زلزال المحيط الهندي: الإنسانية يجب أن لا تشتعل لحظة ثم تخبو

 

 

 

بقلم: حسين العسكري*

 

ما من شك في أن الكارثة الإنسانية الرهيبة التي اجتاحت الدول المنكوبة في كارثة المد الزلزالي (تسونامي) في المحيط الهندي تحتاج إلى كل ما هو ممكن تقديمه من مساعدات فورا لتفادي كارثة أكبر قد تصيب الناجين بسبب الأمراض الوبائية وقلة الماء النظيف والغذاء والمأوى. كما أن روح التضامن والتعاضد والتعاطف التي عمت في أنحاء العالم قل نظيرها في التاريخ الحديث، وأن المساعدات التي يقدمها الأفراد بمبادرات فردية وصلت إلى مديات غير مسبوقة. لكن ما ينبغي طرحه أمام العالم اليوم هو أن هذه الكارثة يجب أن توقظنا من سبات اللامبالاة تجاه أحوال البشر، وأن تدرك شعوب العالم الأكثر حظا في المعيشة أن هناك جريمة ارتكبت ضد شعوب عديدة في العالم إن لم يكن أكثرها نتيجة السياسات المالية والاقتصادية المتبعة خلال أكثر من ثلاثة عقود، تم خلالها حرمان قارات بأكملها من نعمة التنمية والتقدم الاقتصادي.

 

إن الحل الناجع للأزمة الحالية الذي يمكن أن يصبح حلا مستديما لأزمات ومآسي شعوب عديدة في العالم هو تأسيس نظام مالي عالمي عادل، أول شروطه تجميد أو إلغاء جميع ديون دول العالم النامي. إن الأبعاد الحقيقية للجريمة المرتكبة بحق هذه الشعوب تظهر بجلاء إذا أخذنا مثالا من الشعوب المنكوبة. هناك مفارقة حول المساعدات المالية. صحيح أن مجمل المساعدات التي تم جمعها في الأسبوع الأول من الكارثة قد وصلت إلى حوالي 2 مليار دولار لجميع الدول المنكوبة (مما هو معروف من كوارث سابقة أن جزءا بسيطا فقط من المبلغ الموعود يصل إلى الدول المحتاجة). لكن لنلق نظرة على ديون هذه الدول التي تتراكم بفعل الفوائد الجائرة والشروط القاتلة لصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية. إن الدين الخارجي لإندونيسيا يبلغ 135 مليار دولار، الهند: 93 مليار، تايلند: 53 مليار، سريلانكا: 10 مليار، ماليزيا: 48 مليار والصومال: 2.6 مليار دولار. فقط إندونيسيا وضعت الآن في ميزانيتها 250 مليون دولار عليها أن تدفعها في شهر فبراير لبنوك عالمية كخدمة ديون وفوائد وعليها أن تدفع مثلها حوالي كل شهرين.

 

إذا تم تجميد هذه المدفوعات كخدمات ديون فإن هذه الدول ستتوفر لديها في خزائنها فورا مليارات مخصصة للدفع إلى الدول الدائنة الغنية. فمن يساعد من؟ إن هناك تحويل أموال عكسي من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية. يتم هذا كل يوم وكل أسبوع وكل شهر. هناك عملية امتصاص دم مستمرة منذ سنين طويلة. أما المساعدات "الإنسانية" إلى الدول الفقيرة التي تتفاخر بها الدول الغنية (بدون تشكيك في النية السليمة لمواطني هذه الدول) فلا يمكن مقارنتها مع ما ترسله الدول الفقيرة في الاتجاه الآخر.

 

إن لحظة الحقيقة ستأتي في يوم 12 يناير في باريس عندما يجتمع أعضاء نادي باريس للدول الدائنة التي تعتبر أغنى دول العالم. الاقتراح الذي قدمه المستشار الألماني بخصوص تجميد أقساط الديون المنتظر أن تدفعها إندونيسيا والصومال في الشهر المقبل خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح. لكنها خطو واحدة يجب أن تتبعها خطوات. وعلى الدول الإسلامية أن تدعم هذا التوجه بكل طاقاتها.

 

ما يجب أن يحصل بالتزامن مع عملية تجميد أو إلغاء الديون هو أن تمنح الدول المنكوبة السيادة الكاملة على اقتصادها للدفاع عنه. إن عملات هذه الدول ستتأثر بالتأكيد والمضاربون يقفون مثل الضباع بانتظار الانقضاض عليها. إن انخفاض قيمة عملات هذه الدول سيعني أن عليها أن تعمل بجهد مضاعف وهي المنهكة من الكارثة لكسب نفس كمية العملات الأجنبية لتسديد الديون وإعادة الاعمار. يجب أن يسمح لهذه الدول أن تحمي عملاتها من خلال إجراءات حماية وتنظيم لعملاتها وأسواقها المالية لمنع هروب الأموال، أي حماية الاقتصاد الوطني من ما يسمى "قوى السوق الحرة". هذا النوع من الحماية ممنوع وفق قواعد صندوق النقد الدولي. كما يمنع الصندوق هذه الدول من توليد الموارد المالية داخليا لدعم جهود إعادة البناء مثل إصدار الاعتمادات والاقتراض داخليا. قواعد الصندوق تقول أن الدول لا يمكنها الإخلال بتوازن ميزانياتها عن طريق الاقتراض حتى وإن كان ذلك ضروريا. الدولة الوحيدة المسموح لها بذلك هي الولايات المتحدة. هذا لا يترك أمام هذه الدول إلا قطع ميزانياتها أي اتباع سياسة تقشف وطنية لتوفير فائض معين، لكن هذا فقط سيزيد من الأزمة الوطنية سوءا. البديل الآخر المتروك أمامها هو الاقتراض بشروط مجحفة من الخارج، مما سيزيد أزمة ديونها تفاقما. البديل المعقول الوحيد هو أن يسمح لحكومات هذه الدول بالاقتراض من بنوكها الوطنية، حيث لك يكلف أية فوائد، كما أنها لا تسبب التضخم لأن تلك الأموال ستخر في عملية إنتاجية محورها الأساسي إعادة إعمار المناطق المخربة. هكذا عملت الولايات المتحدة في الثلاثينات بقيادة فرانكلن روزفيلت للخروج من الكساد العظيم، وهكذا سمح لأوربا بإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية ضمن خطة مارشال، وهذا ما تفعله الصين اليوم لبناء أكبر اقتصاد في العالم على المدر المتوسط والبعيد. لكنه محرم على إندونيسيا ودول العالم التي وقعت تحت طائلة صندوق النقد الدولي والدول الصناعية الداعمة له.

 

أليس من الإنسانية السماح لشعوب العالم أن تبني اقتصادياتها بنفسها. أليس من المفيد للدول الصناعية أن هذه الدول في أثناء بناء اقتصادياتها ستكون بحاجة لاستيراد التقنيات والأجهزة والمكائن المتطورة الضرورية لتلك العملية من الدول الصناعية. أليست هذه تجارة أكثر عدلا بدلا من مص الدماء وتحويل شعوب آسيا إلى عمالة رخيصة وخدم في المنتجعات السياحية. على الأفراد الذين يقدمون المساعدات المالية اليوم لضحايا كارثة الزلزال في المحيط الهندي (بلا شك بكل نية حسنة وتعاطف) وهو بحد ذاته أمر حاسم لإنقاذ هؤلاء الضحايا في اللحظة الراهنة، أن يفكروا إلى أبعد من ذلك لأن الإنسانية لا تعيش للحظة واحدة ثم تنطفئ.

-----------------------------

 * كاتب في مجلة إكزكتف إنتلجنس ريفيو