فعنونو والبرادعي لا بدّ من
المقارنة
بقلم :رشاد
أبوشاور
قضى الفني مردخاي
فعنونو ، المغربي الأصل ، ثمانية عشر عاماً في السجون ( الإسرائيلية ) بعد فضحه
للترسانة النووية التي تمتلكها ( إسرائيل) ، وإفشائه لأسرارها للصحيفة البريطانية (
صندي تايمز) ، ومن ثمّ اختطافه بعد استدراجه بواسطة امرأة وثق بها .
لم يصمت رغم معاناته
في السجن الانفرادي ، فما أن انتهت مدّة محكوميته وعند الإفراج عنه ، وأمام
الصحفيين والمستقبلين ، والشاتمين المسعورين العنصريين ، وقف عند بوّابة السجن
وأطلق تصريحات تحذّر مّما تملكه ( إسرائيل) من أسلحة نووية ، وطالب بأن تفتّش
الهيئة الذريّة الدولية مفاعل ديمونة الذي عمل فيه من قبل واطّلع على الكثير من
أسراره .
العرب هم الطرف
المعني بما تمتلكه ( إسرائيل) في ترسانتها النووية ، فهم الهدف ، وكثير من مدنهم
محمّلة على مواقع جاهزة للتدمير بالرؤوس النووية ، ولكن الدول العربية لم تبذل
أدنى جهد للاستفادة من شجاعة وتضحية فعنونو ، وتوظفها في حملة عالمية هدفها فضح
ادعّاء تلك ( الدولة) بأنها ضعيفة ومستهدفة من العرب ، وضرورة تجريدها من أسلحة
الدمار الشامل .
حذّر فعنونو الدول
العربية القريبة من الخطر ، وناشدها أن تفعل شيئاً لحماية حاضرها ومستقبل أجيالها
، ولكن لا حياة لمن تنادي ، فبعض هذه الدول العربية انشغل كثيراً بمطاردة العراق ،
وكانت مأثرته تحويل أراضيه لقواعد تسّهّل شن العدوان عليه واحتلاله وتدمير طاقاته !
.
قبل أيام توجّه
فعنونو إلى بيت لحم لحضور احتفالات أعياد الميلاد ،فكانت أجهزة الأمن ( الإسرائيلية)
التي تحصي أنفاسه بانتظاره _ محرّم عليه زيارة مناطق السلطة الفلسطينية ،
والالتقاء بالصحفيين _ فقبضت عليه وأوقفته ، وفرضت عليه دفع خمسين ألف شيكل ( 11500 دولار) كفالة قبل أن تفرج عنه ، غير مراعية أنه
اعتنق المسيحية وأنه يقيم في مبنى كاتدرائية سانت جورج الإنغلكانية في القدس
الشرقية .
لقد قدّم مردخاي
فعنونو أمثولة إنسانية بتضحيته بوظيفته ، وتحوّله إلى الديانة المسيحية ، مديناً
بكل ذلك عنصرية الكيان الصهيوني ، وشرّه المضمر والذي يتهدد منطقة ( الشرق الأوسط )
كلّها ، بل والعالم أجمع ، وهو لم يجد من يقف معه جديّاً ، فالدول الأوربية
الديمقراطية ترتعد خوفاً من اتهامها بمعادة السامية ، التهمة التي يشهرها
العنصريون الصهاينة في وجه كل من ينتقدهم ولو نقداً خفيفاً ، أفراداً ، وجماعات ،
ودولاً ، واإدارة الأمريكية موقفها منه هو نفس موقف ( الدولة ) العنصرية التي يحمل
جنسيتها .
مدير الوكالة الدولية
للطاقة الذريّة محمد البرادعي المشغول الذي انهمك جداً في الفوز بفترة ثالثة ، لم
يبذل جهداً جديّاً لفرض التفتيش على المنشآت التي تمتلكها ( إسرائيل) ، ولم يستجب
هو العربي المسلم لنداءات الفنّي السابق في ديمونة فعنونو الذي ناشده أكثر من مرّة
وعبر الصحافة أن يتوجّه إلى ( إسرائيل) مع خبراء دوليين للاطلاع على ما تمتلك .
البرادعي العربي
المصري المسلم بذل جهوداً مبالغ بها في التفتيش عن أسلحة دمار شامل في العراق ،
معرّضاً ذلك القطر العربي العريق للإذلال والقهر والمهانة والخسارة ، ومطيلاً
سنوات الحصار بمراراتها وما جرّته من موت وخراب وإنهاك ! .
الآن ، وبعد ما لحق
بالعراق ، وما يعانيه من قتل ودمار بفضل الاحتلال ( الديمقراطي) الأمريكي
البريطاني الصهيوني ، يطلع علينا البرادعي بتصريحات يجزم فيها أن العراق ، أبداً
لم يمتلك أسلحة دمار شامل !.
ولكن ، لماذا لم يكتب
هذا الكلام القطعي في تقاريره ، ولماذا لم يعلن بمثل هذا الجزم أمام العالم خلو
العراق من أسلحة الدمار الشامل ، فيحرج مخططات الإدارة الأمريكية ، ويضع مجلس
الأمن ، وأمين عام الأمم المتحدة ، وهيئة الأمم ، أمام هذه النتيجة التي تفضح
نوايا الإدارة الأمريكية ؟!
لقد ضحّى فعنونو بكل
امتيازاته ، وسلخ أجمل سنوات شبابه في السجن ، ومازال يعيش حياة قاسية مواصلاً
معركته بنزاهة ضمير ، مختاراً الانحياز لإنسانيته ، مقدماً مثالاً ناصعاً على
التضحية في سبيل الحق وخدمة البشريّة .
لم يحظ فعنونو بالدعم
العربي ، لا رسميّاً ولا شعبياً ، فثمّة جبن ، وحذر ، وانتهازيّة ، رغم أن معركة
فعنونو ضد دولة كان ينتمي لها هي معركتنا ( نظرياً) ، وإن كانت دولنا وحكوماتنا
ترتعد من العين الحمراء الأمريكية ، وشعارها : بلاش وجع راس ، هذه الدول غير
المعنية لا بحاضر الأمة ولا بمستقبلها .
لقد حاول فعنونو أن
يجد لنفسه مكاناً آمناً في دولة ما تقبل به لاجئاً على أرضها ، أو تمنحه جنسيتها ،
وكان حري بالمغرب مثلاً إعادة منحه الجنسية كونه من أصول مغربية ، وهذا أقل ما
يستحّقه كتقدير لتضحيته وجسارته .
قبل أن يفضح فعنونو
بسنوات أسرار الترسانة النووية ( الإسرائيلية ) ، أصدر سيمور هيرش كتابه ( الخيار
شمشون ) والذي ترجم للعربية وصدر في مصر عن دار الهلال ، ولكن دولنا لم تكترث لما
جاء في كتاب الأمريكي المطلع هيرش ، فهي دول يؤرّقها أن تشتري جارتها العربية قطعة
سلاح جديدة لأنها ترى فيها تهديداً ( لأمنها) ، لا الوطني ولا القومي ، ولكن كنظام
حكم ليس إلاّ .
الخيار شمشون هو خيار
: علّي وعلى أعدائي ! ، وهو خيار ( إسرائيل)
، ويمثّل العقلية الصهيونية التي تملك تحت يديها ما يمكّنها من جعل منطقتنا جحيماً
! .
حتى الذين يعرفون أن
العمر الزمني لمفاعل ديمونة _ وهو فرنسي المنشأ _ قد انتهى ، وهو ما يشكّل خطراً
لا يقّل عن كارثة تشيرنوبل ، فإن الصمت مطبق ، والحديث يتواصل عن سلام الشجعان ! السلام
الذي تفرضه الأنياب النووية لعتاة الصهاينة العنصريين ! .