ما هو الخيار إن سقط الحوار ؟؟

 

 

بقلم :هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

الخيارات: الحوار الديموقراطي ولحاف صفية والثورة البلشفية

ليس من الغريب أن تتجسد (الأساطير) علي أرض الواقع.  ولما لا .. وهي، أي الأساطير، ليست إلا تركيبة فريدة، قليلها حقائق ووقائع وكثيرها من حكم وتجارب مع الأمنيات والتطلعات والأحلام والأوهام. وما نعيشه الآن في مصر المحروسة يذكرنا بالخيارات الثلاث أمام (الشاطر حسن) .. سكة السلامة وسكة الندامة وسكة (إللي يروح وما يرجعش).

فالخيارات المتاحة الآن أمام الأمة المصرية هم ثلاث: إحكام العقل والمنطق بالنقاش والحوار، فإن لم يكن فلا بديل للرعية سوي (لحاف صفية) أو (ثورة بلشفية) !!.

و(لحاف السيدة صفية) هو تعبير مأخوذ من تراث عامي مصري منسوب لزعيم الأمة (سعد باشا زغلول) ومأخوذ من مقولة (ما فيش فايدة ... غطيني يا صفية وصوتيّ عليَّ)، تعبيرا عن (الإحباط واليأس والسلبية)، نسبه إليه أحد الظرفاء الساخرين في بر المحروسة.

وهناك نوعا أخر علي غرار (لحاف السيدة صفية) – ولكنه بالمقارنة أكثر فاعلية (!!) – وهو وبدلا من التغطية بلحاف أو بطانية والبحث عن نائحة ثكلي أو مستأجرة تنوح وتولول – نقوم نحن بحسر الرؤوس بعد ذل النفوس، متوجهين إلي أضرحة أولياء الله الصالحين، وما أكثرهم في بلدنا المسكين، في دعاء مُجمع علي (المفترين) الظالمين، اللهم رد ظلمهم في نحورهم وابتليهم بسوء أعمالهم وفجر أفعالهم ... اللهم أجعل كل مال حرام نهبوه غصة في حلوقهم وجمر نار يحرق أبدانهم ... اللهم أسمعنا صراخهم وآنات عذابهم بقدر صرخات وآنات ودموع عبيدك المظلومين الذين اعتقلوا ظلما وحُبسوا جورا وعُذبوا قهرا وقسرا.. اللهم آمين يا رب العالمين.

أما خيار الثورة البلشفية فهو كناية علي الثورة الدموية – وعلي غرار الثورة الفرنسية التي هبت ضد فخامة الملك لويس، وهو بالمناسبة صاحب المقولة المأثورة (أنا الدولة .. والدولة أنا)، وضد فخامة سيدة فرنسا الأولي ماري أنطوينيت (وهي التي نصحت شعبها العزيز بأكل البسكويت والبيتي فور والباتون سالية بعد عجزه في الحصول علي رغيف الخبز الأسود ). والثورة البلشفية كانت هبة وانتفاضة (حتمية) ضد فخامة قيصر روسيا وتحالفه الكهنوتي المقدس مع الكنيسة الأرثوذوكسية السلافية وضد فخامة السيدة الأولي سليلة الفكر الرسبوتيني لروسيا القيصرية وضد الأمراء الأجلاء وأولياء العهد الأعزاء، بعد يأس الرعية من الإصلاح والصلاح.

******************

 

كان من المخطط استئناف ما بدأناه في المقال السابق من تعقيب علي الحديث الانتخابي التاريخي الدرامي لفخامة رئيس البلاد وليّ العباد، وبحيث يتناول هذا الجزء ما أُثير عن موضوع الثغرة وكينونة حرب أكتوبر وهل هي حرب تحرير أم حرب تحريك – والفارق بينهما ليس بسيطا كما يتصوره البعض – فهو يحدد مصداقية (حكام) وشرعية (حكم) والسلامة العقلية والإدراكية (لمحكومين) ومن ثم تصنيفهم الصحيح إن كانوا رعايا ولايا أم مواطنين حقيقيين.

ولكن ... أسباب ثلاث منعتنا من الاسترسال، أو بمعني أدق، من الانسياق في لجة هذه (المهزلة) !! – ونعني بها – تشتيت الإنتباة وإفراغ شحنات الغضب في سطور مقال وكلمات تُقال تمثل (ردة فعل) لأفعال وأعمال السلطة الحاكمة، وبحيث تبدو الصورة للعيان أنها نوع من التراشق الديموقراطي الزائف أمام المراقبين أو المواطنين. أما الأسباب الثلاث فهي:

1 – انتباهنا لتاريخ صدور النتائج الأولية للجنة (أجرانات) الإسرائيلية – والتي أشرنا إليها في حاشية المقال السابق – وهي التي كانت مكلفة بالتحقيق في إخفاقات المخابرات الإسرائيلية في كشف نوايا الهجوم المصري السوري (وليس في أسباب هزيمة إسرائيل كما يدعي بعض رجالات السلطة، جهلا معلوماتيا أو جهالة سياسية) – وهذا التاريخ هو (2 ابريل 1974) – علما بأن حرب أكتوبر قد انتهت بإيقاف إطلاق النار في (24 أكتوبر 1973).

2 – السبب الثاني هو (لماذا نكتب ؟؟؟) – وقد تبين أن معظم كُتاب المحروسة ومفكريها لهم دراية شبة تامة بالوقائع الفعلية – بل وهناك ما استجد، من (أعضاء مجموعات الإنترنت)، كنتيجة للثورة المعلوماتية، وأغلبهم شباب، واظهروا في رسائلهم ودردشتهم المعرفة التامة والدراية الواعية بأكاذيب السلطة وفسادها (!) – وبذلك فلا داعي لأن نكد ونجتهد في البحث والتنقيب لإظهار الحقائق بالوثائق وشهادات صُناعِها المنزويين المعزولين.

3 – أما السبب الثالث، وهو الأهم، فهو ظهور حقيقة يقينية تفيد بعدم جدوى هذا الأسلوب (!!) الفكري (المتحضر !!!!!!)، أي سلاح الكلام والحوار، أمام وحشية السلطة وغيها وطغيانها وشذوذها - وهو الذي فاق أعمال قوات (احتلال) في بلدان العالم الثالث المتخلفة (إيطاليا في إثيوبيا وفي ليبيا، فرنسا في الجزائر وفي مصر، بريطانيا في العراق وفي مصر، إسرائيل في فلسطين، والولايات المتحدة في العراق).

ومن الجدير بالذكر هو ملاحظة مدي تشابه أسلوب القمع الأمني المصري مع نظيرة الأمريكي (في أبو غريب) وكذلك مع الأسلوب العقابي الذي أتبعته الحملة الفرنسية ضد (سليمان الحلبي) قاتل (كليبر). ففي الأولي كانت الممارسات (اللوطية) بغية لذة سادية ولغرض إذلال الكرامة الرجولية (وهو ما أطلقنا عليه ممارسات إمبراطورية القرود لوجود فصائل من القردة تمارس هذا الأسلوب لإذلال الذكور المنافسة علي زعامة القطيع)، وفي الثانية جاء استخدام (الخازوق) كأداة بشعة جهنمية لتنفيذ حكم إعدام في الشهيد السوري، طالب الأزهر، سليمان الحلبي.

ولا تتعجب !! فنحن لا ندعي ولا نبالغ – فاستخدام (الخازوق) الهمجي القديم مازال معتمدا ومتبعا في سلخانات أجهزة الأمن، بل وزادوا عليه أساليب (سادية جنسية لوطية) لهتك الأعراض إشباعا لنزوات مريضة ولإذلال من تجرأ علي أن يقول (أه) شاكيا من طفح كيله وعجزه علي أن يخرس لسانه. وليس من قبيل المصادفة أن تظهر هذه الجريمة بالذات وهذا النوع من الإنتهاكات في أقوال أكثر من نصف الشاكيين من المعتقلين والمساجين، ويقينا أن هناك الكثيرين والكثيرات الذين آثروا الصمت حفاظا علي بقايا من كرامة لهم ولذوييهم أملا أن يحفظهم صمتهم ومحيلين شكواهم لربهم!!

ومن الملاحظ أن التعاون الإستخباراتي الأمريكي – العربي في أعمال استجواب الإسلاميين (الإرهابيين)، بعد حادث 11 سبتمبر، قد تم مع أربعة بلدان رئيسية هم: (مصر المحروسة والمغرب والأردن وسوريا)، نظرا لما تتميز به الأجهزة الأمنية في تلك البلدان من استخدام أساليب فريدة وطرق عجيبة في أعمال الاستجواب. ومن الصورة البانورامية متناهية البشاعة التي نقلها لنا الأخ الكريم فهمي هويدي في مقالة (إرهاب الدولة)، نقلا عن كتاب لأحد السفاحين الأمنيين السابقين بالمملكة المغربية، بعد أن ثاب لرشده وهداه ربه، يمكننا عمل تناظر وقياس علي ما يجري في السلخانات الأمنية المصرية – فمصر والمغرب يقعان في التصنيف ولهما نفس التوصيف - وخاصة أنه لم يظهر حتى الآن تائب واحد منهم يفضح أعمالهم ويكشف سترهم – ولا يوجد لدينا إلا شهادات الضحايا المعذبين، أو شهادات ورثتهم من أرامل ثكالي وأولاد يتامى – وهي كما تعلمون شهادات مقصورة في ظل دستورنا وقوانيننا الأكثر قصرا.

وللأسف أيضا – فإن حديثي فخامة رئيس البلاد، في شهادته للتاريخ وفي خطاب عيد العمال، وما بهما من تصريحات وتلميحات تؤكد لنا فقدان الأمل في مجرد نوايا إصلاح حقيقي. وجزء يسير منها نورده في الآتي:

1 - تصريحاته (في شهادته للتاريخ) بأن مهام الجيش الأولي هي حماية الشرعية (أولا) والدفاع عن البلاد (ثانيا). وهو هنا أشبه بفخامة رئيس البلاد الأسبق الذي حول شعار الشرطة من (الشرطة في خدمة الشعب) إلي (الشرطة في خدمة سيادة القانون)، وحول (المؤسسات النيابية – من نواب) إلي (مؤسسات أنيابية – من أنياب).

وإذ ما عرفنا أن (الشرعية) هي التي قامت وتقوم السلطة الحاكمة (بتوليفها) – بنتائج تختل مع مقدماتها – وأنهم في ظل هذه الشرعية الزائفة يقومون بسن القوانين الداعمة لسلطتهم وحماية سطوتهم – لعلمنا تماما أن الجيش والشرطة والمؤسسات النيابية هم أجهزة الحماية والوقاية للسلطة وليس للشعب – أي أنهم يراد بهم أن يكونوا فقط في خدمة النخبة الحاكمة (!!!).

2 – وهناك التصريح الأخير الذي جاء في خطاب عيد العمال (الثلاثاء 3 مايو) – والذي صرح فيه فخامة الرئيس بالآتي: <<تحتم المسئولية الوطنية أن ندافع عن هذه المبادرة (يقصد مبادرته في المادة 76) في مواجهة أي مهاترات لا طائل من وراءها (!!!) – أو مزايدات تضر ولا تنفع – أو محاولات للمساس بسلامة واستقرار الوطن واستقلال إرادته>>. !!!.

أي باختصار ... (وبعد عملية الترجمة) ... أقبلوا بما نعرضه عليكم واحمدوا ربكم – ودعوا الأحاديث عن الضمانات حولها لحكمة الحكومة فهي الأعلم والأبصر. وكفوا عن طلب المزيد الذي لن يُجاب ولن يستجاب له، مثل إلغاء قانون الطوارئ وتحديد مدة الرئاسة وتقليص سلطات الرئيس، وكفوا عن المهاترات الخاصة بطلب سلطة القضاة علي الانتخابات، فلن نسمح بتخليق أي سلطة ومراكز قوة جديدة مهما كان مسمياتها، ولن نقبل بابتزاز (!!!) أي طائفة أو فئة ضالة تريد أن تأخذ مكانة من مكانتنا أو سلطة من سلطتنا مهما بلغ ثقلها أو علا صوتها. وحذار من أي حوار بين (الجماعات الإسلامية) وبين الجماعات الأوربية الأمريكية فهو خيانة عظمي للشرف والوطن، ولا تنظروا إلي الجماعات المتأمركة التي تحصل سنويا علي ملايين الدولارات (مركز أبن خلدون يحصل علي 3 مليار سنويا – بخلاف المليون جنية الأخيرة من السفير الأمريكي قبل نقله) فهم جميعا تحت السيطرة ويعملون فقط من أجل المنظرة. وحذار من القلاقل والفوضى التي تحدثها المظاهرات والاحتجاجات فنحن في دولة مؤسسات، ونحن الأعلم بالأمور حسبما جاء بالدستور (!!!!)، والشعب مازال قاصرا جاهلا ونحن الأعلم بالأمور، ونصيحتنا الأخيرة لكل خارج مارق: كن مطيع وأنضم للقطيع وإلا فالسلخانة شغالة وتقول (هل من مزيد) !!!!.

وإذ ما أخذنا تلك التصريحات المحبطة وأضفناها إلي الممارسات الأمنية التي بلغت ذروتها في الأيام الماضية من اعتقالات للمحتجين السلميين واختطاف لبعض أساتذة الجامعات والضرب المهين للمتظاهرين وتلفيق التهم والتبريرات الساذجة المفضوحة واصطناع الدلائل الساذجة وأعمال التعذيب إلي درجة (الموت) في سلخانات أجهزة الأمن، وإضافة أيضا إلي ممارسات (موظفي) السلطة المنتفعين والذين يحملون درجة (سياسيين) من مراوغات في تفصيل القوانين والالتفاف علي المادة (76) اليتيمة - بل ورسائل التهديد الصريحة التي حملها منذ أيام أحد (السياسيين المقربين) إلي (شخصية قضائية) ذات حيثية – المستشار (محمود رضا الخضيرى) رئيس نادى القضاة بالإسكندرية – بطلب تقليل سقف مطالب الشرفاء من الهيئة القضائية، وهو الأمر الذي لقي إستياءا واستهجانا من سعادة المستشار وقام (بطرد) المبعوث تقريبا (!!).

نقول للأسف أن هذا وغيره قد أظهر أن (الخيار الأول) هو مستبعد تماما – ولم يتبق من احتمال إلا الخيارين الأمرين – لحاف صفية أو ثورة بلشفية (!!!!).

*********************

لحاف صفية هو الأغلب (!!!)

التاريخ يقول أن الشعب المصري (العظيم) الذي صبر علي ابتلاء الفراعين وغزوات الهكسوس واحتلالهم لقرن ونصف من الزمان، وغزوات الحثيين، والاحتلال (الليبي) لأكثر من قرنين، والإحتلال النوبي والفارسي، ثم الإغريقي (من عام 334ق.م) والبطالمي والروماني والبيزنطي حتي الفتح الإسلامي – ثم الصبر علي عمال الخلفاء من الأموية إلي العباسية إلي الفاطمية وعودة إلي العباسية علي يد الأيوبي، ثم تولت أمره (امرأة أرمنية) كدليل علي الحضارة المصرية وعدم انغلاقها وتعصبها لرجالها أو لرجولتها، ثم عاني الأمرين تحت حكم المماليك (لدرجة أن هناك العديد من الخدم العبيد مثل كافور الإخشيدي، والحكام المخصيين تولوا حكم مصر المحروسة وتشرفنا بالانقياد لهم !!!!) ثم إلي الإنكشارية العثمانلية وتركهم الحبل علي غاربه للمماليك الذين طاحوا في البلاد وأذلوا العباد، والتفاصيل تجدونها في تاريخ الجبرتي، ثم الاحتلال النابليوني الذي دخل الأزهر بخيوله وأحاله إلي إسطبل، ثم قدوم محمد علي الألباني واختيارنا له لشجاعته وحكمته ومبايعتنا لحكمه، ثم أسرة محمد علي والصبر علي الإذلال والهوان في مغامرة إسماعيل لتحويل (مصر) إلي جزء من أوربا – ناسيا متناسيا أن مصر ليست فقط القاهرة، فهناك من يأكلون (السريس والجعضيض) في النجوع والكفور والشقوق والكهوف (والكهوف ليست مبالغة – فقد كان هناك بالفعل قري بأكملها تعيش في كهوفا جبلية – في وجه قبلي)، ثم كان عزل إسماعيل ومجيء سعيد وفيه جاء الاحتلال البريطاني بعد هوجة الفلاح الخرسيس (عرابي)، وصبرنا عليه .. وقاومناه بالكلام والخطابة وبالتي هي أحسن (!!) – حتي أنكشح وغار، وصبرنا علي تجاوزات رجالات يوليو حتي أكرمنا الله العلي القدير بثورة التصحيح وإن كنا لا نعرف ماذا صححت !!، وصبرنا علي فرعونية السادات وسيدته الأولي النصف إنجليزية حتي أكرمنا الله برحمته بحادثة المنصة، وها نحن الآن في عصر مبارك السعيد ذي العمر المديد وهو الذي يكفيه شرف المحاولة للإصلاح والصلاح طوال (ربع قرن من الزمان)، وهو وإن كان قد فشل) في مهمته فالغلطة ليست غلطته (!!)، فنحن المخطئون (!!)، لأننا بجهالتنا وكثرة خلفتنا قد أفسدنا عليه خطته الإصلاحية ومشاريعه الألمعية، ولذا فنحن الآن نتحمل سوء أعمالنا بمنع أولادنا وبناتنا من الزواج (9 مليون عانس مصرية)، وانتشار الأمراض في أحشاءنا (حالات الكبد الوبائي والسرطان والفشل الكلوي) وبتجويعنا وبطالة شبابنا (30% نسبة بطالة) – وفقدان أموالنا ومدخراتنا (مليارات البنوك المنهوبة – وبيع القطاع العام خلس وبثمن بخس) فنحن المخطئون الفاسدون، وحق علينا الاعتذار بإذلال – كما يحق علينا قول (المقريزي):  <<قال (العقل) أنا لاحق بالشام فقالت (الفتنة) وأنا معك،  قال (الشقاء) أنا لاحق بالبادية فقالت (الصحة) وأنا معك، وقال (الخصب) أنا لاحق بمصر فقال (الذل) وأنا معك ...(!!!)>>.  وكتعليق علي الجملة الأخير نقول: لقد غادرنا الخصب ولكنه لم يأخذ الذل معه وتركه لنا. ولذا فليس أمامنا إلا (لحاف السيدة صفية) – ونلتمس من حكومة السنية سرعة استقدام مجموعات من النائحين والنائحات وطلبية عاجلة من البطاطين والمخدات.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

************************

لجنة (أجرانات) الإسرائيلية أظهرت (الخيبة) المصرية !!!!

ستة أشهر فقط (من 24 أكتوبر 1973 إلي 2 إبريل 1974) – هي الفترة الزمنية بين وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر وبين إعلان نتائج (لجنة) التحقيق الإسرائيلية المُشكلة لدراسة الإخفاق المخابراتي الإسرائيلي في كشف نوايا الهجوم العربي ومن ثم تأخر التعبئة (وهي المسماة بلجنة أجرانات) – مع ملاحظة – أن الإعلام الإسرائيلي والعالمي أيضا قد صور الحرب بأنها انتصار ساحق ماحق لجيش الدفاع الإسرائيلي جعلت قواته البرية ولأول مرة علي مشارف أكبر عاصمتين عربيتين (القاهرة ودمشق)، وبأنها إثبات للمقدرة القتالية الإسرائيلية علي (امتصاص) الضربة المعادية الأولي والقيام بالهجمات المضادة التي حققت النصر (!!) – أي – المقدرة علي إحراز النصر في الحالتين – المبادأة بالهجوم أو تلقي الضربة الأولي – وبمعني أخر فأن (الرأي العام الإسرائيلي) وجهازه القضائي ونخبته الفكرية لم يقبلوا بتبريرات أو أنساهم الانتصارات عن (حساب المقصرين المخطئين).

ولا نجد غضاضة في الاستشهاد بأفعال وأعمال (عدونا اللدود الطبيعي Natural Enemy) إن كان يتفق والمرجعية الحاكمة في إدارة البلاد وشئون العباد. ونشعر بالمرارة حينما نتذكر (طوفان) الأحداث التاريخية المصرية بما فيها من أخطاء وهزائم وكوارث ونكبات والتي مرت مرور الكرام بلا حديث ولا كلام، وحتى الآن لا نعرف كنيتها ولا أسبابها ولا من هو المتسبب المخطئ الطالح أو المعالج المصيب الصالح. ونعود للتاريخ لنبش أحداثه من قلب أجداثه:

1 – ماذا حدث في عام 1954 ؟؟؟ - لماذا تمت إقالته محمد نجيب (أول رئيس للجمهورية) ؟؟ ولماذا تم اعتقاله أو وضعه تحت الإقامة الجبرية لعقود وعقود ؟؟ ومن الذي حاكمه ؟؟ وأين الإدعاء وصحيفة الإتهام ومذكرات الدفاع وقرار الإدانة وحيثياته ؟؟؟؟، وما هي شرعية تولي (عبد الناصر) الحكم ؟؟ وهل كان انقلابا علي الانقلاب ؟؟

2 – ماذا حدث في (نكسة 1956)، وخاصة أن القيادة السياسية كانت تعي جيدا الاحتمال العالي لضربة عسكرية بريطانية (علي الأقل) ولم تقم القيادة العسكرية بإجراءات المقاومة (السلبية) لحماية ووقاية مجموعات الطائرات ومواقع المدفعية المضادة للطائرات وغيرها وهي التي ذهبت (سدي) في الضربة الأولي الفرنسية البريطانية. وماذا حدث في سيناء أمام القوات الإسرائيلية – ودعك من (الكلام الفارغ) الذي جاء علي لسان الممثل الذي قام بدور المشير إلي الممثل الذي قام بدور ناصر في قوله – فيما معناه - (إسرائيل دي ولا حاجة – أحنا نعرف نلمها كويس لو إتحركت !!) – علما بأن إسرائيل قد سبق لها التحرك فعلا في عام 1955 وقامت بمذبحة في الحامية العسكرية المصرية في غزة.

هل تمت محاسبة القادة العسكريين المسئولين عن التقصير عام 1956 – الإجابة هي – وبشهادة الشافعي (عضو مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الجمهورية) – لا .. لم يحدث تحقيقات لمحاسبة العسكريين المقصرين، وتم استمرار معظمهم في الخدمة وتولي القيادة حتى نكسة 1967 (!!!!).

3 – ماذا حدث في مهزلة (مجوهرات أسرة محمد علي) ؟؟؟ - أين هذه المجوهرات والتحف والآثار التي تعتبر (حق للشعب المصري) وحده – ومن الذي أخذ ومن الذي نهب ومن الذي هرب ومن الذي دلس ومن الذي سكت وخرس ومن الذي إستفاد من نهب تاريخ البلاد. وللأسف فهذا الموضوع مازال يتكرر (!!) – فهناك موضوع الحفلات الدعائية المصرية التي تُقام في بلدان أمريكا وأوربا، ويقال أن أطقم (سرفيسات) عالية القيمة يتم جلبها من القاهرة بغرض هذه الحفلات – ثم لا تُعاد ثانية (!!!!!!!!!!!!!!!!!!!).

4 – ماذا حدث في اليمن (1962 – 1967) – من الناحية العسكرية (جدوى التدخل)، ومن ناحية استغلال بعض السياسيين والعسكريين لوظائفهم وسلطاتهم واستخدام طائرات النقل الخاصة بالقوات الجوية في تهريب (الكماليات) التي كانت شحيحة في مصر في ذلك الوقت للتربح والتكسب. وماذا تم من تحقيقات (تاريخية) فيما نسب إلي (أنور السادات) – وكان مسئول الاتصال والتنسيق بين القيادة العسكرية والسياسية في موضوع اليمن – وفيما نسب إلي المشير عامر – من اتهامات (بالتدليس) وإخفاء الحقائق عن القيادة السياسية والشعب المصري في حقيقة ما يدور في اليمن – تلك الاتهامات التي جاءت علي لسان بعض المسئولين (اليمنيين) قي مذكراتهم وأحاديثهم.

5 – ماذا حدث في عام 1967 ؟؟؟ - والكل يعلم أن القيادة السياسية كانت تتوقع (الضربة الأولي) – وهو الأمر الذي ظهر في حديث أحد الضباط الطيارين مع ناصر في زيارته لأحدي القواعد الجوية – وهو علي العموم ليس (حسني مبارك) – بقوله: <<يا ريس .. لماذا ننتظر تلقي الضربة الأولي ؟ لماذا لا نهاجم ونقوم نحن بالمبادأة؟>> - وكان رد الرئيس ناصر: <<طبقا لتقديرات القيادة العسكرية فأن خسائرنا المتوقعة من هذه الضربة هي من 20 إلي 25 % - ويمكننا الرد بعنف بالنسبة الباقية المتبقية علي القوات الإسرائيلية. وأمريكا هددت بالتدخل إذا بدأنا الضربة الأولي – والآن ماذا تفضل ؟؟ نحارب إسرائيل وأمريكا بـ 100% من قواتنا، أم نحارب إسرائيل فقط بـ 75% من قواتنا ؟؟>>.

وماذا فعلت القيادة العسكرية أو القيادة السياسية أو الأجهزة الرقابية – الإجابة في شهادة الشافعي أيضا: << أثناء مرافقتي لأحد الشخصيات العربية في زيارة أحد مطارات سيناء في 5 يونيو 1967، فوجئت بشكل الطائرات وهي منتشرة في العراء وهي متراصة (جناح بجناح) – وكأنها قطيع من الدواجن المعد للذبح !!!!>>. وهو الأمر الذي حدث بالفعل أثناء الزيارة وكاد أن يقتل فيها الشافعي – والنتيجة – راح سلاحنا الجوي – وراح سلاح جيش بأكمله في رمال سيناء – وراح 15 ألف قتيل – وراح شرف أمة وكرامة شعب.

6 – كيف تم اختيار السادات (نائبا) للرئيس في 1969 ؟ - ولماذا أخفي السادات رسالة (نيكسون) عن ناصر بعد عودته من مهمة كلف بها في الولايات المتحدة (وهي الرواية التي أوردها هيكل في الجزء الثاني من المفاوضات السرية)، ولماذا لم يعاقب السادات علي استيلائه علي أحد قصور الشخصيات المصرية ووضعه تحت الحراسة؟، والأهم هو كيف مات عبد الناصر؟؟ - وكيف تولي السادات حكم البلاد وهو (رجل الظل) الغير مؤهل وصاحب التاريخ التأمري مع الحرس الحديدي الملكي (أيام فاروق)، وسوابق التعاون مع خلية (الراقصة حكمت فهمي) المتعاونة مع الألمان، وسلوكه الشخصي المُعيب في (تطليق) زوجته أم بناته الثلاثة والزواج بفتاه (نصف إنجليزية من أصول مالطية) ذات خمسة عشرة عاما ؟؟؟، والأهم هو تقاعسه عن أداء ما كلف به يوم 21 ، 22 يوليو 1952 في القيام بأعمال التأمين الإشاري (التليفونات) لقوات الجيش؟؟.

7 – ما حقيقة مبادرة السادات الأولي في أوائل عام 1971، والتي جاءت ردا علي مبادرة (موشي ديان) بالانسحاب المتبادل للقوات (!!!!!) وفتح قناة السويس للمرور الدولي ثم المفاوضات – وقبل السادات مبدأ الانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية (حوالي 20 كم من خط القناة) ولكنه رفض انسحاب مماثل للقوات المصرية، وقبل فتح قناة السويس.

هل كانت مناورة من قائد سياسي مخضرم (!!!) – لا نعتقد – هل كانت دلائل انهزامية مبكرة ؟؟ - من تاريخ السادات ومن نتائج مهزلة أكتوبر 1973 ومن الانفتاح المسعور الذي تم ومن ديكتاتورية السادات وفرعونيته شكلا (بصولجانه الفضي المزين بزهرة اللوتس وتصرفاته) وموضوعا (في المنابر الوهمية ووأده للهبة الشعبية في يناير 1977 واعتقالاته المحمومة لكل رموز القوي السياسية والدينية في سبتمبر 1981) – نقول نعم نعتقد.

8 – ما حقيقة ثورة مايو 1971 ؟؟؟ - وكيف يتم اعتقال مجموعة من الوزراء المستقلين (بهدف إحداث فراغ دستوري – وهو أمر مشروع كبديل عن استخدام العنف) واتهامهم بمحاولة (قلب نظام الحكم بالقوة) !!!؟؟؟؟ - كيف يمكن للمستقيل من قلب نظام الحكم بالقوة؟؟؟ - وما هو دور (الليثي) قائد الحرس الجمهوري؟؟، وما هو دور اللواء (صادق) رئيس الأركان؟؟ وكيف تم إقالة (الليثي) وتسفيره إلي لندن حيث انتحر هناك (في نفس البناية التي انتحرت فيها سعاد حسني). وما هو دور فخامة الرئيس الحالي الذي تم تعينه قائدا للقوا الجوية تمهيدا لإقالة الفريق الصادق لاحقا (حسب أقوال الفريق الشاذلي)؟؟؟.

9 – لماذا تم اختيار الفريق (أحمد إسماعيل) وزيرا للحربية – وإحضاره من (العزل) – وهو الذي تمت محاكمته كرئيس أركان حرب القوات المسلحة في حادثة (الزعفرانة) أيام عبد الناصر، بعد قيام وحدة كوماندوز إسرائيلية بالاستيلاء علي وحدة رادار مصرية في منطقة البحر الأحمر. والمعلومة المثيرة للاهتمام هو حقيقة (مرض) أحمد إسماعيل (بالسرطان) الذي كان يعلمه وتعلمه القيادة السياسية (!!!)، وكذا حقيقة خلافاته مع (الشاذلي)، الذي تم تعينه كرئيس أركان، من أيام الكونغو ومن جراء حادثة البحر الأحمر (!!!!!!!!!!!).

10 – ما حقيقة القنوات السرية بين السادات والولايات المتحدة الأمريكية ؟؟ - وهي الواقعة التي نفاها فخامة الرئيس الحالي (!!) – وللأهمية ننقل ما قاله محمد حسنين هيكل للأخ السناوي (بجريدة العربي):

<< كانت إجابة الأستاذ هيكل: لست متأكدا أنني المقصود بما جاء في السؤال أو الجواب، وحتى لو كنت مقصوداً بالاثنين فقد تعودت ألا أجادل فيما يقال عنى أو ينسب لى، أما إذا كان الموضوع يهمك فى حد ذاته، أى موضوع الاتصالات التى أجراها الرئيس السادات أثناء حرب أكتوبر مع هنرى كيسنجر عن طريق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وقناتها السرية مع الرئاسة فى ذلك الوقت، فانك تستطيع الرجوع فيه إلى ما كتبه هنرى كيسنجر نفسه فى كتابه الأخير (الأزمة) - تشريح لأزمتين كبيرتين فى السياسة الخارجية. وإذا سمحت فسوف أبعث إليك نسخة منه، وميزة هذا الكتاب بالذات انه لا يحتوى إلا على نصوص لوثائق مكتوبة أو تسجيلات لمحادثات هاتفية مع الأطراف مسجلة أو محاضر سرية من ملفات البيت الأبيض فى عهد الرئيس ريتشارد نيكسون.

ويروى هنرى كيسنجر فى صفحة 110 من كتابه الأخير (الأزمة)، الصادر عن دار نشر سيمون وشوسيتر عام 2003: فى الساعة العاشرة والنصف بتوقيت واشنطن يوم 7 أكتوبر بعد نشوب العمليات العسكرية فى سيناء بساعات تلقيت اتصالا مستغربا من الرئيس السادات على شكل رسالة موقعة من مستشاره للأمن القومى حافظ إسماعيل وصلتني خلال قناة المخابرات الأمريكية، الرسالة تخطرنا بموقف مصر السياسى فى الحرب، وبصرف النظر عن الإشارات التى وردت فيها عن ضرورة العودة إلى خطوط 1967، فقد كان اعتقادنا بتحليل الرسالة أنها مجرد افتتاحية، وقد كان المهم فى نظرنا هو مخاطرة الاتصال بنا على هذا النحو فى هذه اللحظة، ذلك أن معنى هذه المخاطرة هو مايلى:

1- إن الاتصال بنا معناه أن الرئيس السادات قرر أن يعتمد علينا.

2- وأن معناه انه على استعداد بنواياه وسياساته أن يبتعد عن الاتحاد السوفيتى.

3- وأنه قرر أن يهجر رفاقه فى السلاح بما فى ذلك سوريا.

وكان تحليل عبارات الرسالة - على ما يضيف هنرى كيسنجر - يوحى لنا بوضوح أن السادات قرر عدم مواصلة الحرب بعد المدى الذي وصل إليه. ولم تكن هذه الاستنتاجات مجرد ظن، وإنما بدت نتائج حتمية من تصرفه فى هذه اللحظة على هذا النحو.

الفقرة الخطيرة فى رسالة السادات: أننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة. وعلى الفور اتصل كيسنجر (بوليام كولبى) مدير المخابرات المركزية الأمريكية فى ذلك الوقت - الذى كان قد اطلع على الرسالة الخطيرة، وتساءل مستغربا: لماذا لم ينتظروا؟.

ثم يروى كيسنجر على صفحتى 115، 116 من كتاب الأزمة انه نقل لسفير إسرائيل فى واشنطن (سيمحا دينتز) نص الرسالة التى يتعهد فيها الرئيس السادات بعدم تعميق مدى الاشتباكات او توسيع مدى المواجهة، وكانت تلك خدمة جليلة لإسرائيل فى أوقات حرب عصيبة. >>

ويضيف السناوي : << كان أنسب للرئيس مبارك قبل أن يقول كلمة للتاريخ ان يراجع الوثائق، التى بحوزة رئاسة الجمهورية، وعددها 93 رسالة جرى تبادلها أثناء العمليات العسكرية فى سيناء على هذه القناة السرية التى أنشئت أواخر عام 1971. وكان أنسب للرئيس مبارك أن يسأل ويستفسر، أو حتى يطلع على ما كتبه مستشار الأمن القومى المصرى فى ذلك الوقت (حافظ إسماعيل) فى مذكرات منشورة يؤكد فيها وجود قناة سرية أثناء حرب أكتوبر. والمثير أن الأستاذ محمد حسنين هيكل كشف فى 18 مايو 1983 - ولأول مرة - عن هذه الرسالة الخطيرة فى حوار نشرته صحيفة الاهالى. حدثت - يومها - ضجة كبيرة، وتعرض هيكل لهجوم عاصف من بعض الصحف القومية ارتطم بصخرة وثيقة مؤكدة. وكان تقدير هيكل - كما روى فى كتابه السياسة والسلاح - أن هذه الرسالة التى جرى توصيلها الى هنرى كيسنجر عبر القناة السرية التى تمر عن طريق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مثيرة للدهشة والاستغراب، وإن نص العبارة التى وردت فى الرسالة والتي جاء فيها بالنص فى البند رقم 6 : إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة كانت أول مرة - ربما فى التاريخ كله - يقول فيها طرف محارب لعدوه نواياه كاملة، ويعطيه من التأكيدات ما يمنحه حرية فى الحركة السياسية والعسكرية على النحو الذى يراه ملائما له وعلى كل الجبهات.. وذلك أن هذا التعهد ب عدم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة معناه بالنسبة لإسرائيل، وقد كانت الرسالة فى خاتمة المطاف واصلة إليها، أنها تستطيع ان تعيد ترتيب موقفها بأعصاب هادئة، وتستطيع تنظيم أولويتها.. وقد كان ذلك ما حدث فعلا، واختارت إسرائيل - الواثقة من نوايا الجانب المصرى - أن تركز كما تشاء على الجبهة المصرية لتصفية بقية الحساب.>>.

ثم يختتم السناوي تحليلاته (بأدب)، فحادثة الأخ قنديل لم تبرد بعد (!!!)،  قائلا: << ومعنى نفى الرئيس مبارك لما هو ثابت وموثق أن كلمته للتاريخ تفتقر للتوثيق والدقة فى أفضل الأحوال بما لا يدفع أحدا للاعتداد بها أو التعويل عليها فى كتابة التاريخ، وهو أمر لا يليق بشهادة منسوبة للرئيس>>.

11 – ما حقيقة الخطة السرية (الوهمية) التي أمر السادات بإعطاءها للقيادة السورية العسكرية اثناء التحضير لحرب أكتوبر، وهي مخالفة لخطة القتال الفعلية التي تم تسليمها للقوات المسلحة المصرية. وفي هذا الموضوع يقول الشاذلي: << لقد كنت اشعر بالاشمئزاز من هذا الأسلوب الذي يتعامل به السياسيون المصريون مع إخواننا السوريين، ولكني لم أكن لأستطيع أن أبوح بذلك للسوريين، وقد ترددت كثيرا وأنا اكتب مذكراتي هذه، هل احكي هذه القصة أم لا، وبعد صراع عنيف بيني وبين نفسي قررت أن أقولها كلمة حق لوجه الله والوطن. إن الشعوب تتعلم من أخطائها، ومن حق الأجيال العربية القادمة أن تعرف الحقائق مهما كانت هذه الحقائق مخجلة>>. عموما .. هذه الواقعة تؤكد السابقة (!!).

12 – وما حقيقة ما حدث في ثغرة الدفرسوار والتي ذكرناها مرارا وتكرارا في مقالات سابقة في أجزاء جاءت بسياق المقالات – ونضيف بالملخص الموجز الذي أورده الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركانحرب القوات المسلحة فى حرب أكتوبر فى اتصاله الهاتفى مع صحيفة (العربي) حيث أكد أنه قام بتدوين مذكراته كاملة (حرب أكتوبر) ومن يقرأها يجد الفارق التاريخي. وأردف سيادته:  أن تاريخه العسكري يمنعه من الرد خاصة أن رؤيته العملية خلال الحرب مدونة وموثقة.. وأنه أى الشاذلى لا يحتاج إلى شهادة أحد، فقد روى شهادته مستعينا ب الله راغبا فى إرضائه وليس إرضاء حكام أو محكوم وأنهى بقوله مذكرات موجودة ومن حق أى أحد من الشعب الاستعانة بها.

والملاحظة الأخيرة نقولها لمن يريد الإطلاع علي مذكرات الشاذلي، أنها جاءت أشبة بيوميات العمليات – حيث تم تدوين أدق التفصيلات والتوقيتات – ولم يتبق إلا القارئ والحكم والمحاسب. وسياقا واتساقا مع ما سبق وأوردناه من أن (لحاف صفية) هو الحل – فإن المحاسب هو الله – ولا حول ولاقوة إلا بالله.

13 – بالنسبة للسؤال الشهير، هل حرب أكتوبر كانت حرب تحريك أم حرب تحرير – فسياق الأحداث الساداتية يكشفها – من مبادرته الأولي عام 1971 إلي اتصالاته السرية مع الأمريكان إلي (غدره) بالحليف الروسي إلي (غدره) بالحليف السوري إلي اتصاله الصريح بكيسنجر وإقراره بنوايا القيادة السياسية ومن ثم كشف الإستراتيجية العسكرية (وهو الأمر الذي كان له عميق الأثر علي سير العمليات)، ثم الإنفراد بالقرار في المفاوضات (والتي كانت مذبحة من التنازلات حسب تعبير وزير الخارجية المستقيل وحسب ما شهدت به دموع الجمسي) ثم اللعب بالورقة الفلسطينية (ظاهريا) بشهادة أطراف المفاوضات (الإسرائيلية والأمريكية وبطرس غالي نفسه – إضافة إلي وثائق هيكل) وحقيقة المفاوضات أنها كانت أساسا بغرض الحل المنفرد (!) – ثم ما جري من خراب علي الاقتصاد المصري (77 مليار دولار شامل الديون العسكرية). إضافة إلي هذا كله فهناك مذكرات لأحد مستشاري الملك الحسن (المغرب) تؤكد اعتراف السادات ذاته بأن العملية العسكرية كانت لتحريك القضية وأنه لجأ إلي السلام مع إسرائيل لعلمه بعدم جدوى الحرب معها – فهي (حسب قوله) تنتصر دائما في كل حرب نخوضها – والمذكرات موجودة ونرجو أن ننشرها قريبا.

*************************

ثانيا وثالثا: لماذا تكتب وما هي الجدوي ؟؟

لماذا نكتب وماذا يمكن أن نضيفه علي عشرات المقالات الجادة التي كُتبت – فهناك مقال الأخ مجدي حسين(1) (مسرحية عماد مبارك فشلت فشلا ذريعا) – بجريدة الشعب - التي أورد فيها بالأرقام إنجازات مبارك التاريخية وأعلن عن أماكن أربعة قواعد عسكرية أمريكية علي التراب المصري – والشيء الوحيد الذي يمكن أن نضيفه هو شهادة احد الثقاة بوجود (تجمع عسكري أمريكي) في منطقة القاهرة الكبرى، ويروي لنا حادثة شخصية له في مطلع التسعينات بمقابلته لمجموعة سائحين أمريكان في رحلة جوية (نيويورك – القاهرة) وعلم أن الزوجة إسرائيلية أمريكية وتجيء للقاهرة لزيارة شقيقها الذي يعمل في قاعدة (.......) الجوية ويقيم بالقرب منها ويمكنه بما يتمتع به من إمتيازات وتسهيلات من توفير جولة سياحية جيده لها - والشاهد موجود ومستعد للشهادة أمام (لجنة قضائية مستقلة) ليست تابعة لوزارة العدل – أو أمام لجنة برلمانية منتخبة وليس أمام المجلس الحالي – أي باختصار إنه لن يشهد (!!؟؟).

وهناك مقال الأخ محمود زاهر – بالشعب أيضا – والذي أشار فيه إلي الخطط التي كانت معدة لتصفية الثغرة من جانب العسكريين المصريين ولم ينفذها السادات – وهو هنا يقصد الخطة (شامل) – والتي تم تنفيذها لاحقا أو شبيه بها – في معركة (الفاو).

وهناك مقالات العربي الناصري(2) وخاصة الأخ السناوي (مقال صدمة الست ساعات)، واستطلاع الرأي المميز للأخت رهام سعيد (صدمة الشعب المصري)، والمقال الساخر للأخ السفير أمين يسري (فيلم زورو الجديد .. سينما أونطة)، ومقال الأخ د. أحمد ثابت (طوابير العيش أهم إنجازات مبارك)، وهناك مقال الأخ د. محمد أبو الغار في نداء أخير(أنصتوا إلينا قبل أن تضيع مصر) وإن كنا لا نتفق معه (!!) في مقولته << مجموعة الحرس القديم للرئيس مبارك تحارب معركتها الأخيرة قبل الاعتزال المؤكد الذي هو قادم لا محالة في فترة أقصر مما يتوقع الجميع>>، لأنه أغفل أن هناك حرسا جديدا متنمر وينتظر فرصة الوثوب، ومن أفراده فخامة وزير الإعلام الجديد الذي جاء بالمقال قوله (أن سيدة مصر الأولي هي أستاذته ومعلمته !!). أما أطرف المقالات فهي ما جاء به الأخ قنديل في عاموده (لوجه الوطن) من قوله: << المفاجأة الحقيقية في حوار الرئيس مبارك السينمائي هي أنه كفي معارضيه شر القتال والجدال، وأثبت بروايته قبل روايات الآخرين أنه قد لا يصلح رئيسا لمصر>>، ولا نعرف لماذا استخدم الأخ قنديل كلمة (قد) ؟؟. وهناك أحمد الجمال الذي عبر عن قضية المواطنة بقوله: << نحن يا مولانا في زمن الصراع التاريخي الدموي الرهيب بين مواطن اسمه (أحمد السيد) وزميل له في حق المواطنة اسمه (هاني عنتر). وربما لا تدري، ولا السيد عماد أديب يدري بالطبع أن (أحمد السيد) وهو طالب بكلية الحقوق.. أقدم منذ أيام علي قتل (هاني عنتر) العامل الزراعي. وسبب الجريمة البشعة كما ذكرت الصحف حرفيا هو صراع هذين المواطنين علي أولوية الحصول علي.. رغيف الخبز الجمهورية عدد 28/4/2005>>. وهناك أسرار يكشفها أمين هويدي (حرب الفرص الضائعة) والتي أظهر فيها حقيقة دور القوات الجوية وتواضع أعمالها في حرب أكتوبر وعدم إستغلال القيادة السياسية لنتائج النجاح الأولية (وهو الأمر الذي يوضح أن الحرب كانت تحريكا وليس تحريرا). ثم هناك المقال الجامع للأخ السويركي (قصة ثغرة الدفرسوار وكيف أن السادات لجأ إلى التهوين من شأن الثغرة الإسرائيلية، وكيف فقد أعصابه وثار في وجه الشاذلى مهددا بمحاكمته).

أما الذي أبكانا فهو التقرير الميداني عن حوادث الاعتقالات الأخيرة (جنبوا كل انتماءاتهم السياسية وتظاهروا فى 31 مدينة - الآلاف يصرخون: كفاية) وخاصة قصة الرجل المسن الكهل الذي أختطفه زبانية جهنم وهو العجوز (خالد حمزة) 71عاماً الذى شاهده (توم بيرى) مراسل رويترز يشكو من آلام بظهره من أثار الضرب والعجن.. فقط لأنه حاول أن يمر إلى مكان المظاهرة فمنعته الشرطة. والعجوز قال للمراسل إنه أصر على الوصول إلى المكان الذي يريده  فأمسك به رجال المباحث وأوسعه أحدهم ضرباً وعندما حاولوا وضعه فى سيارة أجرة.. صرخت فى الناس من حولي.. ألحقوني عساكر مبارك بتخطفنى.. فتركونى>>.

صدق هذا الرجل العجوز ... أنهم فعلا (عساكر مبارك) – وليسوا عساكر مصر (!)

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية

الأربعاء 4 مايو 2005 م

__________________________________________________________________________

(1) جريدة الشعب الإلكترونية – الجمعة 29 إبريل 2005.

(2) جريدة العربي الناصري – الأحد 1 مايو 2005.