الشرطة المصرية ومنهج العنف!!

 

 

 

 

بقلم :السيد أبو داود

Sayed299@hotmail.com

 

أفاقت القاهرة ومصر كلها صباح الجمعة على اشتباكات دموية بين الشرطة المصرية وسودانيين , نتج عنها مقتل من 23-25 موطنا سودانيا بين شاب وطفل وامرأة، كانوا قد اعتصموا منذ ثلاثة أشهر في ميدان مسجد مصطفى محمود بالمهندسين أمام مفوضية اللاجئين.

 

فالمشكلة إذن ليست مصر طرفا فيها فهي بين مواطنين سودانيين لهم مطالب من مفوضية اللاجئين بمصر، وهي منظمة دولية أراد هؤلاء أن يضغطوا عليها لتوفر لهم ملاجئ آمنة في أوروبا وأمريكا واستراليا.

 

المفوضية تجاهلت مطالب هؤلاء السودانيين الذين تتراوح أعدادهم بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مواطن سوداني، ورأت المفوضية أنه لا حق لهؤلاء [ ومعظمهم من الجنوب] بعد توقيع اتفاقية السلام في السودان .. وخيرتهم بين العودة الطوعية إلى بلادهم أو الاندماج في المجتمع المصري.

المعتصمون رفضوا الوساطة .. وكانوا بالفعل يشكلون منظرا غير حضاري حيث يقيمون إقامة كاملة في أحد الميادين الهامة في العاصمة المصرية.

لكن هل يكون الرد بهذه المجزرة المروعة؟ ألم يكن ممكنا حل تلك الأزمة بغير تلك الطريقة الدموية؟ 

أين إذن حنكة الدولة، أين المفاوضون السياسيون؟ أين منهج احترام حقوق الإنسان واحترام النفس البشرية ؟

 

إن المعتصمين مدنيون أبرياء فيهم النساء والأطفال .. وهم غير مسلحين .. ولم يتصدوا لقوات الأمن المصرية، فلماذا إذن التفكير في هذه المجزرة التي أساءت إلى مصر وإلى سمعة مصر والمصريين في العالمين العربي والإسلامي .. بل في العالم كله.

 

لقد دعت بعض منظمات حقوق الإنسان الى تحقيق مستقل وعاجل في تلك الأحداث , وصفتها منظمة ' هيومن رايتس ووتش ' بالعنيفة والغير إنسانية , وجاء في بيانها : أنه على الإدارة المصرية أن تبادر إلى تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقيقة , وفي تصريح له قال جو ستورك نائب مدير قسم الشرق الأوسط في المنظمة الحقوقية: إن 'الدم لم يجف من فوق الأرصفة حتى بدأت اللائمة تلقى على اللاجئين السودانيين والمهاجرين' فيما حدث , وقال : أنه بالنظر إلى 'السجل الرهيب للشرطة المصرية فإن تحقيقًا مستقلاً بات أمرًا ضروريًا تمامًا لتحديد المسئوليات ومعاقبة المسئولين' ...

 

كما أعربت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام عن أسفها الشديد لمقتل اللاجئين السودانيين وبينهم أطفال على أيدي قوات الأمن المصرية. وقال في بيان له: إن 'موتهم يشكل مأساة فظيعة لا يمكن تبريرها'.

وشجبت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تعامل السلطات المصرية العنيف جدا والغير مبرر مع اللاجئين .. الى غير هؤلاء الذين استنكروا الحادثة ..

 

إن ما حدث هو استهتار مرفوض بأرواح الناس لم يبد له مبرر مقبول حتى الآن سوى أن منهج العنف والضرب والإيذاء هي السمة الغالبة على الشرطة المصرية.

 

 

سلاسل متصلة

 

إن ما حدث من الشرطة المصرية تجاه السودانيين المعتصمين في ميدان مصطفى محمود ليست حادثة منفصلة ولكنها جزئية صغيرة في إطار مبدئي كلي متكامل.

 

فالممارسات الأساسية للشرطة المصرية هي العنف والقتل والتعذيب والصفع.

 

ففي أعقاب تفجيرات طابا في أكتوبر عام 2004 اعتقلت أجهزة الأمن المصرية تعسفياً آلاف الأشخاص وعذبت المعتقلين، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات عديدة في مدينة العريش لأول مرة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وأقارب لهم احتجزتهم السلطات.

 

والثابت أن الشرطة استخدمت الهراوات والصواعق الكهربائية لتفريق المتظاهرين واعتقلت العشرات منهم، ومن بين من جرى اعتقالهم في المظاهرة أعضاء في حزب التجمع اليساري، ونشطاء في جماعات حقوق الإنسان.

 

في هذه المظاهرة ردد نحو 200 سيدة وهن يصرخن ' نريد أطفالنا...ارحموا الصغار.. اليهود لم يفعلوا مثلما فعلتم ' - في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء في أعقاب حرب عام 1967.

 

إن المواطن السيناوي معروف بهدوئه وميله للسلم وعدم ميله للعنف، ولكن تصرفات الشرطة المصرية معه وسجنه وتعذيبه وإرهابه، كل ذلك من شأنه أن يغير نفسية هذا المواطن ويدفعه فعلاً إلى ممارسة العنف كما تشير التحليلات بشأن تفجيرات شرم الشيخ التي وقعت في يوليه 2005.

 

وهكذا فمنهج العنف والبطش والتنكيل الذي تتخذه الشرطة المصرية هو الذي ساعد على نحو كبير على تقوية نوازع الشر والانتقام وسفك الدماء في مصر.

 

وكلنا نذكر وقائع يوم الأربعاء الأسود 25-5-2005 وهو يوم الاستفتاء على تعديل الماد 76 من الدستور.

فهذا اليوم وحده يكفي لإثبات أن منهج العنف هو إستراتيجية وليس خطة لأجهزة الأمن المصرية في مواجهة المدنيين العزل.

ففي هذا اليوم تم ضرب المثقفين المتظاهرين سلميا ضد الاستفتاء .. وتم هتك عرض صحفيات ومحاميات، علنا وأمام كاميرات الصحفيين والمصورين.

لم يفعل المصريون المتظاهرون شيئا ولم يحملوا سلاحا لمواجهة الشرطة ولم يقذفوها بالحجارة ، فقط تظاهروا في هدوء مرددين الشعارات التي في عرف رجل الأمن المصري كبيرة لا يمكن السكوت عليها.

 

وما حدث في الجولة الثالثة من الانتخابات البرلمانية الأخيرة وما حدث قبلها من انتخابات .. يرسخ هذا العنف المستخدم..

 

يكفي أن نقول إن 14 موطنا مدنيا أعزلاً قد قتلوا في هذه الجولة .. لأن التعليمات كانت موجهة للأمن بالتضييق على الناخبين ومنعهم من الوصول إلى لجان الانتخابات. فلما صمموا على القيام بحقهم القانوني والدستوري تم إطلاق النار عليهم وقتلهم مثل الدجاج.

وفي هذه الانتخابات أيضا قام رجال الشرطة بتأجير البلطجية وحراستهم كي يؤدبوا من لا يسمع الكلام.

والأبشع من ذلك أن القضاة تم صفعهم على وجوههم وضربهم من جانب بعض كبار رجال الأمن.

 

هذا بعض من كل .. ولو فتحنا السجل الضخم فلن يكفينا مجلدات ..

يبقى أن نؤكد أن الطالب في كلية الشرطة يتم تعليمه وتدريبه على أن الحل هو العنف والمواجهة والاغتيال والسحل والقتل.