خدام في خدمة الهجمة الأمريكية على سوريا
بقلم :ياسر الزعاترة
بصرف النظر عن موقفنا
من السلوك السياسي الداخلي للنظام السوري ومطالبتنا الدائمة له بالانفتاح على
الجماهير، فإن موقفنا الطبيعي لن يتجاوز الازدراء لهذا الذي فعله عبد الحليم خدام،
والذي تذكر متأخراً، بل متأخراً جداً أن سوريا دولة أمنية، وأنها مدججة بالفساد،
وأن معظم شعبها يعيش تحت خط الفقر، لكأنه لم يكن واحداً
من أهم أركانها طيلة ثلاثة عقود، فيما يعرف القاصي والداني قصص فساده وفساد أنجاله
وأصهاره!!.
في سياق تحليل دوافع
الرجل يمكن القول إن أطرافاً ربما شجعته على هذه الخطوة من أجل تصعيد الضغوط على
النظام السوري، أكانت عربية لها موقفها المستاء من السياسة السورية في لبنان،
ولاسيما ما يتعلق بقتل الحريري، أم كانت دولية، تحديداً فرنسا التي لجأ إليها،
والتي تنسجم في تحركاتها على هذا الصعيد مع التوجهات الأمريكية.
في ملف الحريري كان الرجل واضحاً باتهام نظام
بلاده بارتكاب الجريمة حتى لو ترك الحسم لنتائج التحقيق، أما الأسوأ فهو تأكيده
على أن عملية كهذه لا يمكن أن تنفذ من دون علم الرئيس، والنتيجة هي اتهام الأسد
شخصياً بالوقوف خلف الجريمة.
هنا تحديداً تكمن
الخطورة، ومن هنا يبدأ الخيط المفضي إلى الدافع الحقيقي خلف خروج خدام على النظام
الذي كان جزءاً أساسياً منه طوال عقود، وفي العموم فإن ما جرى قد يشير إلى
احتمالين؛ يتمثل الأول في وعود فرنسية للرجل تحظى بموافقة أمريكية وتستند إلى
معادلة أن النظام في طريقه إلى الانهيار، وأن البديل هو نظام من ذات العجينة،
بزعامة رجل ينتمي إلى الغالبية السنية، وليس الأقلية العلوية، ويبعد بالضرورة شبح
الحالة الإسلامية التي انفجرت في العراق ويمكن أن تنفجر في سوريا، ربما على نحو
أسوأ. أما الثاني فهو أن خدام هو الذي قرر عرض نفسه كبديل لبشار
الأسد المتورط في قتل الحريري. ويبقى الاحتمال الذي أشرنا إليه ممثلاً في أن من
أوهموه بالحاجة إليه كبديل إنما أرادوا استخدامه في تركيع
النظام.
خلاصة القول هي إنه
إذا لم يكن خدام هو الذي قرر عرض نفسه كبديل، فإن انشقاقه كان لعبة فرنسية لتصعيد
الضغوط على النظام، وربما طبخة للحل نالت أو ستنال لاحقاً الرضا الأمريكي في ظل
غياب البدائل الأخرى، وفي ظل مسلسل الانسجام الفرنسي - الأمريكي في الملف الشرق
أوسطي، وليس غريباً بعد ذلك أن تحظى بدعم عربي من هنا أو هناك بوصفها حلاً مناسباً
للخروج من المأزق الذي قد يهدد الدول العربية الأخرى، وتبقى بالطبع أسئلة كثيرة
تتعلق بالجزء التالي من الصفقة، أعني مفرداتها الأهم بالنسبة للأمريكيين، وعلى
رأسها الموقف من الصراع العربي - الإسرائيلي والموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق،
أما مفردات السياسة الداخلية فلا أهمية لها، وما سيطلب من النظام الجديد لن يتعدى
ديمقراطية ديكور على غرار ما هو معمول به في كثير من الدول العربية الأخرى.
من الواضح أن عبد
الحليم خدام قد استند في رؤيته الانقلابية، أو الإصلاحية بحسب اعتقاده، إلى تقدير
سياسي يشبه التقدير الذي تروجه الجهات التي ربما أقنعته أو استدرجته إلى اتخاذ
الخطوة، إذا لم يكن هو الذي قرر طرح نفسه في سوق التداول السياسي كبديل جاهز لمن
يفكرون في البدائل.
خلاصة ذلك التقدير هي
أن النظام في سبيله إلى الانهيار وأن ما يؤخر «الدفشة» الأخيرة
نحو الهاوية إنما يتمثل في غياب البديل بعد أن أسفرت مغامرات الأمريكان في
أفغانستان عن عودة أمراء الحرب والإسلاميين ذوي اللحى الطويلة على شاكلة سياف ورباني، ولا تسأل عن حصيلة مغامرتهم في العراق، وحيث وضع
البلد رهينة بيد الإيرانيين من جهة والجهاديين من جهة أخرى، فضلاً عن نتائج
الانتخابات في مصر وفلسطين وقبل ذلك في إيران.
نتذكر هنا أن
الإسرائيليين الأكثر اهتماماً بالملف السوري ما يزالون مترددين حيال هذا الملف،
ويميل أكثر سياسييهم إلى التريث في معالجته خشية جلب «المجاهدين» إلى حدود دولتهم،
وهم الذي يرون أشباحهم تطل من لبنان ومن سيناء على نحو يطيّر النوم من العيون.
ما ينبغي أن يقال هنا
هو إن خدام لم يكن موفقاً في خروجه المدوي، ليس من الناحية الأخلاقية فحسب، بل
أيضاً من الناحية السياسية أيضاً، إذ ليس صحيحاً أن النظام في حالة انهيار، وأن
واشنطن تسن أسنانها لمنحه تأشيرة الرحيل، وأن ما يعوقها هو غياب البديل، ذلك أن ما
يجري في طول العالم وعرضه إنما يؤكد أن النظام الأمريكي يعيش لحظات حرجة ومسلسلاً
من الفشل بلا حدود ما زال يضطره إلى تقديم تنازلات للشركاء الدوليين، كما في حالة
فرنسا التي تشير علاقتها القوية مع واشنطن إلى تنازلات من هذه الأخيرة أكثر من أي
شيء آخر.
ما يفعله الرئيس
الإيراني منذ شهور ليس نتاج مغامرات طائشة لزعيم أصولي، بل هو جزء من التحدي
الواضح لإمبراطورية تعاني الفشل على مختلف الأصعدة، وفي العموم فإن سوريا لا تبدو
في ذلك المستوى من الضعف الذي يهدد بزوال قريب للنظام، إذ ما يزال بوسعها الصمود
لوقت طويل حتى لو بدأ مسلسل العقوبات اعتباراً من الغد، وحتى الموقف في لبنان لم
يخرج عن السيطرة، بل على العكس من ذلك يبدو وضعها أفضل من ذي قبل بعد تحولات
العماد عون وتلويحه مع حزب الله بمسار إعادة الانتخابات النيابية كحل لاستعادة
الأغلبية النيابية من تيار المستقبل وجنبلاط.
من هنا يمكن القول إن مراهنة خدام ليست في
مكانها، ولولا شهوة السلطة وربما الانتقام للنفس لكان بوسعه أن يرى الصورة على نحو
مختلف، ولاسيما هو السياسي المحنك وصاحب الرؤى المميزة في الصراع على المنطقة.
نعود إلى التأكيد على
أن ما قلناه لا يغير من قناعتنا بضرورة أن ينفتح النظام السوري على الجماهير
والقوى السياسية، ليس فقط من أجل تمتين الجبهة الداخلية، بل لأن السوريين يستحقون أن
يخرجوا من كابوس الدولة الأمنية التي لم يعد لها مكان في عالمنا المعاصر.