مجاهدون.. أم دعاة؟
بقلم :د. محمد الكبيسي
الدعوة واجب والجهاد واجب كالصلاة والصوم
يسود الأوساط الاسلامية اليوم نوعان من الخطاب، يعتمد الأول مبدأ
"اللين والتسامح" بينما يعتمد الثاني مبدأ"المواجهة والقوة".
وقد ترك هذا التنوع تشويشا وارباكا عند المتلقي في نظرته الى الاسلام نفسه، لا
سيما حين يدعم كل فريق وجهة نظره بعشرات الأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة اضافة
الى متطلبات الواقع وضرورة المرحلة.
ولو كان كل فريق يعمل في ساحة غير الساحة التي يعمل فيها الفريق الآخر
"زمانا أو مكانا" لأمكن رد هذا الخلاف الى قاعدة "لا ينكر تغير
الأحكام بتغير الزمان والمكان" لكن الواقع أن هذا التنوع موجود في الساحة
الواحدة، بل من المفارقات الغريبة أن تجد جماعة اسلامية تعيش في بلد مستقر لم
يتعرض للعدوان تجعل شعارها "السيف أو البندقية" وتربي أتباعها على
أدبيات "الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" في حين تجد
جماعة أخرى في بلد محتل تجعل شعارها"سعفة النخل أو غصن الزيتون" وتربي
أتباعها بأدبيات "لا نثور ولا نثير ولا نستثار"! وهذا دليل على أن هذا
التنوع ليس تنوعا في الخطاب ولا بحسب ما يقتضيه الحال وانما هو تنوع في الثقافات
و"الايديولوجيات" وقراءات مختلفة لنصوص الاسلام ومناهجه، وهنا لا بد من
"قراءة تحليلية" تعيننا على فرز المواقف وتوضيح الصورة: يستشهد أصحاب
التوجه الأول بجملة من الأدلة الشرعية والمعطيات الواقعية ومنها
1- قوله تعالى "ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم
بالتي هي أحسن"(النحل:125)، وقوله تعالى "ولا تجادلوا أهل الكتاب الا
بالتي هي أحسن"(العنكبوت:46)، بل ان الله قال لموسى وهارون "اذهبا الى
فرعون انه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى"(طه:43-44)، فاذا كان
الله يأمرنا أن نخاطب "فرعون" باللين فكيف بغير فرعون؟
2- ان "تحسين صورة الاسلام" أصبح الآن ضرورة للحفاظ على
"الجاليات الاسلامية في الغرب" بل ولإنجاح مشاريع الدعوة هناك ولكسب
التأييد الشعبي لقضايانا العربية والاسلامية، وعلى هذا يوجه الكثير ممن يتبنون هذا
الموقف لوما شديدا لـ"المجاهديـن" لأنهم يشوهون صورة الاسلام والمسلمين
في نظر الغرب ويعرقلون مشاريع "الدعاة".
بينما يستشهد أصحاب التوجه الثاني بأدلة مقابلة ومنها:
1- قوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون
به عدو الله وعدوكم"(الأنفال:60)، وقوله تعالى "يا أيها النبي جاهد
الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" (التوبة:73) فها هو الله سبحانه يأمرنا
بالقوة والغلظة، بل انه سبحانه تعالى قال في أبي لهب "تبت يدا أبي لهب
وتب"(اللهب:1)، وأبو لهب لم يغتصب البلاد ولم ينتهك الأعراض فكيف بهؤلاء
الذين حاربونا في في ديننا وأهلنا ومالنا؟!
2- ان واقع الأمة وهي تتعرض لعدوان شامل يستهدف دينها ومالها وأرضها
وسماءها ليتطلب ثقافة تعبوية وخطابا يجمع صفها ويرفع معنوياتها لتنتقل من حال
الذيلية والتبعية الى حالة الصمود والمواجهة وأن نشر خطاب "اللين
والتسامح" في مثل هذه الحال يشعر الأمة بالخدر الكاذب ويساهم في تعميق حالة
الاحباط والوهن، أما "تحسين صـــــورة الاسلام" فهي لا تعدو في نظر
هؤلاء الا محاولة لـ"لتحسين صورة الضحية" في نظر جلاديها!! وأما الطمع
في أن هؤلاء سيرضون عنا حينما نقبّل أكفهم الملطخة بدمائنا فيكفي للرد عليه قوله
تعالى "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"(البقرة:120).
ان هذا النمط من الاستدلال "الانتقائي" لكلا الفريقين يعقد
الأزمة ويزيد من حالة الغبش والضبابية عند المتلقي البسيط، وهو يتساءل ببراءة عن
الاسلام الذي أنزله الله ورضيه لنا دينا كيف يأمرنا أن نلين مع فرعون وأن نشتم أبا
لهب؟! وكيف نجادل الكافرين بالتي هي أحسن ونعد لهم ما استطعنا من قوة؟! وما زلت
أذكر يوم صعد أحد الخطباء فـقارن بين سيدنا محمد وسيدنا نوح عليهما السلام فقال:
ان محمدا لم يدع على قومه رغم أنهم آذوه وقتلوا أصحابه بل كان يدعو لهم بقوله
"اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون"(مسلم 2/108)، أما نوح فانه دعا على
قومه بقوله "رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا"(نوح:62)، فقال لي
أحد الحضور: كيف يختلفان وهما مرسلان من الله؟ والله يقول "فبهداهم
اقتده"(الأنعام:90)؟! فقلت: أنت أفقه من خطيبنا! ان محمدا دعا على قومه في بعض
الأحوال كما دعا نوح، وصبر عليهم في بعض الأحوال كما صبر نوح، فقد ورد عن النبي
محمد صلى الله عليه وسلم قوله: "اللهم أشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم
سنين كسنين يوسف"(صحيح البخاري 3206)، وفي مسلم "اللهم عليك بأبي جهل بن
هشام وعتبة بن ربيعة.."(السراج /7/116)، وعند ابن كثير "اللهم هذه قريش
قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم أحنهم
الغداة"(التفسير2/316).
ان القراءة التجزيئية لخدمة الأحكام والتصورات والمواقف المسبقة في هذا
الموضوع وغيره هي التي شوهت حقيقة الاسلام وعمقت الهوّة بين مختلف الجماعات
والتيارات الاسلامية، وقسمتهم الى"معتدلين" و"متشددين"
أو"دعاة" و"مجاهدين" مع أن التشدد في الحق هو اعتدال، وأن
الدعوة الى الاسلام هي دعوة الى الجهاد لأن الجهاد هو من الاسلام، وبالتالي فكل
هذه التقسيمات تقسيمات غير شرعية، وكل الذي نحتاجه أن نقرأ اسلامنا قراءة منهجية
تحليلية بعيدة عن الأهواء الشخصية والميول الحزبية، ولننظر الآن في هذه النقاط
التي ربما تعيننا في فهم الصورة الحقيقية التي يريدها الاسلام:
1- ان النصوص التي نراها لأول وهلة متعارضة في مدلولاتها هي ليست كذلك في
حقيقة الأمر، كيف والله تعالى يقول"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم
خبير"(هود:1)، ويقول "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"(النساء:82)، واذا تدبرنا القرآن فسنجد أن هذه
الآيات ما جاءت لتعمل كلها في ميدان واحد، فان "ميدان الجهاد" يختلف عن
"ميدان الدعوة" والاسلام شرّع لكل ميدان ما يناسبه، فالدعوة تهدف الى
الاقناع والجهاد يهدف الى دحر العدو، ولكي تقنع الآخر عليك أن تتسلح باللين
والحكمة وسعة الصدر، بينما اذا أردت أن تدحر عدوك فانك تحتاج الى القوة والغلظة
والشدة وحتى في الدعاء فليس من المعقول أن تذهب لمناقشة الآخر وأنت تدعو عليه، كما
أنه ليس من المعقول أيضا أن تلقى عدوك في ساحة القتال وأنت تدعو له بالرحمة!! وهذا
ما يفسر لنا التعارض الظاهري بين الكثير من النصوص الواردة في هذا المجال.
2- ان سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر لنا هذه النصوص تفسيرا عمليا
كما قال الله تعالى "وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزّل اليهم ولعلهم
يتفكرون"(النحل:44)، والرسول كان "داعيا ومجاهدا"، والصحابة الذين
كانوا معه رضي الله عنهم كانوا أيضا"دعاة ومجاهدين" ولم ينقسموا الى حزبين
أو مجموعتين تغلب احداهما "الدعوة" وتغلب الثانية "الجهاد"!!
3- واذا كانت الدعوة واجبة والجهاد واجبا ولا يمكن الجمع بينهما في ساحة
واحدة لأن الأولى تتطلب اللين والثاني يتطلب الشدة، فان من واجب المسلم أن يعرف
الساحة التي كلفه الله بالوقوف بها الآن لكي يستنزل النصوص التي تناسبه في ساحته
هو، وهذا في الاسلام لم يترك للميول والأهواء وانما هناك كثير من النصوص جاءت
لتحدد الساحة التي ينبغي أن نكون فيها؛ وعلى سبيل المثال لنأخذ هذا النص القرآني
"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن
تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في
الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم
الظالمون"(الممتحنة:8-9)، فهذه الآية قسمت الآخرين من غير المسلمين الى
صنفين: معتدين وغير معتدين، فالمعتدون لا يجوز للمسلم أن يبرهم أو يواصلهم،
والقاعدة التي تحكم علاقتنا بهم هي المقاومة ورد العدوان، أما غير المعتدين فهؤلاء
نصلهم ونحاورهم وندعوهم للخير، فالقضية اذن ليست اجتهادية ولا اختيارية.
4- وبما أن المسلمين أمة واحدة "ان هذه أمتكم أمة واحدة"(الأنبياء:92)
فالعدوان على أي جزء منها عدوان عليها جميعا، فلا يصح أن ننظر للصهاينة على أنهم
معتدون على الفلسطينيين، أو أن الأمريكان معتدون على العراقيين بل ان الصهاينة
والأمريكان معتدون على كل من يقول لا اله الا الله محمد رسول الله في أي بقعة من
العالم، وما لم يكن هذا الشعور موجودا في قلوب المسلمين اليوم فان خللا كبيرا قد
تسرب الى الآصرة الايمانية العظيمة التي تجمع المسلمين وهي عقيدة الولاء والبراء
لتحل محلها حدود وهمية ومصالح آنية لم تقدم لنا شيئا في الدنيا ولن تبرئ ذمتنا في
الآخرة.
5- واذا عرف المسلمون منهجية الاسلام هذه فلن يكون هناك مسلمون متشددون
وآخرون معتدلون، كما لن يكون هناك مسلمون "دعاة" وآخرون
"مجاهدون" لأن الدعوة واجب والجهاد واجب كالصلاة والصوم، فهل يصح لنا أن
نقول "جماعة المصلين" و"جماعة الصائمين"!! والله تعالى يقول
"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم الا خزي في
الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون الى أشد العذاب وما الله بغافل عما
تعملون"(البقرة:85)، وقد أدرك الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه
خطورة هذا المنهج الانتقائي فقال "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"،
فالمسلم الحق يسأل متى أدعو ومتى أجاهد؟ ولا يسأل هل أنا داعية أم مجاهد؟
6- واذا كانت ساحة الدعوة تتطلب قدرا كبيرا من اللين وسعة الصدر والمخالطة
والمواصلة والابتسامة والهدية ونحو هذا فان حمل السلاح في مثل هذه الحال أو
التهديد به غير مبرر بل ربما يتناقض مع الهدف الاساس للدعوة وهو
"الهداية"، وبالتالي فان الجماعات الاسلامية التي تتعامل مع محيطها
الاجتماعي من مسلمين وغير مسلمين عليها أن تستنزل كل حلم الأنبياء وصبرهم وأن
تبتعد عن الخطاب التحريضي، وليكن هدفها كيف تدخل الى قلوب الناس وكيف تحقق الرحمة
الالهية لهم "وما أرسلناك الا رحمة للعالمين"(الأنبياء:107)، وفي مقابل
هذا فان ساحة الجهاد التي تتطلب قدرا كبيرا من القوة والاعداد لا يمكن أن تسمح
بأدبيات الدعوة، فالصلة بالعدو والجلوس معه وتبادل الهدايا والابتسامات يخل اخلالا
كبيرا بالتعبئة ويثير الريب والشكوك داخل الصف الاسلامي نفسه، ومن هنا نخلص الى
نتيجة مهمة:أن أخلاق الدعوة في الاسلام غير أخلاق الجهاد، واللَّبس في هذا يربك
الدعوة ويضعف الجهاد. وأذكر أنه أول سؤال واجهني في بغداد بعد الاحتلال هو: ما حكم
دعوة الأمريكان الى الاسلام؟! فقلت لسائلي: وكيف تدعوهم؟ ألا تجلس معهم وتخالطهم
وتلين لهم بالقول وربما أكثر من هذا؟ قال: نعم، قلت فكيف ستقاومهم وتحرض المؤمنين
على مقاومتهم؟ وكيف سيفرق الناس بينك أنت وبين العميل الخائن؟
7- واذا كان واجب الأمة كلها أن تقاوم الغزاة المعتدين بكل امكانياتها
الميدانية والفكرية والسياسية والاقتصادية فان هناك التباسات تنتج عن حالة
المواجهة هذه ومنها قضية الجاليات أو الأقليات المسلمة في الغرب، ولمناقشة هذه
القضية لننظر في النقاط الآتية:
أ- ان بعض الأخوة الذين يعيشون في الغرب يريدون من الأمة الاسلامية كلها أن
لا تدافع عن نفسها بوجه العدوان حتى لا تتأثر مصالحهم أو مصلحة الدعوة!! في حين أن
كثيرا من تلك الشعوب التي تمارس حكوماتها العدوان يخرجون في تظاهرات مليونية
ينددون بالعدوان، وكان يفترض بالجاليات الاسلامية أن تمارس دورها الجهادي من خلال
توسيع دائرة الرفض الشعبي للعدوان وهذا أقل ما يطلب منهم ليبقى ولاؤهم للقرآن أقوى
من ولائهم للجنسية الأمريكية.
ب- اذا افترضنا أن الدعوة الاسلامية في تلك المجتمعات ستتأثر سلبيا بتصاعد
المقاومة ضد جنود الاحتلال، فان القاعدة التي تحكم هذه المعادلة "إن دفع
المفاسد مقدم على جلب المصالح" فدفع العدوان عن أرضنا وعرضنا أولى بكثير من
محاولة اقناع شخص أو أشخاص ما بالاسلام.
ج- كما أن فكرة "تحسين صورة الاسلام" يجب أن نتعامل معها بحذر
اذا صدرت من الجهات المشاركة بالعدوان على الأمة، اذ إن هذه الفكرة ربما تخفي
وراءها رغبة في تخدير الأمة واحتواء ردة فعلها الشرعية والطبيعية بوجه العدوان،
واذا كانت تصدر من غير الجهات المشاركة في العدوان فعلينا أن نقنعهم بأن مما يسيء
للاسلام أن يصور الاسلام أنه يقف مع الظالم ضد المظلوم وأنه يرضى بأن تنتهك حرماته
وحرمات أتباعه من دون مقاومة!! ان القصور في اعلامنا ووسائل التعريف بقضيتنا -وهذا
ما نعترف به- لا يعالج بالتنازل عن أصل القضية.