بعد الانتخابات واستعادة السيادة... من يحكم العراق اذن؟
بقلم : د. بشير
موسي نافع
طبقاً للرواية
الرسمية، رواية الحكام العراقيين الجدد والرواية الامريكية، يفترض ان تكون
الانتخابات العراقية نقطة فاصلة في مسيرة العراق. عراق ما بعد الانتخابات، هكذا
قيل، هو عراق مستقل، يقرر مستقبله قادته الذين انتخبهم الشعب وأولاهم ثقته. وقد
عقدت الانتخابات بالفعل، وبالرغم مما شابها من إشكاليات جوهرية، احتفل بها في
واشنطن ولندن وعدد من العواصم العربية كما لم يحتفل بها داخل العراق ذاته. وبعد
مرور ثلاثة شهور علي الانتخابات، لم يكن قادة العراق الجدد قد نجحوا في تشكيل
حكومتهم، التي ليس من المفترض ان تحكم إلا إلي نهاية العام عندما تكتمل صياغة
الدستور الدائم ويعرض للاستفتاء. في النهاية، بالطبع، شكلت الحكومة؛ ولكنها حتي
عندما عرضت في استعجال لا يخفي علي الجمعية الوطنية، لم تكن مكتملة الأركان. فلماذا
كل هذا التردد والاضطراب، لماذا تفشل الطبقة السياسية العراقية الجديدة في اضفاء
شيء من الجدية والثقة علي صورتها لدي الشعب، ومن هو فعلاً من يحكم العراق؟
لم يعد سراً ان
السلطة الامريكية في بغداد قد أشرفت إشرافاً كاملاً علي العملية الانتخابية، ليس
بالمعني الأمني فحسب بل بالمعني السياسي أيضاً. الامريكيون هم أصلاً من صاغ
القانون الانتخابي، هم من قرر ان يكون العراق بمساحته البالغة زهاء النصف مليون
كيلومتراً مربعاً دائرة انتخابية واحدة، هم من صاغ لغة تصريحات الظفر في بغداد وفي
واشنطن قبل ان تفتح مراكز الاقتراع أبوابها، وهم في النهاية من حدد سقف وقاع
الأصوات التي حصلت عليها كل قائمة من القوائم المتنافسة. لم يكن السنة العرب هم من
قاطع الانتخابات فقط، بل ان هنالك مراكز انتخابية ملئت صناديق الاقتراع فيها قبل
ان يصل إليها ناخب واحد؛ وهناك صناديق أخري ملئت بغض النظر عن وصول الناخبين إليها
أو لا. كان هذا كله جزءاً لا يتجزأ من العملية الانتخابية ومن هندسة العراق الجديد.
المهم هو الصورة المنتجة لا الواقع. ولكن التدخل الامريكي، وهو ما ينبغي الاعتراف
به، لم يكن بلا حدود، كما ان مقاطعة السنة العرب جعلت النتائج أكثر تعقيداً مما
قدر لها في الأوساط الامريكية. كان الامريكيون، مثلاً، يأملون ويريدون لقائمة
علاوي نجاحاً أكثر مما استطاعت تحقيقه. وليس هناك من شك في ان الامريكيين، وبالرغم
من كل ما قامت به القوي الإسلامية الشيعية لكسب ثقتهم، لا يثقون في هذه القوي ثقة
كافية، ويتوجسون من علاقة هذه القوي الوثيقة بإيران. وما ان بدأت عملية بناء
النظام الجديد حتي بدأ الامريكيون في ممارسة سلطاتهم.
جاءت هيئة الرئاسة،
تقريباً، كما أرادت لها واشنطن ان تكون. وعندما بدأ رئيس الوزراء المكلف إبراهيم
الجعفري محولة تشكيل حكومته، كانت فعالية الدور الامريكي أكثر بروزاً بكثير من
امكانات رئيس الوزراء المكلف، الذي بدا في بعض الأحيان ساذجاً وتائهاً. ظن الجعفري
ان منطق نتائج الانتخابات يوفر له فرصة سهلة للتوصل إلي اتفاق ما بين قائمة
الإئتلاف الشيعي، التي رشحته لرئاسة الوزراء، والقائمة الكردية، اتفاق يؤدي إلي
تشكيل حكومة تتمتع بأكثرية مريحة في الجمعية الوطنية. ولكن الامريكيين أوحوا
لحلفائهم الأكراد بضرورة مشاركة قائمة علاوي، وضرورة وجود تمثيل سني جاد في
الحكومة الجديدة. وهكذا أصبح الجعفري أسير الشروط الامريكية ـ الكردية، كما هو
أسير مطالب التوزير لدي أعضاء قائمته. لم يكن الحرص الامريكي علي تمثيل السنة
وقائمة علاوي هو حرص علي تعزيز شرعية الحكومة الجديدة؛ فمسألة الشرعية هي أعقد من
ذلك بكثير. ولكنه كان حرصاً علي المضي إلي النهاية، لا سيما في مرحلة صياغة
الدستور ووضع قواعد النظام الجديد، في استغلال حالة الانقسام الإثني والطائفي التي
ولدها الاحتلال. وجود شيعة وسنة، إسلاميين وعلمانيين، أكراد وعرب، في الحكومة يجعل
التعامل مع هذه الحكومة أسلس بكثير. وحتي لا يصيب الجعفري وشركاه الوهم حول من
يمسك بمقاليد الأمور، وصل وزير الدفاع الامريكي، الأب الحقيقي للعراق الجديد، إلي
بغداد في زيارة سريعة جعلت مهمة الجعفري أكثر صعوبة وأوضحت له حدود حركته وخياراته.
ولم تتعلق زيارة رامسفيلد بتشكيل الحكومة فحسب، بل أيضاً بطبيعة الملف الأمني
ومستقبل وزاراته وكبار موظفي هذه الوزارات، وذلك بعد ان ردد الجعفري وحلفاؤه
الوعود بمزيد من التطهير في وزارتي الدفاع والداخلية. ولم يكن غريباً بالتالي ان
يبرز موفق الربيعي، حليف الامريكيين الموثوق وخصم الجعفري اللدود (منذ فصل الأول
من حزب الدعوة قبل سنوات)، وزيراً مسؤولاً عن الملف الأمني في الحكومة الجديدة. وحتي
بعد ذلك استدعي الأمر زيارة السيد عادل مهدي، نائب رئيس الدولة، إلي واشنطن في
محاولة لتسهيل ولادة الحكومة المتعثرة. تشكلت الوزارة بعد تدافع طويل. نعم. ولكن
الإرادة الامريكية كانت الإرادة الفاعلة وراء التركيبة الحكومية، وستكون هي أيضاً
الإرادة الفاعلة وراء سياسات هذه الحكومة.
لم يشهد التاريخ الحديث
من قبل ان تعرض بلد للغزو واحتله جيش من 150 ألف جندي أجنبي (امريكي أو غير امريكي)
وادعي قادته الاستقلال. وكان الحديث عن ارتباط استقلال العراق بالانتخابات، من
البداية، حديثاً مثيراً للسخرية. الامريكيون لا يدفعون مخصصات الحكام العراقيين
الجدد، ويشرفون علي اختلاسات بعضهم، فحسب، بل ان الجنود الامريكيين هم من يوفر
الحماية لهؤلاء الحكام. والأهم من ذلك كله ان الوجود الامريكي هو من يكفل الحفاظ
علي توازن القوي الذي سمح للطالباني ان يصبح رئيساً وللجعفري ان يصبح رئيساً
للوزراء. بدون توازن القوة هذا، من يدري كيف كان يمكن ان تكون الأمور: هل كانت
القوي الشيعية الوافدة من الخارج ستستطيع الصمود أمام التيار الصدري، هل كان يمكن
للقوي المتحالفة مع الاحتلال ان تقف أمام قوي المقاومة، وهل كان يمكن للحزبين
الكرديين ان يحكما في المحافظات الشمالية وان يتمتعا بهذا النفوذ في بغداد أيضاً؟
ولم يكن غريباً بالتالي ان تؤكد أغلب القوي المشاركة في الانتخابات، وان يؤكد
الجعفري نفسه، علي بقاء القوات الامريكية في العراق لأجل غير محدد. بقاء القوات
الامريكية شرط وجود الحكام الجدد والنظام الذي يأمل هؤلاء الحكام في تقاسمه. ولذا
فإن من العبث الحديث عن استقلال العراق، لا اليوم ولا غداً ولا حتي بعد صياغة
الدستور. استقلال العراق هو شأن يرتبط بذلك المطلب البسيط والواضح: خروج قوات
الاحتلال. وبين العراق المحتل والعراق المستقل أصبح علي العراقيين ان يعملوا ليس
فقط من أجل استقلال وطنهم، بل أيضاً من أجل استعادة وحدة الوطن التي فقدت بفعل قوة
الاحتلال وسياسيين حمقي أفقدتهم المصالح الشخصية الآنية البصر والبصيرة.
تسير لبننة العراق
علي قدم وساق منذ اللحظة التي أطيح فيها النظام السابق. وقد وصل خطاب اللبننة
ذروته عندما انفجرت قضية المدائن المصطنعة وأخذ بعض السياسيين الجدد يتحدثون علناً
حول التطهير الطائفي. ثمة تمترس سياسي وغير سياسي يسود العراق المحتل، حيث يتصرف
الأكراد في مناطق سيطرتهم بنفس استقلالي مسلح، فيما هم يعملون علي إجراء تطهير
عرقي للمناطق المجاورة. وتمارس أجهزة الدولة المسيطر عليها من القوي السياسية الشيعية،
جنباً إلي جنب الميليشيات، حملة للسيطرة علي مؤسسات السنة ومساجدهم واوقافهم في
مناطق عدة من الجنوب، من البصرة إلي النصيرية إلي كربلاء والديوانية. وعندما ادعي
البعض بأن الوجود العشائري السني في حزام بغداد الجنوبي هو وجود اصطنعه النظام
السابق (وهو ادعاء أخرق بلا شك) فقد كان يعد العدة لحملة تطهير طائفي منظم في
مناطق المدائن واللطيفية واليوسفية. وهناك إلي جانب هؤلاء قوي غامضة، تدعي
الانتماء إلي السنة، تستبيح دم العراقيين الشيعة، ولا تتورع عن مهاجمة الحسينيات
والمساجد. عندما يقول مرجع شيعي كبير بأن النجف مغلقة للشيعة، فلن يكون بعيداً
اليوم الذي يقول فيه عالم سني ان سامراء مغلقة للسنة. لا يقف العراق علي حافة
الحرب الأهلية، كما يعتقد البعض. لا العراقيون يريدون الحرب الأهلية، ولا للحرب
الأهلية من ميراث في العراق تستند إليه. ولكن العراق الأهلي لم يعد موحداً، وقد اخذت
ثقافته السياسية الجديدة تبني بتصميم وترصد علي الانقسام. وقد لعبت المحاصصة
العرقية والطائفية دوراً رئيساً في المداولات التي سبقت تشكيل الحكومة وفي تأجيل
تشكيلها، ثم في الإعلان عنها بدون ان تكتمل.
المسؤولية الكبري
تجاه هذا التطور الفادح تقع علي عاتق الاحتلال. سعي الامريكيون منذ حل بريمر في
بغداد علي التعامل مع العراقيين (ومع القوي السياسية العراقية) علي اعتبار انهم
شيعة وسنة وأكراد. وقد شكل مجلس الحكم، وشكلت الوزارتان المؤقتتان للعراق المحتل
علي هذا الأساس. وتلعب هيئات البحث والتفكير السياسي الامريكية دوراً هاماً في
الترويج لعراق فيدرالي، ترسم فيه الحدود الإدارية علي أسس إثنية وطائفية مقنعة. ولكن
المسؤولية لا تقع علي الامريكيين وحدهم؛ فقد ساهمت مجموعة من السياسيين العراقيين
القادمين من المنفي مساهمة بارزة في تأسيس ثقافة وسياسة الانقسام. يجهل أغلب هؤلاء
السياسيين تاريخ العراق وحقيقة مكوناته؛ كما يجهلون جغرافيته البشرية. وكلما
فاجأهم التعقيد السكاني، حملوا النظام السابق مسؤولية غياب الحدود الطائفية التي
رسموها في أذهانهم الصغيرة. ما لا يريد أحد اعتباره ان الفيدرالية هي خيار ابتدائي
لدول مستقلة ومنفصلة أساساً تسعي إلي الوحدة، وليس العكس. أما ما يجري الترويج له
في العراق اليوم، فهو انشطار عشائري وإثني وطائفي لا مبرر ولا مسوغ له.
العراق المنقسم علي
ذاته، من وجهة النظر الامريكية، عراق تسهل السيطرة علي شعبه ومقدراته؛ عراق يتحول
فيه المحتل إلي حكم بين القوي وملجأ لها. وبالرغم من الخسائر الامريكية، بالرغم من
المفاجآت التي اختزنها العراق للقوي المحتلة، فهدف السيطرة علي العراق لم يتغير؛
ما تغير هو وسائله ونمطه ومداه. أما القوي والشخصيات العراقية التي تروج لسياسة
الانقسام الطائفي والإثني، فدافعها الرئيس هو البحث عن الشرعية. كأي خطاب غريزي،
يجد الخطاب الطائفي والعرقي صدي سريعاً وواسعاً له، لا سيما في بلد كالعراق لم
تولد فيه الدولة الحديثة إلا منذ زمن قصير، وقد ولدت دولته في ظروف بالغة التعقيد،
مما ولد الإيحاء الطائفي وفجر سلسلة من الحروب بين الدولة والقوي القومية الكردية.
في ظل تصعيد الخطاب الطائفي والإثني، يتحول سياسيون طموحون من باحثين عن الموقع
والقوة والثروة إلي مدافعين عن حقوق الطائفة والأمة، بغض النظر عن العواقب
المترتبة علي هذا النهج بالنسبة لمستقبل الوطن والطائفة والأمة.
باستمرار التوجهات
الحالية للقوي السياسية العراقية، وبسيطرة الثقافة المرتبطة بهذه التوجهات، قد
يبقي العراق لسنوات طوال في حالة من عدم الاستقرار. ولكن الأخطر، ان هذه التوجهات
ستكرس السيطرة الامريكية، المباشرة او غير المباشرة. وقد يكون استحقاق صياغة
الدستور فرصة لن تعوض، لفترة طويلة قادمة، من أجل التحرر من الكثير مما علق بعراق
ما بعد الغزو والاحتلال.