الإنتخابات اللبنانية والشائعات الأميركية
بقلم :د.محمد احمد النابلسي*
إنطلق التدخل الأميركي في الشؤون اللبنانية
الداخلية مبكراً. وبلغ التداول الإعلامي أشده عقب سجال كرامي – فيلتمان. فإذا ما
جاء إغتيال الحريري تحولت السفارة الأميركية الى مركز للتحكم بردود الفعل وتوظيفها
لخدمة التوجهات الأميركية في لبنان.
أول أخطاء هذا التحكم
الأميركي كان خطأ التبسيط والإستسهال. فقد إعتمدوا مبدأهم الظواهري فقسموا الشعب
اللبناني الى مجموعتين إفتراضيتين: الموالاة والمعارضة. وذلك يشبه تقسيم
الأميركيين بين ديمقراطيين وجمهوريين. وهم بذلك كرروا أخطاء جهلهم لثقافة المنطقة.
فلبنان بلد لا تزال ترتكب فيه جرائم الشرف والثأر. وهو بالتالي عصي على التقسيم
الظواهري.
الآن وقد خرجت القوات السورية من لبنان
يمكننا مناقشة الوضع بعيداً عن ضغوط السيطرة الإعلامية والتهم الجاهزة. وأن نعتمد
الموضوعية العلمية في هذه المناقشة في وجود إمكانية تلقي الردود التي بلغ بعضها
حدود التفلت الأخلاقي.
نبدأ بالتأكيد على أن المواقف اللبنانية ،
والعربية إجمالاً، من أميركا هي مواقف عقائدية. ويطغى العداء على هذه المشاعر
لقائمة من الأسباب والمبررات العقائدية الصرفة. بدءاً بالدعم الاميركي التاريخي
لاسرائيل المقترن بعداء مماثل للعرب تضاف اليه مواقف عنصرية وإبتزاز نفطي وحصارات
اقتصادية جالبة للفقر العربي. وصولاً للإعلان عن الإسلام كعدو حضاري لأميركا
وللغرب عموماً.
أما الموقف من سوريا فهو موقف بعيد عن اية
عقائدية. فهو يتراوح ما بين العتب وبين الرغبة في الحفاظ على المكاسب من سوريا مع
تخفيض او حتى الغاء المقابل لهذه الخدمات. والامثلة على ذلك اكثر من ان تحصر. فقد
تحول احد النواب الى المعارضة فور ابلاغه بعدم وجود مكان له في لائحة الموالاة. وبقي
احدهم يساوم على انضمامه للمعارضة لغاية ما قبل مظاهرة الثلاثاء. وتحمس عديدون
لهذه المعارضة باعتبارها خطوة على طريق قصر بعبدا. فهل نكتفي بهذا القدر من
الأمثلة كي ندرك كارثة المعارضة بفقدان العدو؟.
ماذا يبقى اذاً كي تتفجر المعارضة من داخلها؟.
هل هو إنتظار تفجر الأحقاد التاريخية والصراعات الدموية السابقة بين فرقائها؟. أم
عودة التراشق بتهم الضعف وإنعدام التمثيل الشعبي؟. أم فقدان التمويل السخي
لهيستيريا الفولارات وبعض الكلام البذيء الذي تخللها؟. بل هل يدرك معظم المعارضون
المتورمون الخطورة التي تمثلها عودة عون وجعجع الى الساحة السياسية؟. وهل يفكرون
بمعارضة احدهم وموالاة الآخر.
الوجه الثاني للشائعة
الافتراضية كان اقامة تجمع طائفي من الموارنة والسنة والدروز في مواجهة الشيعة. والمسألة
تخاطب احقاداً تاريخية وتسعى لتفجيرها. لكن التناقض داخل الفريق الاول والعداء
العائلي داخل اطرافه يكفيان لتحويل هذه النية المذهبية الى الشلل. فالخلافات داخل
الطائفة المارونية متفجرة بخطورة. اما على الجانب السني فقد كانت خسارة الحريري
كبيرة لكن معظم الطائفة ردعت عن المشاركة في جنازته أو حتى في الحزن على فقدانه. فهل
كان منطقياً إستبعاد وجوه الطائفة السنية عن تصدر الجنازة والعزاء لحساب من ظهر
فيهما؟. وهل يمكن للسنة أن يعتبروا أنفسهم معنيون بمثل هذه التركيبة ومثل هذا
الإستبعاد والتجاهل؟. وهل تقبل الطائفة السنية مجرد فكرة الصدام مع الشيعة ولحساب
من وعلى حساب من؟. هل يبدو الزعيم السني كرامي مستعداً لمجرد التفكير في السكوت
على ايحاء يضر بحزب الله؟ وهل يظهر الزعيم السني الثاني الحص أقل وطنية وحماسة؟. فمن
هم أولئك السنة الذين تحالفوا مع تلك المعارضة الإفتراضية؟.
نتفهم لوعة الفقدان لدى عائلة الرئيس
الحريري دون ان نفهم محاولتهم الظهور كطرف سني وحيد في الساحة السنية. وهذا التفرد
غير موجود في اية طائفة لبنانية أخرى. إذ يقتسم حزب الله مع حركة أمل وأطراف أخرى
تمثيل الطائفة الشيعية. وتتوزع جهات عديدة التمثيل الماروني والدرزي والارثوذوكسي.
وإقتسام التمثيل هو سيرورة ديمقراطية فلماذا حرمان الطائفة السنية منها؟. ولماذا
الإستقواء بما تيسر من جهات داعمة لتكريس هذا التفرد. ومعه دفع الطائفة الى مواقع
شديدة الخطورة. ولقد سكتت الطائفة منذ إغتيال الحريري على هذه التوجهات إحتراماً
لمشاعر العائلة. أما وقد بدأت العائلة حصر الإرث الحريري وبدأت تختلف حوله
وتتقاسمه مع تياره الانتخابي فإن ذلك يسمح لنا بمناقشة الورثة حول مصلحة السنة في
لبنان. وهذه المناقشة لا يمكنها أن تكون متوازنة بسبب السيطرة التامة على وسائل
الإعلام اللبنانية. التي تتجنب عرض مناقشة من هذا النوع إما بسبب الشيكات التي
تتلقاها أو بسبب أطماعها المعارضة أو مراعاة لآل الحريري وتجنباً لإثارة حساسيتهم.
رغم هذا الحصار الإعلامي الخانق فإن
للطائفة مصالحها الآنية والمستقبلية. كما أن لها الحق في إنتاج زعاماتها البديلة
كي لا تتكرر قصة الفراغ التالي لإغتيال الحريري. حيث جاء الرئيس كرامي بعد إقصاء
معلوم الدوافع والاسباب لأكثر من اثني عشر عاماً. اما البديل الاخر ( الرئيس الحص)
فهو فقد مقعده النيابي للاسباب والدوافع نفسها. فهل يطلب من الطائفة الإنقياد وراء
قرارات التوريث الصادرة عن آل الحريري والجهات الداعمة لهم؟. خاصة وأن السياق
السياسي الراهن يقود الطائفة الى مواقف غير محمودة العواقب ومرفوضة من قبل
الغالبية العظمى من أبناء الطائفة. والبقية سوف ترفضها لاحقاً بعد تكشف أبعادها
وإنعكاساتها. ومن هذه المواقف المرفوضة نذكر:
1. قيادة موقف العداء لسوريا وهي العمق
الطبيعي للطائفة ولعروبتها.
2. الدخول في تحالف مظاهرات مع طوائف متعددة
ضد الطائفة الشيعية. وهي مواجهة لا يسعى اليها السنة اللبنانيون ولا الشيعة. خاصة
بعد ما نشهده من جهود مخابراتية اميركية لتفجير هذا الصراع في العراق كما في سائر
الدول العربية والاسلامية.
3. تفريغ الزعامات السنية ومحاولة استبدالها
بموظفين من التكنوقراط الذين ينفذون الاوامر دون معرفة بعلم السياسة ودون ملكية
القدرة على التحول الى سياسيين.
4. تحويل جمهور الطائفة الى نوع من الارتزاق
السياسي. بحيث يدفع هذا الجمهور نحو انتظار صدقات ورثة التيار.
5. استبعاد نسبة كبيرة من السنة عن جنازة
الحريري والتعازي التالية لها. وذلك باستبعاد آل الحريري لمعظم الزعامات السنية
وبالتالي لأنصار هذه الزعامات. وتمت الاستعاضة عن هؤلاء السنة بتلوينات طائفية
أخرى تحت شعار معاداة سوريا والسوريين.
6. رفض العديدون من السنة المشاركة في الحزن
على الحريري بسبب الطقوس التي مورست حول الضريح والتي نتجنب ذكرها احتراما لذكرى
الراحل.
7. يحاول تيار ورثة الحريري الاستئثار بزعامة
الطائفة عن طريق تعجيل اجراء الانتخابات في اجواء الحشد الاعلامي والايحاءات
النفسية المكثفة والتلويح باتهام بقية السنة بالمشاركة في اغتياله. فهل يجوز مثل
هذا الإستغلال ومعه الإصرار على اجراء الانتخابات تحت ضغوط التهم غير المسندة؟.
8. كيف يمكن للطائفة ان تقبل مثل هذه
الاتهامات الظالمة والتشكيك المعيب بزعاماتها وبشيوخها وغالبيتهم تخطوا السبعينيات.
فمتى ينوي ورثة الحريري وداعميهم الإعتذار لهذه الزعامات ؟.
9. كيف يمكن للطائفة السنية ان تقبل ابدال
زعاماتها التاريخية بالزعامات الطارئة والهامشية التي يطرحها تيار الورثة. حيث
نكتفي بدعوة جمهور الطائفة لمراجعة مواقف وتصريحات وبذاءات واخلاقيات هؤلاء
البدلاء كي يرفضهم. فهل يراجع الورثة سلوكيات بدلائهم؟.
اخيراً نقول وبوضوح كلي بان خسارة الطائفة
كانت كبيرة بفقدان الحريري. لكن الحزن لا يعني الانقياد وراء المشاعر السلبية التي
يسعى ابعض لتكريسها. فالسنة اللبنانيون لا يرغبون في خوض حرب مذهبية ضد الشيعة. وهم
لن يبدأوها مهما بلغ حجم الضغوط والاموال المغدقة تحت عنوان تمويل المظاهرات
والانتخابات وغيرهما. وذلك يشمل المستفيدون من تقديمات التيار وأمواله وترشيحاته
وغيرها. إن الطائفة ترفض قطعاً مثل هذا الصدام حتى لو تعرضت للإبتزاز الإنتخابي
ولتهديدات المال السياسي والتدخل الخارجي الدافع نحو هذا الصدام. ومن يرغب فيه
فليبدأه في بلاده. فنحن في لبنان لانريد تحويل بلدنا الى إحتراب أهلي أو الى عراق
آخر يحارب الشيعة لصالح دول أخرى لتتم إبادته وشعبه لاحقاً بعد أن إستنفذ دوره.
----------------------------------------
*رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية