سقوط العولمة في أمريكا اللاتينية

 

 

 

بقلم :منير شفيق

 

جاء انتخاب ايفو موراليس رئيساً لجمهورية بوليفيا ليزيد من عدد الدول الأمريكية اللاتينية التي عبرت شعوبها عن غضبها الشديد من السياسات الامريكية، وما حملته رياح العولمة من خراب اقتصادي، واجتماعي، وفساد فاق كل تصور.

 

في مقالة في الـ«هيرالد تربيون» الأمريكية اعتبرت ان ثلاثمائة مليون من بين ثلاثمائة وخمسة وستين مليوناً من سكان أمريكا اللاتينية اختاروا طريق اليسار من خلال صناديق الاقتراع. طبعاً ما يسمونه «اليسار» ليس اليسار الذي نعرفه أو كانت تعرفه أمريكا اللاتينية بالرغم من انه ما زال موجوداً فيها.

 

ان ما يجري في امريكا اللاتينية هو اتجاه نحو صعود قيادات شعبية تعلن انحيازها للفقراء ورفضها للعولمة الظالمة وتكثر من نقد السياسات الامريكية، فيما اليسار هو في العادة تنظيم نخبوي بعيد من الشعب عملياً، ونادراً ما استطاع ان يخوض معارك انتخابية ناجحة. ولهذا تراه يهاجم الزعماء الشعبيين من امثال هوغو شافير «رئيس فنزويلا» والآن موراليس ومن على يمينها لولا «البرازيل» وكيشنر «الارجنتين»، ويتهمهم بالشعبوية والشعبوية تستخدم للتقليل من قدرهم بدلاً من ان يكون العكس. لماذا الشعبوية؟ لان هؤلاء القادة لا يحملون «نظرية ثورية» (المقصود الماركسية) اي لا يتسمون بالوعي المسبق الذي يهبط على جماهير الشعب بالمظلة (طبعاً ليس الكل مثلا هوتشي منه وماوتسي تونغ وغيرهما) وانما يعبرون عن مطالب شعبية تبدو بسيطة، وبصورة عفوية، ويتحدثون عن الفقراء والمهمشين ومظالم التمييز الاجتماعي وعن الفساد والدكتاتورية وليس عن الطبقات.

 

وبهذه الطريقة هنالك نخب اصلاحية اسلامية في ايران وخارجها اخذت تتحدث عن ظاهرة احمدي نجاد باتهامه بالشعبوية وعدم الوعي والخبرة والحنكة. فخطابه للناس، وقريب من الناس، لكن بالنسبة للنخبة المتعالية عن بسطاء الناس هذا غير مفهوم وخارج عن الاطار تماماً كما يعتبر موراليس وشافيز خارجين عن اطار «النظرية».

 

على ان الاهم هو التقاط هذه الظاهرة العالمية الجديدة الآتية الى الحكم من خلال صناديق الاقتراع، والحاملة معها من الشعارات ما هو اشد في التطبيق العملي من شعارات الثوريين المحترفين. ولا تفسير لهذا الميلان الشعبي غير التحدي السافر للسياسات الامريكية وما تلحقه من مظالم في كل بلد يخضع لها أو تهاجمه.. مظالم اقتصادية وسياسية وثقافية واخلاقية.

 

ثم لا تفسير له غير رفض سياسات العولمة كما تجلت على صورتها الحقيقة في بلدان امريكا اللاتينية التي كانت أول من فتح الأبواب على مصاريعها لمنظمة التجارة العالمية وللشركات متعددة الجنسية وطبقت تعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فاذا اراد احد ان يعرف ما العولمة فلينظر الى ما فعلته في امريكا اللاتينية حيث الاغنياء زادوا غنى «وفحشاً» والفقراء زادوا فقراً واندفاعاً، والفئات الوسطى هبطت الى مستوى العوز بسبب الضرائب والغلاء وتآكل الدخول.

 

ومن هنا تصبح الفوضى على الأبواب، والاحتقان النفسي يدق تلك الأبواب، وصناديق الاقتراع اذا كانت نزيهة ترفع الى الرئاسة الزعماء الشعبيين الذين يدافعون عن قوت الناس وكرامة الوطن وثروات البلاد، أمثال هوغو شافيز وايغو موراليس «المنحدر من الأصول الهندية»، وليسا مع «الشعبويين الديماغوجيين».

 

فهذان القائدان يريدان ان يفعلا شيئاً حقيقياً للشعب لا المتاجرة بالشعارات «الديماغوجية»، لكن الطريق سيكون صعباً جداً بسبب النظام العالمي وموازين قواه الا ان المحاولة جديرة بالنجاح خصوصاً اذا أصبحت الظاهرة الجديدة عالمية اكثر فأكثر.