التعديل الدستوري يجتاح «إسرائيل»
بقلم: د. عبدالستار
قاسم
لم يعد التلاعب
بالدستور عندما تطرأ مصالح شخصية أو حزبية أو سياسية من شيم العرب فقط، بل امتد
ليشمل “إسرائيل” أيضاً. يبدو أن التأثر بالمحيط في منطقتنا العربية ليس باتجاه
واحد فقط وإنما بعدة اتجاهات. العدو المنتصر ليس وحده الذي يؤثر بالمهزوم، وإنما
يؤثر المهزوم بالمنتصر أيضا. لقد أثر المحيط العربي على مدى السنوات على مستوى
الفساد وأساليبه في “إسرائيل”، وها هو يؤثر الآن على احترام القواعد القانونية
الأساسية. ربما لم تتأثر “إسرائيل” بالمحيط العربي مباشرة من حيث الدروس المستفادة
لكن اللعنة لا بد أن تصيب الجيران. “إسرائيل” تسير الآن في الركب تمريراً لمصالح
سياسية حتى لو كانت على حساب المصالح العامة.
قرر شارون إعطاء
شيمون بيريز منصب نائب أول لرئيس الوزراء، ليتراجع أولمرت وهو من حزب الليكود إلى
نائب أدنى. دار جدل طويل بين الليكود والعمل حول توزيع المناصب الوزارية والحصص
التي ستكون من نصيب الحليف الطازج لليكود، واصطدمت إرادة التحالف بالمنصب الرئيسي
الذي سيشغله حزب العمل وبالتحديد بيريز. لم تتفتق عبقرية الحزبين في النهاية إلا
عن تجاوز الأعراف الدستورية المعمول بها وابتكار منصب جديد يضع حداً للجدل ويسرّع
من عملية تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة.
لا يوجد في “إسرائيل”
دستور مكتوب. إنها على شاكلة بريطانيا، تعتمد على وثيقة الاستقلال والأعراف
القانونية وقرارات المحكمة العليا، الخ، لتستجمع تراثاً دستورياً أصبح راسخاً
ومحترماً من قبل مختلف الهيئات القانونية والسياسية. قضت الأعراف أن يكون هناك
نائب واحد لرئيس الوزراء، والآن يقوم زعماء الليكود والعمل على استقطاب تأييد
أعضاء الكنيست الصهيوني ليصوتوا لصالح التعديل المقترح.
هل سيوافق الكنيست
على هذا التعديل؟ يبدو من الأرقام المتوفرة حتى الآن أن الموافقة ستتم ربما ليس
بأغلبية ساحقة ولكن بأغلبية كافية. هناك من سيعارضون حتى من داخل الليكود والذين
لا تعجبهم خطة شارون للانسحاب من غزة، لكن الأغلبية تبدو شبه مضمونة.
موافقة الكنيست هذه
المرة على التعديل الدستوري ليست هي المهمة في فهم ديناميكية السياسة الداخلية “الإسرائيلية”،
إنما يكمن المهم في أن الكنيست بات منذ حوالي عشرين سنة موقعاً للصفقات السياسية
والمزايدات وتغيير التحالفات والانقلابات الحزبية. شهد الكنيست داخل أروقته
وخارجها مفاوضات صعبة وقاسية بين الأحزاب المختلفة عبر الثمانينات والتسعينات من
أجل تشكيل الحكومة الائتلافية. لم يعد حزب واحد يستطيع تشكيل حكومة “إسرائيل” وحده،
ولم يعد هناك مفر من اللجوء إلى الأحزاب الصغيرة لعمل التحالفات اللازمة. وهذا ما
أدى إلى عدم استقرار حكومة “إسرائيل” واللجوء إلى الانتخابات المبكرة كحل وحيد
أمام مختلف القوى السياسية لحسم قضايا سياسية مهمة.
لم تكن المفاوضات بين
الأحزاب (أحصر حديثي هنا بالأحزاب الصهيونية من دون العربية) مصبوغة بالصبغة
الوطنية بقدر ما كانت وما زالت بالصبغة الخاصة. أي إن المصالح الخاصة للحزب كانت
تسيطر في أغلب الأحيان، وليس في كل الأحيان، على أسلوب المفاوضات وشروط الانضمام
للحكومة أو معارضتها. هناك أحزاب تقرر دخول هذه الحكومة أو معارضتها لأسباب
ايديولوجية مثل حزب المفدال، لكن هناك أحزاب لا تهمها الايديولوجيا مثل حزب شاس. على
الرغم من أهمية الموقف الايديولوجي، إلا أن المصالح الخاصة للأحزاب لا تزال لها
اليد العليا وهي التي تحسم مواقف عدد من الأحزاب الصغيرة بخاصة. أي إن المسألة
تتعلق بمواقف انتهازية تنطوي على أرباح ذاتية أكثر مما تنطوي على مبادئ وقيم
سياسية عليا.
ولهذا كان المراقب
يجد أن المفاوضات الحزبية نحو تشكيل حكومة تتركز حول نصيب كل حزب من الكعكة
الحكومية وليس حول المبادئ والمعايير السياسية التي ستحكم سياسة الحكومة. خلافات
واسعة كانت تطرأ حول توزيع الحقائب الوزارية ونواب هذه الحقائب ووكلائها. وفي كثير
من الأحيان كانت المفاوضات تنهار نظراً لخلاف على منصب نائب وزير أو على المبلغ
الذي يتم تخصيصه لمؤسسات حزبية أو شبه حزبية. لكن لا نغفل أيضاً أن محادثات كانت
تنهار أيضاً بسبب مواقف سياسية وايديولوجية.
في الوضع الذي نحن
بصدده الآن، حزب العمل مرتاح لخطة شارون للانسحاب من غزة حيث إن الحزب دعا إلى
الخروج من قطاع غزة منذ زمن طويل من دون أن يكون قادراً على التنفيذ. لكن الحزب
يريد الخروج من القبور أيضا. تمزق حزب العمل عبر السنوات ولم يعد قادراً على
الوقوف على قدميه، وهذه فرصة ذهبية بالنسبة له ليعود إلى صدر المسرح السياسي عساه
يلملم جراحه ويوحد صفوفه استعداداً للانتخابات القادمة. أي إن الليكود بالنسبة
للعمل عبارة عن مطية يمكن العبور عليها إلى بر المنافسة السياسية المتكافئة. علماً
أن ما يقوم به شارون عبارة عن إضعاف لليكود، وما يقوم به العمل لن يزيد ضعف
الليكود إلا ضعفاً.
يفضل حزب العمل
انسحاباً من غزة بالاتفاق مع السلطة الفلسطينية، لكن مصالحه لا تجعله يصر على هذا
المطلب الذي قد لا يروق لشارون. مصلحة الحزب في النهاية تبقى هي العليا حتى لو
انطوت على تجاوز لمبادئ وقيم تعتبر أساسية في البناء السياسي والايديولوجي. بالأمس
انتقدت وسائل إعلام “إسرائيل” وأحزابها التعديلات الدستورية العربية المصلحية،
وجعلت من العرب مادة للتندر والاستهزاء، لكنها الآن تقع في نفس الموقف الذي لا
يعبر إلا عن مواقف مصلحية خاصة. غابت تلك الروح السياسية القديمة التي رافقت قيام “إسرائيل”،
وتحولت الفضيلة في كثير من الأحوال إلى إنجازات ذاتية. في هذا مؤشر تدهور أخلاقي
يلقي بظلاله على التماسك السياسي ل”إسرائيل”، لكنني لا أظن أن العرب سيستفيدون من
هذا التطور الذي يتعمق يوماً بعد يوم.