مكاسب أردوغان الكبيرة من الرحلة إلى أوروبا
بقلم :ياسر
الزعاترة
عاد رئيس الوزراء
التركي وزعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان من بروكسل حاملاً في جيبه
بطاقة التأهل لمسابقة دخول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعد إنجازاً يستحق
الاحتفاء، ليس من قبل أعضاء حزبه الذين خرجوا في استقباله ووصفوه بفاتح أوروبا، في
استعادة لسيرة محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية، بل أيضاً من قبل الشارع التركي الذي
كان تفاعله مع الحدث أقل حماسة من أعضاء العدالة والتنمية، ربما بسبب الشروط
الصعبة التي وضعت على تركيا من أجل الوصول إلى العضوية الكاملة في الاتحاد
الأوروبي، فضلاً عن المدى الزمني الطويل الذي قد تستغرقه الرحلة (5 إلى 10 سنوات)،
والأهم عدم التأكد من إمكانية النجاح كما نصت الاتفاقية المتوقعة التي أطلقت
المفاوضات بدءاً من الثالث من تشرين الأول المقبل.
والحال أن هواجس
الشارع التركي ليست بعيدة عن الواقع، فالاتفاقية لا تشير إلى استحقاق بقدر ما تشير
إلى وعد يرتبط تحقيقه بشروط كثيرة من بينها شرط الاعتراف بدولة قبرص، والتي كانت
قد رفضت خطة أمين عام الأمم المتحدة بشأن توحيدها مع قبرص التركية، على رغم موافقة
هذه الأخيرة، فضلاً عن شروط كثيرة تتعلق بالأنظمة والقوانين المعمول بها في تركيا.
هناك إضافة إلى ذلك
رفض شعوب القارة الأوروبية لإدخال تركيا في عضوية الاتحاد، وهو الرفض الذي يتبدى
واضحاً في عدد من الدول من بينها النمسا وفرنسا، وهما الدولتان اللتان وعدتا
بإجراء استفتاء على دخول تركيا، الأمر الذي قد يفضي إلى الرفض حتى لو طبقت تركيا
كل الإصلاحات المطلوبة.
كل ذلك لا يقلل من
قيمة الإنجاز الذي تحقق، فقد اقتربت تركيا من محطة الدخول الفعلي للاتحاد، وهي لن
تألوا جهداً في توفير جميع الشروط المطلوبة، وفيما سيكون ذلك عنواناً لمزيد من
الانتعاش الاقتصادي الذي تحقق في عهد أردوغان، تبعاً لاحتمالات تدفق الاستثمارات
الأجنبية على تركيا بعد القرار الأوروبي، فإن تطبيق الشروط المذكورة سينطوي في
الأصل على تحقيق الكثير من المكاسب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لتركيا.
لعل الجانب الأهم في
حسنات مسيرة الزحف نحو أوروبا هو التخلص التدريجي من حكم العسكر الذي أذاق البلاد
الكثير من الويل خلال العقود الماضية، وتسبب عبر خطاب علماني قومي متطرف ليس له
مثيل في العالم في خلق الإشكال الكردي الذي أخرج ربع سكان البلاد من دائرة الولاء
والانتماء، بل ودفع بعضهم إلى الخروج المسلح على الدولة في حرب طويلة كلفت البلاد
الكثير من الخسائر المادية والبشرية، فيما سعى بذات الروحية العلمانية القسرية إلى
حمل الشعب بأسره على تجاهل دينه وهويته، ولا تسأل عن الفساد الذي ضرب الاقتصاد
وأفسد الحياة السياسية برمتها.
ما يفترض أن يحدث
خلال رحلة تركيا نحو الاتحاد الأوروبي هو العمل على إخراج العسكر تدريجياً من
الحياة السياسية، حتى لو لم يكن بالإمكان شطب نفوذهم بشكل نهائي، وهو ما يعني أن
أردوغان وأصحابه سيكونون أكثر حرية في سعيهم لفتح الآفاق أمام تركيا قوية على
مختلف الأصعدة، مع تهيئة الأجواء لعلمانية متصالحة مع الدين أقرب ما تكون إلى
النموذج الأنجلوساكسوني. أما خوف البعض على إسلام تركيا فلا يبدو محقاً، لأن
الإسلام اليوم هو أكثر الأديان قابلية للانتشار في العالم، وإذا كان الأمر على هذا
النحو في ظل ضعف المسلمين فكيف سيكون عندما يصبحون أنداداً للغرب على مختلف
الأصعدة؟ ونتذكر على هذا الصعيد تجربة المهاجرين الأتراك الذين يعيشون في ألمانيا
ويضطر أبناؤهم لتعلم لغة مختلفة، ومع ذلك لم يفقدوا هويتهم، فهل سيفقدها بلد
بأكمله، وهو الذي ظل محافظاً على هويته رغم 80 سنة من العلمنة القسرية.
والحال أن ذلك هو
جوهر مشروع أردوغان الحقيقي وليس كما يفهمه بعض الإسلاميين في العالم العربي،
والذين يعتقدون أن الرجل إنما يمارس التكتيك من أجل الوصول إلى دولة إسلامية في
تركيا على غرار الطرح القديم لشيخه أربكان، والذي يقترب من طروحات الحركة
الإسلامية في العالم العربي.
إنه رجل دولة قومية
أقرب ما تكون إلى الطبعة الأوروبية ذاتها، وليس صاحب مشروع أممي إسلامي كذلك الذي
كان يتبدى أثناء الاحتفال السنوي بفتح القسطنطينية الذي دأب أربكان على تنظيمه
سنوياً عندما كان في أوج قوته، فيما كان أردوغان واحداً من نوابه الواعدين، وذلك
في استعادة واضحة لأحلام الخلافة العثمانية، ولعل ذلك هو السبب الكامن خلف حرص
أربكان على حضور زعماء الحركات الإسلامية للاحتفال، لكأنهم ولاة الأمصار جاؤوا
يبايعون أو يقابلون الخليفة المتوج.
قد يفتح أردوغان بما
يفعله الباب أمام ظهور مشروع مثل مشروع أربكان، لكن ذلك سيحتاج زمناً مختلفاً
وظروفاً موضوعية مختلفة وربما أشخاصاً مختلفين أيضاً، من دون أن يقلل ذلك من قيمة
إنجازه هو في رحلته السياسية من بلدية اسطنبول وحتى مبنى رئاسة الوزراء. ويبقى أن
أمام الرجل مهمة بالغة الحساسية في مواجهة العسكر الذين لن يسكتوا على سياسات
تهميشهم، ولن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يشاهدونه يسحب البساط من تحت أرجلهم، فيما
سيكون عليه أن يوازن بدقة بين هواجس عدم الدخول في صدام معهم وبين التواصل الحساس
مع الشارع الشعبي الذي لا يحب زعيماً يبيع الولاء لهم بالحرص على البقاء في السلطة.
ونتذكر هنا تجربة شافيز في فنزويلا، وكيف أعاده الناس إلى قصره من جديد بعد إطاحة
العسكر به لحساب الطبقة الغنية المناهضة لسياساته، مع أن عدم التأكد من أمر كهذا
لا يمنح المبرر للتراجع المضطرد، فما بين المرونة والمناورة وبين الخضوع الكامل
وبيع مصالح الجماهير بون شاسع لا بد من إدراكه حتى لا يتحول الحرص على البقاء في
السلطة إلى هاجس وحيد ينسي كل ما عداه..