية وأنها أفضل من المعلنة دون إهدار لهذه الأخيرة يقارن بين ذلك وبين المسيحية والبوذية ، وما ذكره في عمومه صحيح ، ولكنه غير دقيق لأن المعلنة تصبح الأفضل إذا كانت في مقام  القدوة

 

ويقف الكاتب عند قوله تعالى: . <من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة> وقوله تعالى <وكفى بنا حاسبين>، وقوله تعالى <تجارة لن تبور> وقوله تعالى <إن الله سريع الحساب > فيقول : ( إقراض الإله أو الاستثمار معه تفكير غير سليم من وجهة نظر علم  الأديان، …...وربما يكون سبب تفكير محمد { صلى الله عليه وسلم } بهذه الطريقة هي أنه في الأصل كان تاجرا. ) وهنا وقع الكاتب في خطأين جوهريين  : أن هذه الآية جاءت من تفكير محمد { صلى الله عليه وسلم } ، وأنها نابعة من بيئة العرب التجارية ، وهذه النظرة تعنى إلغاء الاعتقاد بأن القرآن منزل من الله  وهذا يلغي الإيمان أصلا

ويتطرق من ثم إلى مادية ثواب  الجنة، وإشباع الرغبات  الحسية على المستوى الفردي ، مقارنة بالبوذية والمسيحية اللتين لا توجد فيهما الجنة بصورة حسية، وبالرغم من عدم دقة ذلك بالنسبة للمسيحية بإطلاق ، وقد شرحنا من قبل كيف أن هذه المتع الحسية تحسب للإسلام ولا تحسب عليه إذ هي لا صلة لها بما في الحياة الدنيا غير التسمية والمشابهة الظاهرية لقوله تعالى " وأوتوا به متشابها " وهي بداية للصعود إلى ما فوقها لمن يشاء مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفقا للحديث النبوي الشريف ، وهي فوق ذلك كله تتوج برؤية الله . وهذه هي قمة النعيم في اليوم الآخر  .

 

ثم يتحدث عن أن ( فكرة يوم الحساب في  الآخرة هي نفسها تماما الموجودة في المسيحية. سيتم بعث الجسد مرة أخرى في هذا اليوم. ثم يقف البشر فردا فردا ليحاكموا عن صحيفة أعمالهم التي لن يتسرب منها أي شئ. ) وقوله ( وسيقف محمد { صلى الله عليه وسلم } وقت الحساب موقف المدافع عن أتباعه ) غير دقيق ، فليست المسالة مسالة دفاع ، ولكنها الشفاعة التي لا تكون إلا بإذن الله يقول تعالى ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) 255 البقرة ، ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) 28 الأنبياء

ثم يتحدث عن الجنة في التصور الإسلامي فيقول : ( ماذا عمن يدخل الجنة. بالطبع تنتظره حياة رائعة كل يوم. يحرم الإسلام الخمر، لكن من يدخل الجنة، له أن يشرب ما شاء. بل أن خمر الجنة لذة للشاربين لا تفوقها لذة، ولا تسبب أي سكر لشاربها أبدا. ) ثم يقول : إن الإسلام ( لا يشرح الجنة إلا في حالة الرجل  فقط. أي أن القرآن لا يذكر أي قول عن أن النساء يدخلن الجنة ، ويقابلن فيها شبابا في غاية الجمال، يمارسن معهم الجنس بلا حد، مهما مارسن الجنس مع هؤلاء الشباب لا يذهب عذريتهم.) وهذا التعليق بعضه خطأ جوهري ،  وبعضه غير دقيق : أما الخطأ الجوهري  فقوله إن القرآن لم  يذكر أي قول عن أن النساء يدخلن الجنة ) ذلك أن القرآن ينص على دخولهن الجنة في مواضع متعددة ، وقد يأتي النص المزدوج كما في قوله تعالى ( الذين آمنوا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ، يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ، وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون لكم فيه فاكهة كثير منها تأكلون ) الزخرف 69- 73 ،و في قوله تعالى (  إن المؤمنين والمؤمنات …  إلى قوله تعالى … والذاكرين والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) 35 الأحزاب

وأ ما غير الدقيق فقوله : إنه لم يذكر شيئا عن ممارستهن الجنس فيها ، وذلك  لأن أسلوب القرآن جرى في الأصل على أن ما هو للرجل يكون للمرأة بغير حاجة إلى نص ما لم يكن هناك مانع ،  سواء في التكاليف أو في الثواب أو العقاب  ،  ومن ناحية أخرى ففي القرآن ما يفتح الباب لهن كما للرجل وذلك– فيما عدا تلميحه إلى جمع المرأة لرجال وشباب كثيرين فهو غير وارد - في قوله تعالى بصيغة العموم ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) 71- الزخرف ، وبصيغة الخصوص ما يفيد أن نساء الدنيا يدخلن في وصف الحور وفقا للتفسير الصحيح لقوله تعالى ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا  ) 35-37 الرحمن، وإنما يتم ذلك كله في ضوء مقاييس مختلفة عما هي عليه في هذه الحياة الدنيا ،

أما تلميحه إلى جمع المرأة لرجال وشباب كثيرين فهو غير وارد ، لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى في خلقية كل من الرجل والمرأة ، دون أن ينقص ذلك من متعتهن شيئا ، وهذا هو المطلوب ، اللهم إلا أن يكون تفكير الكاتب  مقيسا على ما يجري في هذه الحياة الدنيا ، وهذا القياس ممنوع مبدئيا، فكل ما في الآخرة مختلف ، وإن اتفقت الأشباه والأسماء   ومن ذلك أن لا اضطرار في تناول شيء من ذلك  من عدمه ، غير أن من الملحوظ فيها أمران : أن المرء يحشر مع من يحب ، وأن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء  كما جاء في الحديث الشريف

 

ثم يقع الكاتب في خطأ جوهري آخر بقوله ( ولا يذكر القرآن أي شئ عن اللوطيين. ما معنى هذا؟ معناه أن الإسلام بخلاف اليهودية والمسيحية لا يمنع اللواط. ) وهذا تخريف ، ففي القرآن قصة قوم لوط وفيها من العقاب والتنديد والتكفير لللوطين ما يقشعر له البدن ، ومن المعروف أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يكن نسخ ، وواضح شدة القرآن في موقفه من اللوطيين ، ومصدر خطأ الكاتب أيضا أنه يريد من القارئ أن يكتفي بقراءة القرآن ، وهذا خطا منهجي وفي السنة الشرح لحكم اللوطيين ، إذ هي البيان للقرآن .

 

ثم يقول الكاتب : ( يحكي القرآن عن الماء البارد. فهل سيفرح أهل القطب الشمالي أو القطب الجنوبي لهذا. وهو ما يدل على أنه دين نشأ في بلاد حارة بين الرمال والصخور، وهذا سبب ذلك. ) وهذه سخرية يفصح فيها الكاتب  عن مكنون قلمه ، ورواسب ثقافته ،  ربما في اللاوعي منه عند ما يفسر الإسلام باعتباره نتاج البيئة وهذا ينفي كونه من الله ولا يكون القائل بمثل ذلك مؤمنا بهذا الدين

 

 

الإله الحي :

بعد أن يتطرق الكاتب إلى شيء من المقارنة بعقيدة اليابانيين في أن من يموت من البشر يتحول ليصبح إلها. كالإمبراطور (جينمو) و(سوغاوارا متشيزانه) قديما و ، الإمبراطور (ميجي)، و(نوغي تايشو) حديثا

يرجع مرة أخرى إلى الحديث عن  العقيدة الإسلامية في الألوهية فيقول : (  لكن القرآن يقول <الله لا إله إلا هو الحي القيوم.> في الأديان السماوية هذه المسألة ذات أهمية مطلقة.

في الأديان السماوية الإله حي ومستمر الوجود، بمعنى أن الله حي. إذا شرحنا الموضوع بشكل فظ لتسهيل الفهم، في مكان ما من هذا  الكون يوجد إله حي ومستمر إلى الأبد.  وإذا شرحنا ذلك بشكل أكثر منطقيا نستطيع القول أنه لا يوجد في  هذا الكون شئ حي حقا إلا الله. ) وقد كان أولى به أن بتجنب التعبير الأول إذ المكان مخلوق حادث

 

ثم يتحدث عن الألوهية في بعض  الأديان غير السماوية، التي يمكن تسميتها بالإله المعنوي

حسب تعبيره ، على سبيل المثال، الكونفوشية وحيث يقول : ( وفي البوذية أحد الانطباعات التي يأخذها الياباني عند قراءته للقرآن هو أن الله يختلف تماما عن ما يحمله من أفكار حول شكل الإله. أول الخلافات هو اختلاف فكرة الياباني عن الإله الجبار. وأعتقد أنه ربما هذا الاختلاف ناتج عن اختلاف بين الدين الذي ولد في شعب دولة زراعية وبين الدين الذي ولد في شعب دولة تجارية.) وعلى الرغم من تعقيبه على ذلك بقوله (  هذا التفكير يسهل لنا الإمساك بالدين وفهمه فهما صحيحا.) فإن الكاتب يقع مرة أخرى في الخطأ الجوهري الذي ينسب فيه الإسلام إلى كونه نتاج البيئة كما هو الحال في الأديان الوضعية وذلك خروج مبدئي على الإسلام  كما أشرنا إلى ذلك من قبل .

***

ثم يذكر أنه ( عند قيام دول القوميات في العصر الحديث تم إنشاء قوانين لها على طراز قانون روما) ويتساءل : ( . من أين جاء هذا القانون؟ جاء من الكنيسة الكاثوليكية.الكنيسة الكاثوليكية التي لم تكن تدار بقانون مسيحي، بل بالقانون التابع للدول  الرومانية. وهو قانون كان فظا من الناحية التشريعية. لكن لم  يكن باليد حيلة. فلا يوجد في الإنجيل أي قوانين، ولا يمكن أن يصبح نموذجا.)  ثم يحاول الكاتب أن يجيب على سؤال هام طرحه على النحو التالي : (  كيف لم يستطع الإسلام وهو بهذا الكمال أن ينشأ دولة عصرية حديثة في حين استطاعت المسيحية التي تمتلئ بالمتناقضات أن تكون سيدة العصر الحديث؟ )

ويجيب بقوله ( إن ذلك حدث بسبب طبيعة الديانتين ذاتهما ..…. في الإسلام نقطة ضعف  مستعصية !! . وهي أن محمدا { صلى الله عليه وسلم } آخر الأنبياء. وبالتالي فلن يظهر نبي جديد يعدل ما قرر على يد محمد{ صلى الله عليه وسلم }  . بمعنى  أنه من المستحيل تعديل التعاقد مع الله أو عمل تعاقد جديد معه. من الممكن تكميل التفاصيل الصغيرة التي لم يصدر فيها حكم. أما تعديل الأحكام المقررة بالفعل فمستحيل. من هذه التعاليم يتضح لنا أن القانون في الإسلام يجب استنباطه،  أما استحداث الجديد فصعب. )

أقول : هذا غير صحيح ومحض تجاهل لتاريخ الحضارات وتحولاتها المفصلية ،  فهذه التعاليم الإسلامية الثابتة وتطبيقاتها المتطورة – خلافا لما يظن الكاتب - هي التي سمحت لعرب صحراء الجزيرة أن يبنوا حضارة عالمية جديدة في موطنها أولا وفي مراكز الحضارات القديمة ثانيا ؛ استمرت أكثر من عشرة قرون ، وما زالت واعدة بما قامت عليه من تعاليم وما أبدعته من المنهج العلمي التجريبي ضمن ما أبدعت ، ولم تؤد بهم هذه التعاليم إلى ما سماه الكاتب : ( المجتمعات التقليدية التي لها سمات العصور الوسطى ) . فالعصور الوسطى مصطلح زائف بالنسبة للإسلام ، وهو إنما ينطبق على عصور الظلام – عشرة قرون – التي سادت أوربا بسبب المسيحية تلك الخالية من القانون بحسب الكاتب ، ومن ثم  تراجعت المسيحية بسبب فراغها من القانون– إلى الخلف ليملأه القانون الروماني وظهر ما يسمى العصور الوسطى في أوربا ،  وهي العصور التي لم تخرج أوربا من ظلماتها بغير الثورة على الكنيسة بالعلمانية ، ولم يصبح العالم الحديث ما هو عليه إلا باستبعاد الدين الذي هو المسيحية لجوءا إلى صيغة العلمانية المعروفة .

فكيف يكون فراغ المسيحية أو اختفاؤها أمام الزحف العلماني قوة لها ، ويكون الاستمرار الذي عليه الإسلام دينا وحضارة .. كيف يكون ضعفا .

ثم يقول الكاتب ( ولم يكن عندهم – أي المسلمين - الفكر الذي يخرجهم من ذلك الوضع. هذا السبب هو أكبر أسباب عدم  استطاعة الإسلام إنشاء مجتمع عصري حديث)

. أقول : الأمر معكوس عند الكاتب ، ذلك أن عدم استطاعة المسلمين إنشاء مجتمع عصري لم يكن من عيب في الإسلام ولكنه كان سنة من سنن الحضارات في تطورها من عصر الصبا إلى الشباب إلى الشيخوخة ،  شيخوخة المترفين ،  ومن ثم ظهرت فيهم أي في المسلمين أمراض الشيخوخة وكان أهمها هجرهم لتعاليم الإسلام.

ثم يرجع الكاتب  إلى موضوع القدر ليفسر به سبب تراجع العالم الإسلامي : كأن عقيدة القدر هذه لم تكن موجودة في أعماق المسلمين وهم يصنعون حضارتهم المشهودة ، وإنما كان إيمانهم بعقيدة القضاء والقدر ضمن حوافزهم الإيجابية للبناء  ، وقد رددنا من قبل على فهمه المغلوط في مسألة القدر

ثم يقول بعد أن يتكلم عن "القدر" في المسيحية وهو ما نتجاوزه بحقه وباطله وصحيحه وخاطئه ، لنصل إلى نصيب الإسلام في الموضوع في قوله : ( : أما في الإسلام الذي لا يستطيع تحطيم تقاليده، فمن المستحيل طبقاً لأصوله سن قوانين تعارض هذه التقاليد الأصيلة. لكن في المسيحية إذا وافق الله فمن الممكن ذلك. هذا هو السبب الأساسي في أن  المسيحية هي التي صنعت التحديث ولم يستطع الإسلام ذلك.) أقول :  وهذا ظاهر البطلان ، حيث تجاهل الكاتب إنجازات الإسلام في بناء الحضارة الإسلامية البازغة على أفق التاريخ لعشرة قرون على الأقل ، في حين ينسب إلى المسيحية ما ليس لها من العلمانية ، ويعتبر  نقيصتها فضيلة في  خضوعها  للتعديل والتحريف البشري باسم الوحي الكاذب

 

ويكمل الكاتب مسيرته في قلب حقائق الأشياء ويستدعي في ختام البحث : الرأسمالية التي أفرزتها الحضارة الغربية – العلمانية – ليقدمها كمسلمة مطلقة من مسلمات الحضارة وقمة التطور ، وكأنه يتحدث بلسان فوكويوياما في نهاية التاريخ ، وما هي إلا نهاية الإنسان ،  ( راجع مقالنا بتاريخ 16\7\2005 بعنوان " نهاية التاريخ أم نهاية حضارة أم نهاية الإنسان " ) هذه الرأسمالية التي ينظر إليها الإسلام في نظامه الاقتصادي – وكما يعبر عن ذلك – على سبيل المثال الكاتب السويدي أنجماركارلسون - في كتابه بعنوان " الإسلام وأوربا تعايش أو مجابهة " ترجمة سمير بوتاني ونشر دار الشروق -  باعتبار أن له نظاما خاصا بين الرأسمالية والاشتراكية، وكما يقول ( لأن المسلم المؤمن، يرفض مادية العالم الغربي وما يتبعها من أفكار تركز على النمو والتوسع، وذلك لأن زيادة الإنتاج والاستهلاك في منظور الاقتصاد الإسلامي ليسا هدفين مهمين، لأن البديل الإسلامي عنهما هو الوصول إلى توازن اقتصادي وانسجام المجتمع. لأن أصل هذه النظرة يكمن في الاعتقاد بأن الله خلق الكون لكافة مخلوقاته، وأمر بأن تعود ثروات هذا الكون بالنفع على الجميع، وأمر الإسلام أيضاً بإشباع حاجات الفقراء الأساسية ، ويجوز للفقير المهدد بالهلاك أن يستولى بالقوة على الزاد الذي يحتاجه للبقاء على قيد الحياة.. فإذن، فحق الملكية الشخصية ليس مطلقاً في الإسلام، لأن الحق المطلق هو لله وحده، ومن الأفكار المركزية في التراث الإسلامي أن حقوق الإنسان في ملكيته للأشياء  حق استغلال وليس حق ملك، ولا تشمل الملكية الحق في إساءة الاستغلال) .

 

 

لكن الكاتب الياباني مع الأسف يبالغ في تطرف صارخ حيث  يقدم عجز الإسلام عن قبول هذه الرأسمالية هذه الرأسمالية – الخطيئة - كعلامة على إفلاس الإسلام حضاريا في عجزه عن إبداعها أو التلاؤم معها والسيرورة في ركابها ، وفضيلة المسيحية في رأيه أنها تراجعت بفراغها أمام ضربات العلمانية القاصمة كما تراجعت من قبل أمام القانون الروماني لتصنع هذه  العلمانيةُ هذه الحضارةََ برأسماليتها ، بينما المسيحية تنظر إلى خانقيها بفرح وبهجة ، وهذا رأيه ، فله ما شاء ،  لكنه في مقياس المؤرخ جهل ، و في مقياس الرقي الإنساني  مفخرة للإسلام لا عجز ، وفي مقياس المستقبل غلق للباب أمام التصحيح ، وفي مقياس المسلم عين الانحراف عن طريق الله الذي وضعه خالق الإنسان والحياة والموت والدنيا والآخرة ، ، وقلب للمنكر معروفا وللباطل حقا ، وللحق باطلا .

حقا لقد بدأ البحث واعدا وانتهى منتكسا ، ويافرحة ماتمت

والله أعلم