أمن الدولة المصرية
من محمد علي إلي مبارك
هشام
الناصر
ليس مقصودا بمصطلح "أمن
الدولة المصرية" هو تلك الوحدة الوظيفية التي تنتمي إلي وزارة الداخلية، ولا
أشباهها ونظائرها اللائي تعج بهم أو بهن الدولة علي المستوي السيادي، ولكن
المقصود هو "الأمن" كمفهوم مرتبط "بالدولة" ككيان مادي ومعنوي
وبأركانها الأساسية التي تشمل الشعب والإقليم والسلطة والسيادة والاستقلال (كتابع
للسيادة)، وأخيرا الاعتراف الدولي كصك انتماء للمنظومة الدولية.
والهدف من إسقاط مفهوم
"الأمن المرتبط بكيان الدولة" علي أرض الواقع (الدولة المصرية) عبر بعد
زمني يمتد قرنين (1805 – 2006)، أي منذ بدايات ما يسمي بالدولة الحديثة
"لمحمد علي" إلي الوضع الحالي الذي ينبأ بنهاية الجمهورية الثالثة،
سياسيا بالبشر أو بيلوجيا بفعل القدر (حسب توصيف المفكر المغربي "محمد عابد
الجبري")، واستعراض منحني التطور التاريخي سلبا وإيجابا هو محاولة لتوصيف
الحالة المصرية الراهنة بغية تقيمها وبيان شرعية القائمين عليها (السلطة الحاكمة)،
تلك الشرعية المرتبطة بالإيفاء بوظائفهم ومهامهم في إدارة شئون البلاد والعباد والحفاظ
علي أركان الدولة الأساسية، وهي أيضا محاولة لإنعاش الذاكرة المصرية في استرجاع
الماضي ودروسه ووضعه في إطار الحاضر ممتزجا مع علامات وشواهد حاضرة معاصرة لتكوين
صورة يمكن استخدامها كنافذة في الإطلال علي أفق المستقبل القريب واستشراف عناصر
الجمهورية الرابعة وانتقائهم في حال توافر الخيار وحرية الاختيار.
وللاختصار والبعد عن التطويل
سيكون التركيز علي أول المرحلة (محمد علي) ونهايتها (حسني مبارك) مع أخذ باقي
المراحل في السياق مع عدم الإخلال بالاتساق، وسيتم العرض في ثلاثة أقسام هم:
القسم الأول: الدولة كمنظومة
وعلاقتها بالأمن
القسم الثاني: أمن الدولة في
عصر محمد علي
القسم الثالث: أمن الدولة في
عصر مبارك
******************
القسم
الأول : الدولة كمنظومة وعلاقتها بالأمن
تعددت تعريفات
"الدولة" باختلاف خلفية القائمين بالتوصيف من حيث التخصص في أفرع العلوم
الإنسانية (الاجتماع، القانون، السياسة، الإنسانيات، السلوك، الإقتصاد، ...الخ) . وكأمثلة
وباختصار، يعرفها علماء السلوكيات بكونها "الأداة والأسلوب الحضاري المنظم
للسلوك البشري (الإنساني) وفرض المبادئ والقواعد والأنماط الحضارية الحاكمة".
أما علماء الاجتماع فيعرفونها بأنها "ذروة التطور الحضاري المنظم للتجمعات
الإنسانية لتكوين البنيان الاجتماعي وتفاعله". وينظر الاقتصاديون إليها كمجموعة
موارد متاحة في كيان جغرافي محدد وكقواعد تنظيم وحسن إدارة بغية تفعيل وتعظيم
العائد وعدالة التوزيع للشعب القاطن بالمحتوي الجغرافي (مع وضع خطين تحت عدالة
التوزيع !!)، أما علماء القانون فيرونها من منظور القواعد الحاكمة المنظمة لمكونها
الداخلي (أفراد – مؤسسات – سلطة)، وتفاعلها الخارجي مع عناصر ومكونات المنظومة
الدولية، ..الخ.
وبعيدا عن هيمنة المنتمين
"للعلوم الإنسانية" علي الحياة الفكرية والسياسية فأن التوصيف التعريفي لكيان
الدولة، الأقرب للدقة والصحة، هو ما جاء به "العلميون" في توصيف الدولة
"كنظام أو كمنظومة" تطبيقا لنظرية الأنظمة.
ومصطلحي النظام والمنظومة
يستخدمان بالترادف لنفس المعني رغم تحفظ بعض العلماء وقصرهم مصطلح
"النظام" للشيء الطبيعي ومصطلح "المنظومة" للمُخلق صناعيا أو
بشريا، فنقول كمثال النظام الشمسي ونظام الدورة الدموية كبناء طبيعي، ونقول منظومة
الدولة الإدارية أو المنظومة البنكية كبناء مُخلق.
والدولة بالخصوص تجمع بين
الصفتين، فهي طبيعية لتوائمها مع الفطرة البشرية واتفاقها مع الحكمة والتعاليم
الربانية، وهي أيضا صناعية بما تحويه من نظريات ومناهج وخطط وآليات تعكس مقدرة
الفكر البشري علي التطبيق.
والدولة كنظام هي
مجموعة من المكونات أو الوحدات الوظيفية (شخصية واعتبارية – أفراد ومؤسسات) تتفاعل
فيما بينها بعلاقات إعتمادية (Interdependence) لأداء مجموعة من الأعمال والأنشطة اللازمة لتحقيق هدف معين (وهو
العيش الآمن وضمان البقاء)، في بيئة مكانية جغرافية تتسم بالاستقرار والثبات وتحوي
الحد الأدنى من الموارد اللازمة للعيش والحياة. وتتم تلك الأنشطة والأعمال طبقا
لمرجعية حاكمة من قوانين وأعراف مستمدة من عقيدة الكيان المتفقة مع هويته، وتحت
تنظيم وإدارة وحدة وظيفية عليا (هي السلطة).
وقبيل الاسترسال في ترجمة هذا
التعريف وتوصيفه، يجب الإشارة إلي أن الدولة كمنظومة متكاملة هي مجرد "وحدة
وظيفية" في منظومة أكبر وهي "المنظومة الدولية"، تتفاعل مع باقي
المكونات (دول ومنظمات ومؤسسات دولية) في الفضاء العالمي بما يسمي "العلاقات
الدولية" لأداء مجموعة من الأنشطة والأعمال التي تهدف إلي أمن وسلامة المجتمع
الدولي ككل، ويتم هذا طبقا لمرجعيات حاكمة مستمدة من "القانون الدولي" و
"الأعراف" المتفق عليها. فنحن وبالطبيعة نعيش في عالم من الأنظمة.
وعودة إلي تعريف الدولة كنظام
للتعرف علي مكوناته وبنائيته وسماته وخصائصه، كالآتي:
1 – مكونات الدولة عبارة عن
أشخاص ومؤسسات وظيفية، وهذا يستلزم التأهيل المطلوب والتوظيف المناسب الذي يحقق
العدالة المطلقة في تفسير الفلاسفة (في المجتمع
العادل، لكل منا وظيفة يؤديها، وهو لهذه الوظيفة مُعد جيدا – Every one
has a job for which He is suited best). الأمر الذي يحدد المسئولية التامة للإدارة الحاكمة للدولة
(السلطة) في ضرورة توفير التعليم والتدريب والتأهيل وإيجاد فرص العمل المناسب.
وهذا أيضا يقودنا إلي تفهم شعار "الرجل المناسب في المكان المناسب" الذي
أٌطلق في أحدي مراحل التاريخ المصري هادفا إلي تحقيق العدالة بتعريفها.
2 – تفاعلات عناصر الدولة من
شخوص فيما بينها وبين المؤسسات الوظيفية والسلطة الحاكمة تحددها وتقننها علاقة
"المواطنة والإنتمائية" – بصفتهم مواطنين لا كمقيمين أو رعايا أو
مستأجرين. وهو التوازن السوي بين الحقوق والواجبات بصفتهم مساهمين أساسيين في هذه
المنظومة ومدافعين عنها. فالمواطنة هو فعل حركي ديناميكي فاعل وليس ساكنا خاملا
يقتصر علي مجرد النسب والانتماء. وبعبارة أخري فأن الوطن من المواطن والمواطنة
والعكس ليس صحيحا. وبعبارة ثالثة فأن منظومة الدولة من عناصرها الفاعلة وليست
العناصر من المنظومة. وبعبارة رابعة فأن الأصل هو مكونات الدولة والدولة بكليتها
تابع لها والعكس ليس صحيحا إلا للرعايا والأجانب والمقيمين وما هو ليس بمواطن.
3 – تنظيم وإدارة عمل
المنظومة يستند علي مرجعية حاكمة من قوانين وأعراف مستمدة من عقيدة الدولة
المتفقة مع هويتها، واختلاف عقيدة الدولة مع هوية شعبها (لعجز في التحديد، أو
بالتشويه المتعمد) يخلق تضارب لا تستقيم معه تطبيقات المرجعيات.
4 – سلطة الدولة هي مجرد
"وحدة وظيفية"، وقتية زمنيا، تتولي أعمال التنظيم والإدارة (سياسة
الدولة) داخليا وخارجيا (ضمان حسن أداء أنشطة وأعمال المكونات الداخلية لمنظومة
الدولة، وإدارة المتناقضات والتغيرات مع البيئة الدولية) لتحقيق هدف المنظومة الاسمي
(العيش الآمن وضمان البقاء)، وليست مالكة لها (وإلا تحولت إلي متاع أو إقطاعية).
وسلطة الدولة، كوحدة وظيفية، تأتي من نسيج
تركيب المنظومة أي من نفس الجنس والانتماء (فسلطة إنجليزية أو سلطة خاضعة لتبعية
أمريكية (كمثال) علي شعب مصري بهوية عربية وعقيدة إسلامية تنفي عن المنظومة صفة
"الدولة" وتحولها إلي "ولاية أو محمية" تدور في فلك مركز أخر.
والسلطة تستمد صلاحيتها (شرعيتها) من "قبول"
كافة (أغلب) مكونات المنظومة الفاعلة بناءً علي العقيدة والنظرية الحاكمة
(منظومة جمهورية تحت سيطرة سلطة ملكية هي منظومة مختلة فاسدة غير مستقرة).
5 – موارد المنظومة (بما فيها الموارد
البشرية) هي الضامن الأساسي للعيش المادي، تتولي السلطة الحاكمة تنظيمها وحسن
إدارتها بغية تفعيل الناتج وتعظيم العائد وعدالة التوزيع للشعب القاطن بالمحتوي
الجغرافي (المنتمي إلي المنظومة). وسوء إدارة الموارد يفقد المنظومة مصدر طاقتها
المادية اللازم للاستقرار والاستمرار، وسوء التوزيع يؤدي إلي إضعاف فئات وتقوية
فئات الأمر الذي يحدث "خروقا" في نسيج المنظومة يؤدي لتهالكها وسقوطها.
6 – وأخيرا وليس أخرا، فأن
هدف منظومة الدولة الاسمي هو العيش الآمن وضمان البقاء، والذي يمكن تحديده
في ثلاث بيئات رئيسية (متقاطعة وليست منفصلة) وهم:
أ – الأمن الداخلي: ويشمل
الأمن بمفهومة العام (العيش في أمان دون خوف علي النفس والممتلكات)، والأمن
الاجتماعي والاقتصادي وأهمهم وأساسهم وعلي رأسهم الأمن السياسي (وهو ضمان حماية
المشاركة الفاعلة وإبداء الرأي والأخذ به في كافة أعمال وأنشطة المنظومة بما فيها نقد
وتقييم واختيار السلطة الأعلى الحاكمة. وبعبارة أخري هو ضمان شق "الحقوق
السياسية" في مصطلح "المواطنة" بعمومها)
ب – الأمن الخارجي: وهو حماية
سيادة الدولة واستقلالها (كمكون رئيس من أركانها)، وحماية عقيدة المنظومة وهويتها
(كمرجعية حاكمة لأنشطتها وأعمالها) من أي تهديد خارجي مادي أو معنوي – مباشر أو
غير مباشر.
ج – أمن المستقبل: وهو تطوير
وتحديث المنظومة في كافة النواحي (ماديا وغير ماديا) التي تجعلها قادرة علي مواجهة
ومجابهة التحديات المستقبلية حماية للأجيال القادمة.
علما
بأن "أمن وسلامة المنظومة" أكبر وأعقد مما يتم عرضه بهذا التبسيط. فهو
يشمل أصول المنظومة ومكوناتها المادية والغير مادية وتحديد قيمتها، ويشمل
التهديدات ومصادرها وأنواعها (وأيضا المادية والغير مادية)، ويشمل أساليب
الحماية التي لا تقتصر فقط علي منع حدوث التهديد بل وإدارة الخسائر في حال الوقوع
والعلاج والتعلم من دروس الكوارث (وهو ما يسمي بالسياسة الواعية الرشيدة في
إدارة الأزمات)، ويشمل أيضا إجراءات تقوية المناعة للمنظومة وعدم جعلها عرضة
للتهديدات، ويشمل إدارة "المخاطر"، وهي الخسائر المحتملة مستقبليا في ظل
احتمالات التهديد وقيمة الشيء المهدد، وأخيرا وليس أخرا وضع خطط الحماية والوقاية
الأنسب (Optimum) التي توافق بين إجراءات الحماية وقيمة الأصول المراد حمايتها،
وهي التي تمثل النظرة المستقبلية للإدارة الحاكمة – وغيرها.
******************
القسم
الثاني : أمن الدولة في عصر محمد علي
بداية فان تولي "محمد
علي" سلطة البلاد يوضح خلل بناء منظومة الدولة المصرية، لكونه من غير جنس
شعبها، نظرا لأصوله الألبانية (وهذا من حيث التعريف المطلق والحديث لمنظومة
الدولة). وليس صحيحا خالصا ما يتردد تاريخيا من أنه قد آتي منتخبا من شيوخ البلاد
وكبرائها المصريين، فالوثائق التاريخية توضح "مؤامرة" من نوع ما مع
القنصل الفرنسي (جرافيتي أو بروفيتي) كانت فاعلة في دفع "محمد علي" إلي كرسي
الحكم مقابل تسهيلات مادية شخصية، تمثلت في استيلاء القنصل الفرنسي علي كميات
منتقاة من الآثار المصرية والتي كون منها متحفا في "تورين" بإيطاليا
(طبقا لما عرضه "هيكل" في أحاديثه علي الجزيرة الفضائية)، ووعود بتعاون
مستقبلي مع الدولة الفرنسية (وهو الأمر الذي ظهر لاحقا في الانفتاح المصري علي
فرنسا – البعثات العلمية والمستشارين العلميين والعسكريين وبناء المدارس المتخصصة
كالهندسة والحربية وبناء الترسانة البحرية وغيرها).
ولكن إذا أخذنا تلك المرحلة
في سياقها الزمني فسنجد أن توليته كانت أمرا طبيعيا لكيان (وليس دولة) عاني من
احتلال وتبعية (شبه متصل) لمدة تقارب الثلاث الآف عاما: بدأ "بالهكسوس"
في منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد لمدة تقارب القرنين، وهناك من يقدرها
بأربعة، ثم بداية الانهيار من العام 950 ق.م باحتلال ليبي ثم نوبي ثم فارسي علي
مرحلتين ثم إغريقي ثم بطالمي ثم روماني فبيزنطي حتى الفتح العربي الذي أعاد
تشكيلها "كمشروع دولة" في عصر الخلافة الرشيدة، ثم انتكست الأمور
بالعودة إلي دويلة أو ولاية في العصر الأموي فالعباسي فالفاطمي ثم عودة إلي العباءة
العباسية الشكلية تحت الأيوبيين ثم المماليك، ثم عثماني ففرنسي إلي "محمد علي"
الألباني في العام 1805م).
وكإضافة أخيرة قبل تناول
بيئات الأمن الثلاث (الداخلي والخارجي والمستقبل) في عهد "محمد علي"
نلاحظ أن دعائم حكم "محمد علي" قد استندت علي مبادئ أربع رئيسية هم:
1 - البطش بالخصوم (مذبحة القلعة عام
1811).
2 - المكيافيلية (وخاصة مبدأ قيام الحاكم
بتحطيم أولئك الذين ساعدوه أو دعموه للوصول إلي السلطة).
3 - الهيمنة علي عناصر ومؤسسات الدولة
الأساسية (مثل المؤسسات في ذلك الوقت الشيوخ والتجار والعسكر)
إضافة إلي تأميم الأراضي الزراعية لصالحه وأسرته.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن شيوخ مصر
(في ذلك الوقت) كانوا يمثلون رجال الدين والقضاة والمثقفين لأدركنا أن ما فعله
"محمد علي" (في العناصر الثلاث السابقة) قد تكرر بصور وأشكال مختلفة في
كافة المراحل التي تلته.
4 – اللعب علي المتناقضات ( بدء من
التناقضات بين القنصل البريطاني والقنصل الفرنسي إلي الخلافات بين المماليك كحكام
سابقين وشيوخ البلد الوطنين – وبين التجار والمشايخ – وبين التجار ذاتهم بتميز
سلعة معينة – وبين عناصر جيشه من ترك وألبان وأرمن وأكراد وأوربيون وبقايا مماليك
راضخة – وبين المشايخ ذاتهم من حيث المذاهب والأصول والأنساب – وبين الأقباط
والمسلمين من حيث استخدام ورقة "المعلم أو الجنرال يعقوب" في الضغط علي
الأقباط لاستمالة مشاعر المسلمين وفي استقطاب الكبرات من الأقباط وأصحاب النفوذ
والثروات وضمان الولاء المطلق والتام).
وفي السياق نقول أن
النقاط الأربع وإن تكررت بمفرداتها علي مختلف الحقب التاريخية منذ "محمد
علي" حتى الآن، إلا أنها جاءت كاملة متكاملة تماما وبصورة واضحة في الجمهورية
الثانية (السادات)، بالصورة الآتية:
1 – البطش بالخصوم
(مذبحة مايو 1971)
2 – المكيافيلية في
إقصاء من ساعد (إهانة وطرد اللواء "الليثي"
قائد الحرس الجمهوري، البطش بالفريق صادق، البطش بهيكل رغم كونه مهندس التنسيق مع
اللواء صادق (كرئيس أركان) في وجود "محمد فوزي" (كوزير دفاع)، البطش "بالزيات"
وهو مهندس تفصيل الدستور والقوانين المعيبة مع "العطيفي"، وغيرهم)
3 – الهيمنة علي عناصر
الدولة الأساسية (العسكر: بإعادة المشير إسماعيل إلي
الخدمة كوزير للدفاع بعد محاكمته وطرده عقب حادثة رادار الزعفرانة أثناء مراحل حرب
الاستنزاف (1968 – 1970 ) – التجار: ويمثلهم رجالات المال والأعمال الذين شكلوا
طبقة أو فئة أولجاركية منتفعة، وصلت إلي درجة المصاهرة العائلية – الشيوخ: ويمثلهم
رجالات القضاء الموالين للسلطة، ومثقفي السلطان (حسب تعبير هيكل) ورجالات الدين
(شيخ الأزهر ووزير الأوقاف ومفتي الديار بدرجة أقل).
4 – اللعب علي
المتناقضات (ومنها استمالة "شعراوي جمعة" بالتلويح
له برئاسة الوزراء وإحداث وقيعة مع مجموعة "علي صبري" – ومنها وأشهرها
تعميق الخلافات بين اليساريين والقوميين وبين الجماعات الإسلامية التي تم تخليقها
في الجامعات – وهو أيضا الأسلوب الذي نصحت به أمريكا شاه إيران في الخمسينات
للقضاء علي نفوذ الشيوعيين).
أما البيئات الأمنية الثلاث
فيمكن تلخيصها في الآتي:
أولا:
بالنسبة للأمن الداخلي:
1 – التضارب بين عقيدة الدولة
والنظرية القائمة عليها وهوية شعبها. فقد كانت تجربة "محمد علي" هي
تغريبية (نسبة إلي الغرب) بكليتها وعلي كافة المقاييس. وفي ذلك يقول المؤرخ أرنولد
تويني <<لقد قام "محمد علي" بتطبيق منظم وممنهج للتغريب علي سكان
مصر طوال مدة خمس وثلاثين عاما>>.
2 – بالنسبة للأمن العام:
هناك العديد من الأقوال التي تنسب فضل استتباب الأمن إلي "محمد علي"
بالقضاء علي عصابات الأعراب المنتشرة بالأطراف وميليشيات المماليك والعمال
المكلفين بجمع الضرائب والمكوس وغيرهم. وحقيقة الأمر أن هذا قد تم بالفعل لكن
لصالح تفرد الأسرة الحاكمة بالسيادة المطلقة علي مقدرات البلاد وأرواح العباد،
ولصالح الأجناس المقربة من الترك والأرناؤوط. ويروي لنا "الجبرتي" في
"عجائب الآثار" فظائع يقشعر لها الأبدان لا مثيل لها إلا بما حدث للعبيد
الأفريكان في الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر. فلم تكن هناك
حرمة مال أو عرض (لمسلم أو لغير مسلم) من غير الخاصة بمنأى عن العائلة الحاكمة
وأتباعهم إلا بما شاء وتعطف "كنمرود" إبراهيم، وفي هذا قال الشيخ
"محمد عبدة": <<ما الذي فعله "محمد علي" ؟؟؟، لم يستطيع
أن يحيي ولكن أستطاع أن يميت ويبيد>>.
وهذا إضافة لنظام "السخرة" الذي كان يستخدم في التجنيد الإجباري
(حتي الموت ودون مدد محددة) وفي الأعمال العامة مثل شق وتطهير الترع وتقوية
الشواطئ والجسور.
ولنذكر بعض الأمثلة كقطوفات
من تاريخ الجبرتي (عجائب الآثار في التراجم والأخبار):
أ – بعض ما حدث بشهر ربيع
الأول1226هـ: << وذهب الباشا (يقصد محمد علي) إلي الإسكندرية للإشراف علي
شحن الغلال للمراكب الإنجليزية – وهناك أستدعي مشايخ وكبراء قبائل "أولاد
علي" المستولين علي البحيرة وتحايل عليهم، فلما حضروا قبض عليهم وقرر عليهم
أموالا عظيمة، وأرتهنهم وعوقهم وأرسل العسكر إلي قراهم ونجوعهم فنهبوا كل ما فيها
من مواشي وغيره، وسبوا النساء والأولاد>>.
ب - <<واستهل شهر جمادى
الثانية سنة 1226هـ في عشرينه خرج الباشا إلى البركة وطلب الجمال وقوافل العرب
وشهل طائفة من عسكر الباشا (يقصد محمد علي) للسفر إلى السويس فاهتموا بالدخول
والخروج من المدينة وطفقوا يخطفون الحمير والبغال والجمال وكل ما صادفوه من
الدواب ومن وجدوه راكبًا ولو من وجهاء الناس أنزلوه عن دابته وركبوها فانقبض الناس
وانكمش غالبهم عن الركوب لمصالحهم وأخفوا حميرهم وبغالهم وأقام الباشا ثلاثة
أيام جهة البركة ثم ركب إلى السويس>>
ج – ومن دناءة خصاله وعدم حفظ
عهده يقول الجبرتي : <<وأصبح يوم السبت (بعد حادثة قتل المماليك) والنهب
والقتل والقبض على المتوارين والمتخفين مستمر ويدل البعض على البعض أو يغمز عليه
وركب الباشا في الضحوة ونزل من القلعة وحوله أمراؤه الكبار مشاة وأمامه الصفاشية
والجاويشية بزينتهم وملابسهم الفاخرة والجميع مشاة ليس فيهم راكب سواه وهم محدقون
به وأمامه وخلفه عدة وافرة والفرح والسرور بقتل المصريين ونهبهم والظفر بهم طافح
من وجوههم - ومر علي (كذا وكذا ...) حتى
دخل إلى بيت الشيخ الشرقاوي وجلس عنده ساعة لطيفة وكان قد التجأ إلى الشيخ شخصان
من الكشاف المصرية فكلمه في شأنهما وترجى عنده في إعتاقهما من القتل وأن يؤمنهما
على أنفسهما وقال له لا تفضح شيبتي يا ولدي واقبل شفاعتي واعطهما محرمة الأمان
فأجابه إلى ذلك وقال له شفاعتك مقبولة ولكن نحن لا نعطي محارم وأنا أماني
بالقول أو نكتب ورقة ونرسلها إليك بالأمان فاطمأن الشيخ لذلك ثم قام الباشا وركب
وطلع إلى القلعة وأرسل ورقة إلى الشيخ بطلبهما فقال لهما الشيخ أن الباشا أرسل هذه
الورقة يؤمنكما ويطلبكما إليه فقالا وما يفعل بذهابنا إليه فلا شك في أنه يقتلنا
فقال الشيخ لا يصلح ذلك ولا يكون كيف أنه يأخذكم من بيتي ويقتلكم بعد أن قبل
شفاعتي فذهبا مع الرسول فعندما وصلا إلى الحوش وهو مملوء بالقتلى وضرب الرقاب
واقع في المحبوسين والمحضرين قبضوا عليهما وأدرجا في ضمنهم>>.
3 – بالنسبة للأمن السياسي: لم
يكن لأي "مصري" كبير أو صغير أي رأي في إدارة البلاد من قريب أو بعيد،
فقد تخلص "محمد علي" من الزعامات الشعبية أو الأهلية (كبراء الطوائف
والمهن) بالترهيب والترغيب والإقصاء البدني والمعنوي. وقد شكل مجلسا للحكومة يسمي
"الديوان العالي" ومجالس ودواوين أخري أبرزها مجلس الشوري (تشكل
عام1829م)، أي بعد توليته بأربعة وعشرين عاما (!!). ولم تكن تلك المجالس إلا شكلا ديكوريا يتباهي
بهم أمام ممثلي الدول الأجنبية ويضفي علي حكمه الاستبدادي وضعا شرعيا (لاحظ
التماثل مع الواقع الحالي !!!) – وكانت معظم تلك المجالس ذات مهام تنفيذية لسياسات
ورغبات العائلة الحاكمة، أما مجلس الشوري (المستمد أسما من الشريعة) فكان ينعقد
مرة واحدة كل عام (!!)، ولم يكن من بين أعضائه مصري واحد (!!!!!)، ورغم قصوره وعجزه
فقد تم حله بعد سنوات قليلة.
4 – وبالنسبة للأمن الثقافي،
فقد أضعف الأزهر (بإسقاط هيبة رجالة واستقطابهم أو إقصاءهم وإبعادهم عن الجماهير)،
وقام بوضع "القوانين الوضعية" – قانون الفلاح كمثال – وأهتم بالنموذج
"الفرنسي" في تثقيف طوائف منتخبة صغيرة السن تمهيدا لانسلاخها عن هويتها
العربية الإسلامية. وكان "محمد علي" مبهورا بجماعة القناصل الأوربية
والمستشرقين (ومنهم الفرنسي "أدم فرنسوا جومار") وأوكل لهم رعاية وتوجيه
طلاب البعثات في فرنسا، وطلاب مدرسة الألسن في مصر، وأثمر ذلك عن تكوين
"قاعدة حزبية" متفرنجة (متفرنسة) منسلخة تماما عن الواقع المصري وطبيعة
سكانه.
5 – بالنسبة للأمن الاقتصادي:
أحتكر "محمد علي" كافة موارد الدولة، فقد صادر الأراضي الزراعية ثم
اقتطهعا لأفراد أسرته وحاشيته وكبار موظفيه من أكراد وشركس وأقباط وشوام – واضعا
بذلك أساس "الإقطاع الزراعي". كما أحتكر "تجارة" المحاصيل
وتصديرها. أما في الصناعة فقد لجأ إلي "الإحتكار الصناعي أو التحجير"
بتحديد المنتجات شائعة الاستخدام وإحكام الرقابة علي المنتجين لها واحتكار شراء
الناتج بأسعار يحددها ثم إعادة بيعها بالإجبار (إرغام مشايخ القرى والبلدان علي
الشراء) بالأسعار التي يحددها.
ومن المهازل المالية التي
صنعها "محمد علي" هو التلاعب في "عملة" البلاد المتداولة
بتزييفها وزيادة سعر صرفها، وفي هذا يقول الجبرتي: <<ومنها الزيادة الفاحشة
في صرف المعاملة والنقص في وزنها وعيارها وذلك أن حضرة الباشا (يقصد محمد علي) أبقى
دار الضرب على ذمته وجعل خاله ناظرًا عليها وقرر لنفسه عليها في كل شهر
خمسمائة كيس بعد أن كان شهريتها أيام نظارة "المحروقي" خمسين كيسًا في
كل شهر ونقصوا وزن القروش نحو النصف عن القرش المعتاد وزادوا في خلطه حتى لا
يكون فيه مقدار ربعه من الفضة الخالصة ويصرف بأربعين نصفًا (أكثر من المعدل
العادي)>>.
ولعل هذا يذكرنا بما فعلته
الحكومة الحالية (مبارك) في تعويم العملة المصرية (الجنية) دون غطاء إنتاجي يدعمها
أو تعويض مقابل عادل للمتضررين (أصحاب الرواتب والمدخرات). فرفع سعر الدولار من
3.30 جنية مصري للدولار الأمريكي (كعملة قياسية دولية) إلي 5.65 جنية للدولار قد
تسبب في خفض قيمة مدخرات المصرين من قيمتها الشرائية (وبالقياس علي القياس الدولي)
بمقدار النصف. بمعني : إذا كان لديك
مدخرات بنكية بقيمة 3300 جنية (واقترضتها الحكومة كالعادة بسيطرتها علي البنك
المركزي والتأمينات وصناديق التوفير) فأنك دائن للحكومة بمقدار 1000 دولار أمريكي،
ولكن بعد تخفيض العملة فأنت دائن للحكومة بمقدار 500 دولار تقريبا. أي أن الحكومة
قد وفرت 50% من ديونها، والمواطن خسر 50% من قيمة مدخراته طبقا للقياس العالمي
المتداول – واضعين في الاعتبار أن سعر الدولار هو الحاكم في أسعار السوق المصري
وتحدي القوة الشرائية للعملة المحلية نظرا لاختلال الميزان التجاري المصري بين
التصدير والاستيراد (!!!!!!!!!).
6 – وبالنسبة للأمن
الاجتماعي: فقد تحول المواطنون إلي رعايا سبايا منفصلين تماما عن السلطة الحاكمة
والسلطة النافذة في أحوال البلاد. فقد أحاط "محمد علي" نفسه بعصبية
جديدة كبديل عن "عصبية المماليك" تكونت من أفراد عائلته وحاشيته
والمقربين من الترك والألبان والكرد والشركس والأرمن والأوربيين ومن الشوام
المسيحيين ومن يهود متخصصين في المال والأعمال.
حتي بعد اضطراره لتجنيد المصريين في الجيش لتحقيق طموحاته ومغامراته فقد
قصر أعمالهم علي الأعمال الوضيعة والخطيرة ورفض ترقيتهم إلي مقام الضباط المتوسط
وليس العالي !!، فحينما طلب منه "إبراهيم باشا" ترقية يعض أبناء البلاد
الذين ابلوا بلاء حسنا في حروب الشام إلي رتبة اليوزباشي (نقيب)، كتب إليه قائلا:
<< من المعلوم يا ولدي أن مثل هذا العمل سوف تترتب عليه نتائج خطيرة علي
الحكم ولو بعد مئة عام>>.
وفي سياق الحديث عن الوضع
الاجتماعي المتمثل في الانتماء إلي حق المؤسسات السيادية (مثل الشرطة والجيش) يجدر
الإشارة إلي التغير الكبير الذي حدث في مراحل الجمهوريات الثلاث (ناصر والسادات
ومبارك). فقد توفرت العدالة الاجتماعية في زمن الجمهورية الأولي، وكان من الممكن
أن تجد أبن المزارع أو الموظف البسيط جنبا إلي جانب أبن اللواء أو الوزير في مقاعد
الكليات العسكرية وغيرها، وهو الأمر الذي تغير تدريجيا (في عهد السادات) إلي
جذريا (في عهد مبارك) – وما حادثة انتحار أحد أبناء العائلات الفقيرة لفشله أو
لإفشاله في الالتحاق بسلك أحدي المؤسسات السيادية (رغم تفوقه) ببعيد. أنه تغير في
بنائية المجتمع المصري وتكريس وضعية تعبر عن الفئة المنتفعة والطبقة الحاكمة
الفعلية.
ثانيا:
الأمن الخارجي
1 – بالنسبة للشق العسكري:
فقد أشتهر "محمد علي" بمغامراته العسكرية التوسعية التي أحسن فيها
استغلال "الفراغ" الناشئ من ضعف مركز الخلافة العثمانية وتراخي قبضتها
عن ولاياتها، وهو الأمر الذي فضحه وكشفه غزوة نابليون (1798 – 1801)، مما جعله
يندفع بقوة لملء ذلك الفراغ.
وقد ينظر إلي تلك الأعمال
العسكرية (المكلفة) علي إنها أعمال وقائية وضرورية لحماية مركز الإمبراطورية
المخطط لتشيدها (وهي مصر المحروسة)، ولكن إجماع المؤرخين والمحللين أسقط تلك
الفرضية ووضعها في أسبابها الحقيقية وهي "المطامع الشخصية" غافلا مصلحة البلاد
و ومهملا حقوق العباد. وقد تحملت
البلاد مغامرات "محمد علي" العسكرية بمواردها وبأرواح أبنائها دون محصلة
عائد تذكر – ونلخصها نقاطها الرئيسية في الآتي:
أ - استعان "محمد
علي" بالخبراء الفرنسيين في تنظيم الجيش والبحرية، وكون جيشه من الأجانب
الموالين بعيدا عن أولاد البلد المصريين الذين كان ينظر إليهم علي كونهم فلاحين
غير صالحين لأعمال القتال، ثم أضطر إلي استخدامهم كجنود بعد فشل محاولته في تشغيل
العبيد الأفريكان الذين سباهم في فتوحات السودان وجنوبها، وقد نجحت تجربته بحملته
علي الجزيرة العربية (نجد) للقضاء علي "الوهابية" – معركة "الدرعية"،
الأمر الذي جعله يعتمد علي الجندي المصري لكن دون ترقية لمقام الضباط.
ويحضرنا هنا ما قاله
"محمد علي" إلي السفير الفرنسي "بوالو كومت" حينما أبدي
مخاوفه من أن يتسبب نجاح الجندي المصري في إيقاظ "الروح القومية
العربية" لسائر شعوب المنطقة: << لم أفعل في مصر سوي ما فعله
الإنجليز في الهند، فلديهم جنود هنود تحت أمرة ضباط إنجليز، ولديّ جنود عرب تحت
أمرة وسيطرة ضباط من الترك .... !!!>>.
ب – بدأ محمد علي مغامراته
العسكرية لخدمة مركز الخلافة العثمانية (في البداية)، فقام بحملات عديدة علي ينبع
(الحجاز) والدرعية (نجد) حتي تمكن من التغلب علي فورة وثورة الوهابيين ودعم البيت
السعودي لهم (مخافة انتشارها لباقي الولايات العربية) – في الفترة من 1811 إلي
1819م. ثم قام بفتح "السودان" واستخدامه كمستودع للعبيد وكحديقة خلفية
لزراعة (القطن والأفيون والنيلة). ثم قام بإخماد الثورة اليونانية (علي الخلافة
العثمانية) في "المورة" عام 1824 – 1826م. وقد أصبح بعدها أميرا علي
"مصر والحجاز والسودان".
ج – أنقلب الخليفة العثماني
"السلطان محمود" علي "محمد علي" الذي سارع بغزو قلب الخلافة
بعد فوزه الساحق في معركة "نزيب" واستيلائه علي الأسطول العثماني. ولكن
التحالف الروسي البريطاني أضطره إلي التخلي عن كل مكاسبه والاكتفاء بحكم مصر
(معاهدة لندن 1841م).
2 – أما بالنسبة لحماية
"عقيدة الدولة وهويتها" – فالدولة لم تكن دولة "مصر" بل
كانت دولة "محمد علي". فمشروعه الذي يحلو للبعض أن يسميه
"نهضويا" قد تم بعيدا عن الشخصية المصرية والعقيدة الإسلامية والهوية
العربية. ولعل فيما سبق فيه البيان والتبيان، ونزيد عليه ما قاله الجبرتي بعد
هزيمة جند "محمد علي" في موقعة عسكرية قرب "ينبع" بأرض
الجزيرة (السعودية حاليا): << ولقد
قال لي بعض أكابرهم من الذين يدعون الصلاح والتورع أين
لنا بالنصر وأكثر عساكرنا على غير الملة وفيهم من لا يتدين بدين ولا ينتحل مذهبًا
وصحبتنا صناديق المسكرات (الخمور) ولا يسمع في عرضينا أذان ولا تقام به فريضة ولا
يخطر في بالهم ولا خاطرهم شعائر الدين والقوم (يقصد العرب الوهابين) إذا
دخل الوقت أذن المؤذنون وينتظمون صفوفًا خلف إمام واحد بخشوع وخضوع وإذا حان وقت
الصلاة والرحب قائمة أذن المؤذن وصلوا صلاة الخوف فتتقدم طائفة للحرب وتتأخر
الأخرى للصلاة وعسكرنا يتعجبون هلموا إلى حرب المشركين المحلقين الذقون المستبيحين
الزنا واللواط الشاربين الخمور التاركين للصلاة الآكلين الربا القاتلين الأنفس
المستحلين المحرمات (المقصود بهم جنود "محمد علي")>>.
ومن الجدير بالذكر، أن مشروع
"محمد علي" كان بداية "انسلاخ" مصر عن هويتها العربية وغرس
مفهوم "العلمانية والتغريب" في تربة الأرض المصرية، يقول د. فؤاد زكريا:
<<أن محمد علي هو أول علماني حقيقي في العالم العربي الحديث !!!>>،
وهو الأمر الذي أدي إلي فقد حماية الأمن القومي لمصر – ولباقي الدول العربية
بالتبعية – بل ووصلت المهازل إلي استخدام "مصر" لاحقا كقاعدة لأكبر
مؤامرة شهدتها الأمة العربية – مؤامرة "سيكس بيكو". فقد قام الإنجليز في
بدايات الحرب العالمية الأولي باستقطاب أولاد الشريف حسين – شريف مكة - (عبد الله
وفيصل) في مباحثات ومحادثات بمصر – علي التوازي مع الأنشطة والأعمال التي قام بها
الضابط "لورانس" (انطلاقا من قاعدته بمصر) في العراق والشام والجزيرة العربية
والتي تمخضت عن "الثورة العربية" التي ساهمت في إسقاط "الخلافة
العثمانية" ونتائجها الغير متفق عليها مثل تقسيم الشام (سوريا ولبنان وفلسطين
والأردن) وتوزيع مناطق النفوذ بين فرنسا وإنجلترا وإصدار وعد بلفور الشهير. ولم
تعد "مصر" إلي مظلتها العربية إلا مع قدوم الحرب العالمية الثانية
وتعالي دعاوي "القومية العربية" والدعوة إلي "مشروع جامعة الدول
العربية" الذي بدأ علي يد حكومة "الوفد" المصرية – النحاس باشا.
ومن الغريب أن يغفل المؤرخون
دور "محمد علي" في تفعيل "الحركة الصهيونية" في فلسطين. فقد
ظل النشاط التبشيري محصورا مقيدا في الشام وفلسطين بسبب معارضة الخليفة العثماني
من ناحية، ومن ممانعة السكان المسلمين وعدم توفر الأمن للبعثات من ناحية أخري.
وبقدوم "محمد علي" وسيطرته علي الشام قام بتأمين عمل تلك الإرساليات
ورفع القيود عن النشاط اليهودي وسمح للإنجليز ببناء قنصلية لليهود ببناء
"كنيس" لهم في القدس الشريف، كما سمح لجمعية يهودية إنجليزية (جمعية
يهود لندن) بحرية العمل والتبشير في فلسطين. أي وبإختصار، كانت بداية رسوخ
النبتة الصهيونية الطفيلية في أرض فلسطين العربية عمليا وفعليا في عصر "محمد
علي" باشا (!).
ثالثا:
أمن المستقبل (أمن الأجيال القادمة)
لم تكن "مصر"
بالنسبة "لمحمد علي" سوي أرض إقطاعية ومجموعة من الرعايا يسكنونها –
ينطبق عليها قول المؤرخين العرب << مصر أرضها لمن كلب (غلب)>>، لذا
فقد كان مشروعة الذي سمي "نهضويا" في حقيقته ليس إلا مشروعا استثماريا
شخصيا له ولأسرته، جاءت بعض فوائدة بالمصادفة والتبعية ليستفيد بها الشعب
المصري مثل: إنشاء مدرسة الهندسة ومدرسة الحربية ومدرسة الألسن وبناء الترسانة
البحرية وإرسال البعثات إلي فرنسا وبناء الجيش المصري وتأهيل أولاد البلد علي
أعمال القتال المحترفة بالتجنيد في الجيش النظامي، والأهم هو إكساب المقاتل المصري
المقاتل سمعة عالمية لتفوقه علي المرتزقة الجانب في أعمال القتال تحت الظروف
العوامل القاسية التي لا يتحملها غيرهم – وهو الأمر الذي ظهر لا حقا في طلب
إمبراطور فرنسا الدعم العسكري المصري لإخماد ثورة في المكسيك (أيام سعيد باشا) !!!.
وما قام به "محمد
علي" من تعليم وتحديث كان هامشيا غير متجذر وهو الأمر الذي أدي إلي سهولة
انتكاسه وانحداره وعدم استمراره.
1 - فالتعليم أرتكز علي
الأجانب دون مشاركة فعلية حقيقية لأبناء البلاد لتفريخ كوادر مستقبلية تحقق
الاستمرارية.
2 – واختيار صغار السن لفرض
التعليم المتفرنس لم يكن بغرض سهولة التهيئة وقوة الاستيعاب بقدر ما كان لسهولة
قطع "جذورهم" عن أصولهم.
3 – أنعدم التأهيل السياسي
لأبناء الوطن – لعدم وجود مؤسسات سياسية فعلية من أصله – ولقصر تلك الأمور علي العائلة
والمقربين من ترك وأمثالهم في البلاد الأوربية.
4 – إنعدام التأهيل العسكري
الراقي لأبناء الوطن – لقصر عمل المصريين بالجيش علي أعمال الجند التنفيذية وعدم
السماح لهم بالترقية لمقام الضباط. ويلاحظ أن إتاحة الفرصة للمصريين للالتحاق بسلك
الضباط قد تم بناء علي ضغوط من حزب الوفد (لاحقا) وهو الأمر الذي أثمر عن تفريخ
ضباط ثورة يوليو 1952.
والخلاصة ... أنه وكما قلنا،
أن مشروع "محمد علي" لم يكن مصريا وطنيا أو صاحب عقيدة
"إسلامية" وهوية "عربية" بل كان مشروعا شخصيا بدأ تخليقيا
صناعيا منذ بدايات حكمه عام 1805 وصعد إلي قمته في أربعينات القرن التاسع عشر،
ولكنه أنحدر بنهاية محمد علي شخصيا عام 1849م.
أي أنها كانت أقصر
"دورة حياة" مشروع إمبراطوري في التاريخ (Empire
Life Cycle).
أما الأخطر فكان في خضوع "محمد علي" للضغوط الأوربية ومنحه الأمتيازات لرجال
المال والأعمال الأجانب وحرية عمل البعثات التبشيرية التي أثمرت لاحقا عن سقوط
أولاده وأحفاده تحت طائلة الديون والوقوع فرائس سهلة بين أنياب الاستعمار المالي
الأوربي، أما في فلسطين فقد نمت وتوحشت النبتة الطفيلية الصهيونية حتي استولت علي
فلسطين العربية.
وجاء في ميثاق الجمهورية
الأولي عام 1962:
<<إن "محمد
علي" لم يؤمن بالحركة الشعبية المصرية التي مهدت له حكم مصر إلا بوصفها نقطة
وثوب إلي مطامعه، ولقد ساق مصر وشعبها وراءه إلي مغامرات عقيمة استهدفت مصالح
الفرد بتجاهله مصالح الشعب>>.
وأخيرا .. لقد تعامل
"محمد علي" وأسرته مع مصر وشعبها كإقطاعية خاصة ورعايا سبايا، يوضحها
حديث الخديوي "توفيق" إلي "أحمد عرابي" حينما طالبه بإصلاحات
سياسية (إسقاط وزارة رياض باشا، وتشكيل وزارة وطنية، وقيام مجلس نيابي حديث) حين
قال: <<كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا
ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا>>.
نحن الشعب المصري "عبيد الإحسان"
لعائلة جندي ألباني أميا (لم يكن متعلما) بدأ حكمه بمغامرة وانتهت بالخسران
والبهتان كنتيجة مقامرة، وحتى من جاء بعده سلك نفس المسلك وذات المنهج ولكن بثقافة
فرعون وقارون وهامان. ولا نملك أن نقول إلا ما قاله الفلاح المصري الشرقاوي
"أحمد عرابي" في رده علي الخديوي "توفيق": <<لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله
الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم>>
فللحديث
بقية إن كان في العمر بقية
اقرأ
يا عزيزي كلنا في مصر
لاجئون !!