فريضة "التميز الثقافي " في الإسلام

 

 

 

بقلم:د. يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

إنها العلمانية المشكلة

إنها العلمانية المحلية بالذات

وكما أكدنا في مقالات سابقة  أنها هي الغطاء العصري التنظيري للفشل الذي سموه النهضة ، وللزندقة التي سموها التنوير، ولتزييف الثقافة الذي يسمونه التجديد ، ولمحو الهوية التي يسممونها الحداثة

 

إنها العلمانية في صورتها المحلية التي حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من تشويهاتها

ففي جامع الترمذي بسنده عن عبدِ الله بنِ خَبّابِ بنِ الأَرَثّ عن أَبِيهِ قال: «صَلّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَلاَةَ فَأَطَالَها فقالوا: يا رسولَ الله صَلّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلّيهَا، قال: «أَجَلْ إِنّهَا صَلاَةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، إِنّي سَأَلْتُ الله فِيهَا ثَلاَثاً فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً: سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهلِكُ أُمّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًا مِنْ غَيْرِهِمِ فأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا». قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.

 

وفي سياق  ذلك ظهر التشويه الذي شاع شيوعا كبيرا منذ وقت طويل في أعياد رأس السنة الميلادية حيث اتخذوا منها إجازة رسمية وطنية للمسلمين ، وحيث يهرول المسلمون أو كثير منهم  نحو اقتفاء أثر المسيحيين في الاحتفال بهذه الأعياد، دون أن توجه لهم الدعوة لاستضافتهم من أصحاب الشأن  الذين ربما يكونون أكثر حرصاً على الاستقلال بخصوصياتهم في هذه الاحتفالات ، ويغارون عليها من أمثالنا كما يغار العاشق .

والعجب أن البعض منا يكون في هذه المناسبة أكثر اندفاعا إلى تلك الاحتفالات من مجتمعات أخرى غير إسلامية. فمنذ عدد غير قليل من السنين قررت الحكومة الصينية فرض غرامة على أية هيئة، أو شركة تقيم احتفالا كبيراً بمناسبة رأس السنة الميلادية. وأصدر مجلس الوزراء الصيني قراراً يحذر المكاتب الحكومية من إنفاق مبالغ كبيرة على الهدايا والمآدب في احتفالات رأس السنة، وقررت أنه إذا لم يكن هناك مناص من إقامة احتفال فليكن فنجان شاي لا غير. وفي لندن منذ عدد غير قليل من الأعوام أيضا توقفت معظم الشركات البريطانية عن إقامة حفلات رأس السنة بسبب الركود الاقتصادي ، وأعلنت ربع شركات لندن إلغاء الاحتفال توفيراً للنفقات ، وحتى رسائل الأطفال إلى قرية بابا نويل في إنجلترا انخفضت إلى النصف بسبب سوء الأحوال المالية.

أما في بعض البلاد الإسلامية - مهما يكن فقيراً غارقا في عشرات المليارات من الديون الخارجية - فإن الاحتفال يأتي عادة وقد تطور إلى أرقام قياسية في الاستعدادات والإنفاق والى مئات الملايين من الدولارات.

هكذا نتابع نحن المسلمين الاحتفال بأعياد المسيح ونتخذ منه إجازة رسمية ، ويا للعجب. ومصدر العجب أننا إذ نقتفي آثارهم ونزعم المجاملة لهم فإن المسيح الذي يؤمنون به لا نعرفه - لأنه حسب عقيدتهم إله - والمسيح الذي نؤمن به لا يعرفونه - فهو حسب عقيدتنا بشر نبي - والمسيح عليه الصلاة والسلام في الحالتين يبرأ من كل ما يرتكب باسمه إذ الجميع يحتفلون به بالغناء والرقص والسهر والفجور وشرب الخمور.

ويأتي هديه صلى الله عليه وسلم بتسديد مباشر ضد هذا الاحتفال -  ونحن نسقطه من وعينا تماما - في قوله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر). رواه أبو داود ، والنسائي .

والقضية فيما نود أن نطرحه هنا أكبر من قضية الاحتفال في حد ذاته ، حيث يتلاعب العلمانيون بتهريجهم حول قيمة الموضوع أو أهميته ،  وإنما هي تنفتح لقضية كبرى أعم، هي قضية التغطية العلمانية على تدمير الهوية الإسلامية والتميز الثقافي للشعب المسلم ، ونحن أكثر ما نكون غفلة عن هذه القضية، حتى صرنا أمام مأساة (أن لا نكون) .

هذا بينما يوجد بيننا هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد أسلوب من فقدان الشخصية ويفرض علينا فريضة أهملناها هي : التميز الثقافي

ومن المهم  أن ندرك أن ما تقوم به العلمانية من تشويه للحالة الإسلامية يأتي بتشويش  من ألحان نشاز عن الثقافة والتطور ، مبنية على الجهل بالإسلام والتطور معا

 

أما جهلهم بالإسلام ففي جهلهم بأنه وهو يشرع في بناء عقيدته الشاملة للدين والدنيا والآخرة ،  يستعصي بذاتيته على  الخضوع لثقافة بشرية غريبة ،لأنه  محض أمر من الخالق ، يستظهر فيه عبودية المخلوق ، يريد به  أن ينزل عند أمره ، وأن يسلك مسلك المأمور ،  بالطريقة التي شاءها ربه ، لا بالطريقة التي يشاؤها له فرعون أو اللات أو العزى ، أو عشتروت ، أو صنم من أصنام التطور ، أو وثن من أوثان البيئة ، أو عجل من عجول الثقافة .

 

هذا بينما يوجد بأيدينا هدي الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحذرنا بأخطر لهجة وأشد أسلوب من فقدان الشخصية ويفرض علينا فريضة التميز الثقافي التي أهملناها والتي كان من دلائلها توجيهه صلى الله عليه وسلم - في حس حضاري رفيع – فيما رواه أبو داود وصححه ابن حبان : ( من تشبه بقوم فهو منهم )

وفيما أخرجه أبو يعلى مرفوعاً من حديث ابن مسعود (من رضي عمل قوم كان منهم ) .

– وقوله صلى الله عليه وسلم : (خالفوا المشركين ، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب) رواه الستة

وقوله صلى الله عليه وسلم  فيما رواه الستة أيضا: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)

و فيما رواه الترمذي وأبو داود : ( فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس )

وقوله صلى الله عليه وسلم " صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا " رواه أحمد.

وما رواه مسلم عن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى ! فقال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع . قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.ا

واهتمّ الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب رايةً عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، فذكروا له القنع وهو شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، ،  فذكروا له الناقوس فقال: "هو من فعل النصارى" ، إلى أن أرِي عبد الله بن زيد الأذان في منامه. رواه أبو داود وأصله في الصحيحين.

ولما جاء عمرو بن عنبسة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره عن الصلاة، قال له: " صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار" ، ثم قال: " وصل العصر بعد الفيء ثم أقصِر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطانٍ وحينئذٍ يسجد لها الكفار"  رواه مسلم ، فنهاه النبي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأنه وقت يصلي فيه الكفار.

وروى أبو داود عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: " خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم "

وروى مسلم في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قال: " فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"

وروى أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه أنه قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون"

ومن صحيح  البخاري بسنده عن ابن شهاب قال : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن أبا هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم "  وفي سنن أبي داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود. .

 

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه : كانت اليهود إذا حاضت فيهم المرأة لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي رسول الله عن ذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض ، ولا تقربوهن حتى يطهرن ، لإذغا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين )  البقرة:222. ، فقال : " اصنعوا كل شيء إلا النكاح" ، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم في صحيحه.

 

ولقد جاءت أوامر الشريعة ناهيةً عن كثير مما فيه مشابهة حتى في أخص عبادات المسلمين ومعاملاتهم، و لما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه جالسًا وصلى خلفه الصحابة قيامًا أشار إليهم فقعدوا، فلما سلموا قال: " إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمّوا بأئمتكم"  رواه الإمام مسلم.

وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم سلوكَ سبيل المغضوب عليهم والضالين ، جاء في الصحيحين أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه" ، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟!"

وفي رواية للبخاري جاء قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ"، قيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: " ومن الناس إلا أولئك؟!"

و ما مات الرسول إلا وقد نهى عن كل ما يدعو إلى المشابهة والمماثلة، حتى إنه في مرض موته قال: " لعنة الله على اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"  أخرجاه في الصحيحين

( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ) النساء:89.

وكان من دلائلها تشوقه صلى الله عليه وسلم إلى تغيير القبلة ، واستجاب له ربه فيها بقوله تعالى " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، حيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ،ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ، وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين " البقرة 144

والخروج على هذه الفريضة – فريضة التميز القافي – يتحقق بإهدار هذه  التعاليم في مجموعها كما هو حال المسلمين اليوم في مناخ الهزيمة الحضارية التي وقعوا فيها .

 

ونحن نعلم أن بعض المنهزمين حضاريا  يريدون في أخذهم ببعض مظاهر الثقافة الغربية التبرؤ من تهمة التطرف والإرهاب ، ولكن أنى لهم ذلك بغير الإقلاع جذريا من قواعدهم الإسلامية وفقا لما  أفصحت عنه البارونة كوكس وزميلها جون ماركس في إلصاقهما التطرف والإرهاب بكل مسلم ينظر إلى القرآن باعتباره نصا غير قابل للتطوير ؟  في كتابهما " الإسلام والإسلاموية: ؟ " حيث يبدأ الكتاب كما يقدمه الدكتور عزام التميمي بديباجة من التعريفات للتمييز بين المسلم المقبول والمسلم المرفوض من وجهة نظر المؤلفين . حيث يصر المؤلفان علي أن الغالبية العظمي من المسلمين هم مواطنون مسالمون ومتقيدون بالقوانين، ولا مشكلة مع هؤلاء علي الإطلاق. إنما المشكلة في رأيهما  مع المسلمين المؤدلجين، المتطرفين ، ممن يسمون بالإسلاميين ، وهم  أولئك القلة من المسلمين الذين يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى في كافة شؤون حياتهم. (!!)

ومما تستدل به البارونة وزميلها  جزء من خطاب كان قد ألقاه كبير أساقفة يورك السابق جون هابغود حول صعوبة الحوار والتفاهم مع المسلمين يقول فيه : " نظراً لأن القرآن في نظر المسلمين فوق النقد والمساءلة، فان ذلك يزيد من تعقيد المشكلة. فالقوة الداخلية للإسلام تتشكل علي حساب عدم القدرة علي إعادة النظر في مبادئه وقواعده. "

إن المسلمين أولئك الذي جاء وصفهم في صريح كلام البارونة كوكس بأنهم " الذين يعتقدون بأن القرآن وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويقرون بأن الشريعة الإسلامية هي مرجعهم الأعلى في كافة شؤون حياتهم. " ليسوا هم القلة – كما تزعم البارونة مع كثرتها من الأغبياء والجهلة وذوي الأغراض المبيتة ولكنهم عموم المسلمين الذين يصطدم بهم الغرب في كتلتهم المليارية الممتدة على أفق الشرق والغرب  .

وكما يقول الدكتور عزام ( إن القارئ لا يجد صعوبة في اكتشاف أن جل ما في الكتاب من نقد إنما هو هجوم مركز ـ مع سبق الإصرار والترصد ـ علي الإسلام نفسه.)

 

فهل يستغرب القارئ إن سحبنا هذا التصور على المشاركة في أعياد الميلاد  ؟ بكونها خطوة متقدمة في تغيير جوهري يصبح الإسلام بعده مقبولا عند البارونة كوكس والبارونه ودود رضي الشيطان عنهما ؟؟!

يقول العلماء: إذا تشبه المسلم بالكافر واعتقد أنه بذلك يكون مثله فقد كفر، أما إذا لم يعتقد ذلك فالصحيح أنه لا يكفر، ولكن يؤدب.

والخطر الذي يهدد الشخصية الإسلامية ليس في كل مسألة من مسائل هذا الانمياع في الشخصية الغربية أو المسيحية على حدة ، ،  إنه ليس في مسألة الملبس أو اللحية أو الأعياد كل منها على حدة، كما يحلو للمدافعين عن مثل هذا السلوك أن يناقشوا الموضوع ليجوز لهم بعد ذلك أن يبرروا أو يهونوا من الأمر...

ولكن الخطر هو أن مثل هذا الاحتفال يأتي ضمن عملية علمانية شاملة تجري على قدم وساق، بأساليب الغزو الثقافي ، منذ وقت طويل ، وحذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم منذ وقت طويل أيضا.

 

وفي هذا السياق  الذي أحرز فيه العلمانيون نجاحا ظاهرا  - كنا ذكرنا في مقالات سابقة ولا نمل التكرار - إشاعة أكذوبة "الأديان الثلاثة السماوية " هكذا بغير تفرقة بين معنى الدين وهو من الله واحد غير متعدد ، ومعنى الرسالة وهي متعددة بتعدد المرسلين

وقد ترتب على هذه الأكذوبة تشويهات كثيرة ، منها ما وصل في المقابل إلى طرح مصطلح : " تعددية النجاة " في ذيل " تعددية الأديان الثلاثة السماوية " ووضعنا من ثم في تصور مغلوط عن دين الإسلام  حيث يجري تكييف العلاقة بين الإسلام وبين الأديان الكتابية - في زحمة الكلام عن التعددية - على أساس التسوية بينها وبين الإسلام في النجاة يوم القيامة، ويسوي بين الولي هنا والقديس هناك ، وأصبح يوحي بعدم جواز وصف الكافر بالكفر وإن أعلن ، مع خلط مستنكر بين  التكفير والمحاربة ،  بدعوى السلام والوحدة الوطنية ، والوحدة الوطنية أو السلام لم يكن يوماً في حاجة لهذا التزييف ،وهو أمر خطير يقول فيه أبو حنيفة رضي الله عنه " من قال لا أعرف الكافر كافرا فقد كفر " والله سبحانه وتعالى يخاطب من يقول لهم : " لكم دينكم ولي دين " ..  بتصدير قوله تعالى " يا أيها الكافرون ".

يقول بعض المعلقين مستنكرا :  لم نعد نسمع كلمة مسيحي ومسلم وبدأنا نسمع كلمة مسلم وكافر!!) ونحن نقول له : كلاهما يقال يا سيدي ، وكلاهما صحيح ، وما الغرابة في ذلك ؟ وما هي عقيدة المسيحي إذن في محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؟ وما هي عقيدته في القرآن ؟ وبقدر ما تكون الصحة في ذلك تكون في قول المسيحي عن المسلم إنه كافر ، نعم أنا كافر بالصلب ، وكافر بالتثليث ، وكافر بألوهية عيسى ، وإذا قالها عني المسيحي فإنه لا يؤذيني ، نعم يؤذيني أن يصفني مسلم بالكفر ، ولكن لا يؤذيني أن يصفني المسيحي به ، فهو الضابط لي أنني على الإسلام ، وهو الضابط له أنه على المسيحية ، وهو خلاف في الوصف نابع من الواقع كما هو الأمر بين المسيحي واليهودي ، وبين الشيوعي والرأسمالي ، والديموقراطي والديكتاتوري ، و المصري والأمريكي ، وصاحب مذهب وصاحب مذهب آخر ، فكل منهما ليس هو الآخر، وهو خلاف لم يكن ونرجو ألا يكون مما يفسد للود قضية ، وهكذا كان البر بين الأجيال السابقة من أتباع كل من الدينين ، وهو ما نرجو أن يستمر ، ولا يهدده شيء كما يهدده الضغط على الحدود القاطعة المميزة بين الدينين ، هذا ما لمسناه بين جيل الآباء والأجداد ، ولقد كانت الصداقة تجرى مجراها بين الطرفين   ولم يمنع ذلك أن  يقول أحدهما للآخر : "  أستخسرك أن تكون من أهل النار " في بر وبسمة وحنو وأمل ، وهو البر الذي أشار إليه القرآن عن بعض أهل الكتاب ، " لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) بشرط ألا يكون مناقضا لوصفه لبعض أهل الكتاب بالكفر في آيات كثر ، والمشكلة إذن فيمن يستنكر هذه المكاشفة  أو يستغربها أو يأخذها على غير وجهها ، ومـِن أخـذها على غير وجهها توهـُم أنها تعني شقا للوحدة الوطنية ، وما أحسب أن الوحدة الوطنية يفيدها أن تقوم على مجاملة يعرف الطرفان أنها غير صادقة في أمر العقيدة

أما إذا كان تبادل الوصف بالكفر يأتي على سبيل التشاتم فهو مالا يسمح به الفقه الإسلامي ويجعل فيه عقابا تعزيريا واجبا على من ينطق به ، وانظر في ذلك كتب الفقه المعتمدة ومنها كتاب " الأشباه والنظائر " للعلامة ابن نجيم من أئمة الحنفية

 

إن مقاومة  حملة الغزو الثقافي نتفة نتفة أشبه بمقاومة هجمة سبع  شرس مرة بالتعامل مع لبدته ، ومرة بالتعامل مع نظرة عينه اليسرى ، ومرة بالتعامل مع ظفر من أظفارمخلبه الأيمن وهكذا

لابد من مواجهة عليمة بحقيقة الغزو وأطواره وأهدافه ضمن خطة شاملة  ..

والله أعلم