لماذا الإجرام؟

 

 

 

 

بقلم :د محمد يحيى

 

تطالعنا وسائل الإعلام هذه الأيام بشكل يومي عن اكتشاف سجون ومعتقلات سرية في العراق تديرها وزارة الداخلية هناك أو الأمريكان ويجري فيها تعذيب العراقيين من أهل السنّة بأعداد كبيرة تعذيباً وحشياً وبأساليب رهيبة لم تكن معروفة حتى في ظل نظام صدام حسين الذي اتُهم بالقسوة المفرطة والإجرام الفظيع. وطالعتنا بعض القنوات الفضائية بصور مفزعة لتلك الفظائع وذكر أنها تجري حتى في جوار وزارة الداخلية نفسها وذلك رغم نفي باهت وضعيف من جانب الوزارة لتلك الوقائع. وترافق هذه الاكتشافات أنباء متواترة ومن جانب الإعلام الغربي حول سجون سرية وطائرة تديرها أمريكا في بلدان عربية وأوروبية مختلفة وفوق سماواتها. وليس ثمة شك في أن الزبائن الوحيدين لهذه السجون الأرضية والهوائية المتفرقة في الأصقاع سوف يكونون من الإسلاميين المعتقلين لدى الولايات المتحدة وجزء كبير منهم عن طريق الخطف [كما حدث مؤخراً في حالة الألماني المسلم ذي الأصل اللبناني] أو عن طريق التسليم من خلال بلدانهم الأصلية أو بلدان إسلامية أخرى يعتقلون فيها مثل باكستان وأفغانستان وبعض البلدان العربية الأخرى. وإذا كانت الأضواء الإعلامية في الغرب قد سلّطت على قضية سجون المخابرات الأمريكية نظراً لتعلقها بانتهاك المجال الجوي لدول أوروبية غربية كبرى وإنشاء السجون في بلدان أوروبية شرقية تسعى لاكتساب الاعتراف بها كدول ديمقراطية، إلا أن الأضواء لم تسلط بشكل كاف على مأساة العراقيين من أهل السنة ولاسيما فيما يتعلق بتعذيبهم على أيدي السلطات العراقية نفسها سواء من جانب قوى وزارة الداخلية أو الجيش.

 

والواقع إن الأمر لا يقتصر على التعذيب البشع. فهناك الاعتقالات اليومية للعشرات فضلاً عن عمليات الإخفاء والخطف والاغتيال لرموز دينية وعلمية ومهنية من السنّة. ويزداد الأمر غرابة على ضوء ما ينشر [راجع جريدة الأهرام القاهرية مثلاً في 12 ديسمبر 2005] عن أن وزارة الداخلية العراقية أدمجت فيلق بدر في جهازها الأمني لتقوم بعمليات الاعتقال والتعذيب كما أن عناصر إيرانية تشارك فيها بكثافة وحماس [ومعروف أن وزير الداخلية العراقي الحالي إيراني المولد والجنسية] وتشترك هذه القوات والعناصر من فيلق بدر في العمليات القمعية الأمنية التي تقوم بها وزارة الداخلية مع الجيش العراقي ومع ما يسمى بقوات التحالف التي هي أساساً قوات أمريكية.

 

فعلام تدل هذه الصورة العامة؟

 

أخطر ما تدل عليه أننا أمام إجرام صرف ينتهك كل المقدسات وكل مفاهيم حقوق الإنسان أياً كان مصدرها ومضمونها.

 

وهو إجرام لا يوجد مبرر له، إن كان يسوغ العقول بوجود مبررات للإجرام. فليست هناك حالة حرب قائمة في العراق وليست هناك جرائم محددة ترتكب من جانب أطراف محددة واضحة تضم هؤلاء المعتقلين والمعذبين والمغتالين. نحن أمام حالة انتقام وكراهية أمام قسم كبير بأكمله من سكان العراق كل جريمته أنه يرفع راية الإسلام مجردة من الانحرافات المذهبية أو العنصرية أو الطائفية ومرتبطة مع الوطنية العراقية في طابعها العروبي القومي ومطلبها بالاستقلال الوطني والهوية الإسلامية.

 

وبسبب هذا الانتماء الإسلامي العربي والنزعة الوطنية الاستقلالية يدفع سنة العراق العرب الآن أفدح الأثمان ويقعون ضحية عملية إبادة للبشر وتطهير عرقي من جانب أطراف مختلفة بل ويقال إنها متناقضة المصالح [إيران وأمريكا] اتفقت في رؤيتها لتحقيق أهدافها على أن تصل لدرجة إبادة قسم كبير من سكان العراق. فأمريكا تسعى لإيجاد قوى مهيمنة على العراق تكون موالية لها، وتكون مهمومة بالهم الطائفي الضيّق في السيطرة بحيث لا تبالي بقضايا الوطن وقضية الثروة البترولية [اللهم باستثناء الرغبة في الحصول على نصيب منها للطائفة ومراجعها] وقضايا الاستقلال والوقوف في وجه تيار العولمة الذي يسعى لاجتياح العالم العربي والإسلامي.

 

وقد وجدت  أمريكا بغيتها من هذه النواحي في قسم من التيارات والمرجعيات الشيعية كما وجدتها ومعها إسرائيل في الفصائل الكردية العلمانية ذات التوجه العنصري والمستعدة للتحالف مع أمريكا وإسرائيل وخدمة مصالحهما. وإيران تسعى لخدمة مصالح متعددة هي الأخرى من التوسع السياسي والاستراتيجي [والاقتصادي كذلك] القائم على أسس طائفية ومذهبية وعرقية. وهي تريد بهذا التوسع وبشكل نفعي أن تضع أسساً تفيدها في لعبة الشد والجذب المعلنة مع أمريكا والتي تنحصر الآن في إطار موضوع واحد فقط هو ما يسمى بالملف النووي بعد أن كان هذا الشد والجذب يدور في الماضي في إطار أوسع من الفكر والاستراتيجية يتعلق بما ذكر عن رغبة إيران في تصدير الثورة الإسلامية. والواقع أن مصدر الخلاف الأمريكي الإيراني في إطار هذا الملف الضيق يمهد الطريق لمصالحة سهلة بين الفريقين طالما جرت تسويته وهي من المتوقع أن تتم وبسهولة حينما يحين الوقت المناسب للطرفين.

 

وكلا الطرفين [الإيراني والأمريكي] ومعهما الأطراف الطائفية والعرقية العلمانية على الساحة العراقية [الشيعة والأكراد] تلتقي على أن مصالحها الاستراتيجية في الوقت الراهن تمر عبر القمع الشديد والإقصاء للوجود السني العربي الذي يقف في وجه هذه المصالح ومن هنا جاء هذا الإجرام الفريد من نوعه وبشاعته ووقاحته والذي تشارك فيه كل هذه الأطراف وسط سكوت دولي وصمت عالمي يتناقض مع الضجة المثارة في كل مكان حول إقليم دارفور وما قيل حول مقابر جماعية للتيارات المسيحية في لبنان تعود إلى أوائل الثمانينات بل وحتى حول السجون الأمريكية الطائرة والأرضية في أوروبا وبلدان أخرى. والسبب الفاجع وراء هذا الصمت المطبق الذي ران على إبادة السنّة العرب في العراق هو التقاء أوسع نطاقاً من المصالح الدولية والإقليمية حول إقرار هذه الإبادة بما في ذلك الدولة الإقليمية [إيران] التي كان يفترض أن تتخذ من هذه الإبادة ورقة فيما يفترض أنه صراعها الاستراتيجي مع أمريكا.