كي تظل البوصلة في الاتجاه الصحيح

 

 

بقلم : عاطف الجولاني

 

لا يجد المدافعون عن حق المقاومة في فلسطين والعراق في خوض مواجهة مفتوحة بكافة أشكالها ضد قوات الاحتلال صعوبة في الدفاع عن هذه القناعة وعن تبنيها ودعمها، بل إن الآخرين هم الذين يقعون تحت طائلة الحرج حين يحاولون الدفاع عن رفضهم لحق الشعوب المحتلة في مواجهة محتليها الغاصبين. لكن الصورة تصبح مختلفة تماما حين يتعلق الأمر بعمليات تنفّذ في هذه العاصمة العربية أو تلك، ضد سواح أو رعايا أجانب.

 

الحديث ليس عن نوايا منفذي تلك الهجمات، فأمر النوايا موكول إلى الله، بل إن ما هو مرجّح أنهم ينطلقون من نوايا سليمة. لكن المشكلة في صوابية الفعل وصحته، وفي التقدير السياسي للنتائج والتبعات.

 

فما حصل خلال الشهور الماضية في قطر والكويت والسعودية ودول أخرى، وما حصل قبل ثلاثة أيام في مصر، لو تمت دراسة نتائجه وانعكاساته، لوجدناها سلبية على أكثر من صعيد.

 

فهي تضعف القدرة المحدودة للحكومات والأنظمة الرسمية على الممانعة ومواجهة الضغوط الخارجية، وتتيح لها التجاوب بصورة أكبر مع تلك الضغوط، والتساوق مع الحملة الأمريكية لمكافحة "الإرهاب"، وتوّفر للحكومات مبررات قوية لتشديد قبضتها الأمنية، ولتضييق مساحات الحرية وهوامشها المخنوقة أصلا، بمبرر الحفاظ على الأمن، وملاحقة "الإرهابيين"، وإحباط عملياتهم قبل وقوعها. وهو ما يلحق الضرر بكل النشطين في مجال العمل الإسلامي، الذين يدفعون ثمن تلك العمليات بصور وأشكال شتى؛ من ملاحقات، واعتقالات، وحصار لنشاطهم، وتضييق على عمل مؤسساتهم.

 

صحيح أن الواقع الرسمي العربي لا يسرّ صديقا ولا يغيظ عدوا من حيث التعاون مع القوى المعادية للأمة، ومن حيث أن القمع والقهر هي اللغة السائدة في كثير من الدول العربية، وصحيح كذلك أن الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي لفلسطين والعراق وما يتعرض له الشعبان العراقي والفلسطيني من ممارسات وحشية يثير الغضب في النفوس ويجعل الدماء تغلي في العروق، لكن ما هو صحيح أيضا أن البوصلة يجب أن لا تضلّ الطريق، وأن لا تتوجه إلا في الاتجاه الصحيح.

 

فأي فعل لا تدرس عواقبه ونتائجه الآنية وبعيدة المدى، يغدو خبط عشواء، ضرره أكبر من نفعه. وأي فعل سياسي أو ميداني لا يوزن باعتبار صوابية الفعل ومشروعيته، ولا يحسب بقياس آثاره وانعكاساته على المنفّذ وعلى المجتمع، يخرج عن حدود المعقول والمقبول، بل يخرج حتى عن حدود ما يمكن السكوت عليه.

 

ونحن نقول ذلك، لا نغفل أن ثمة من يحيك المؤامرات في الخفاء، ولا يغيب عن بالنا أن ثمة أعداء خارجيين لا يتورعون عن تنفيذ بعض العمليات والتفجيرات ومن ثمّ يلصقونها قصدا بأطراف إسلامية أو مقاومة، لتشويه صورة المقاومين الأصلاء، وتأليب الجماهير ضدهم. ندرك ذلك كله، لكن ندرك معه أن هناك من أصحاب النوايا السليمة من يخطئون التقدير.