خلفيات وأبعاد إنهاء عسكرة الانتفاضة

 

 

 

بقلم: بسام الشكعة

 

تتكرر دعوات إنهاء عسكرة الانتفاضة حتى برزت مؤخرا على لسان مرشح السلطة للرئاسة بصورة علنية وواضحة أثناء زيارته للدول الخليجية........!؟ بعد أن كانت تتم ضمن أجواء من التساؤلات حول أزمة القضية الفلسطينية والنضال لتحريرها من جهة والاتهامات الموجهة من القوى المعادية للمقاومة بالإرهاب حيث كان المقصود من ذلك توسيع الرأي القائل بتصفية المقاومة المسلحة لأنها أصبحت تضر بالحلول المطروحة للقضية بعيدا عن التحليل التاريخي لطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي وتطوراته متناسين أن اكتساب م.ت.ف. تمثيلها الشرعي لشعبنا وقيادتها لنضالنا كان نتيجة الثورة المسلحة التي نالت ذلك الدعم الوطني والقومي والإسلامي والدولي حيث زاد المعترفين فيها الاعتراف بالكيان الصهيوني. حيث كان ذلك اختراقا للمواقف السياسية للدول العربية وحركات التحرر فيها التي حجبت الإرادة القومية عن مواجهة التحديات الصهيونية الاستعمارية التي كان الكيان الصهيوني القاعدة الإسترا تيجية لها مما ساهم في تضليل الرأي العام الدولي وبالخصوص حركة التحرر العالمي عن رؤيا ذلك لطبيعة علاقته بالأهداف الاستعمارية على الساحة العالمية، حيث أدى ذلك إلى التأييد والدعم للمنظمة ونضال شعبنا على مختلف الساحات وبقيت المنظمة بنضالها المسلح بحدوده المفروضة تواجه التيارات السياسية على الساحات المحلية والعربية والإسلامية والدولية الرسمية المتساوقة أصلا مع المخطط والبرامج الإستعمارية على الساحة العالمية. حتى بدأت تتسرب معطياتها إلى القيادة المتنفذة للمنظمة والتأقلم مع قادم الأطروحات السياسية للحلول الإستسلامية بدءا من إقامة الدولة على أي جزء يتحرر من فلسطين إلى تشكيل حكومة منفى والقرار المستقل ثم الإعتراف بالكيان الصهيوني ووصف النضال الفلسطيني بالإرهاب واستنكاره حتى توقيع اتفاقات أسلو المشئومة، التي تمت بالصورة السرية والمفاجئة المعروفة لعدم وجود أي تبرير واقعي لها.

 

 

لم يرافق مسلسل التنازلات هذا هبوطا في منسوب النضال والمقاومة، فمنذ بدأ الاحتلال في  محاولات تمرير الحكم  الذاتي باعتباره قاعدة الحل للقضية الفلسطينية بدأ النضال والمقاومة في التصاعد ضد ذلك وخاصة في الأراضي المحتلة بإنشاء لجنة التوجيه الوطني التي اعتبرت الذراع القوي لمنظمة التحرير. ثم انتفاضة شعبنا سنة 1987، ثم انتفاضة الأقصى بعد تداعيات الاتفاقات المشئومة التي توالت ضد شعبنا ونضاله. كما تخلل ذلك تطورات هامة ، ففي أثناء العد التنازلي للانتفاضة الأولى نتيجة السياسات المعلومة برزت المقاومة الإسلامية لتتسلم قيادة النضال المسلح ولترث ذلك الدعم الشعبي الوطني والإسلامي على مختلف الساحات مما حما المقاومة للفصائل الأخرى.

 

 

وهكذا بقيت المقاومة والعمل السياسي الرسمي أسيرة الخلافات والتباينات وحتى التناقضات التي بدأت تتوالى بين القيادات داخل المنظمة وخارجها دون أن تصل إلى الجماهير حرصا على عدم تفجير الموقف أملا في حلول ديمقراطية للخروج من هذه الأزمات الخطيرة على وحدة شعبنا ونضاله. فحصل نتيجة ذلك الانفصام والتناقض بين العمل المسلح وحتى النضال السياسي وبين المواقف السياسية الرسمية مما جرد النضال المسلح حتى في حدوده القائمة من مضامينه السياسية وأهدافه التحررية والنهضوية في مواجهة الاحتلال المباشر وغير المباشر بحكم الاتفاقات الثنائية المباشرة المعقودة وفسح المجالات واسعة لاتهامات الأعداء له بالإرهاب، وأصبح الإرهاب الحقيقي والواسع للاحتلال دفاعا عن النفس.

 

 

هذا بالذات هو الذي أفشل تطبيق الاتفاقات المشئومة وأصبح تطبيقها من المستحيلات فشرط تدمير البنية التحتية للنضال المسلح ومنع التحريض لم يقابله تنازلات عن الأهداف الإستراتيجية العدوانية العنصرية ضد شعبنا وأمتنا العربية بل تصعيدا وتوسيعا على كامل مساحة الوجود الوطني الفلسطيني حتى أن المرحوم ياسر عرفات لم يسلم من ذلك، ومن هنا يحق التساؤل عن الخلافات بين أبو مازن وقريع وعلاقته بالانتفاضة وعسكرتها.

 

 

فتفاعلات ذلك لم تقتصر في حدود القوى المنظمة وإنما تجاوزنها إلى الداخل حتى وصلت إلى التنظيم الرئيسي "فتح" فبرزت الخلافات بين صفوفه كما برزت كتائب الأقصى واحتلت مكانا بارزا وفاعلا في الانتفاضة ونضالها المسلح ولا تزال  مع التفاعلات لدى التنظيمات الأخرى ضمن ذلك.

 

 

إن تصحيح هذه الأوضاع وخصوصا الخلل في الموقف الدولي أمريكيا وأوروبيا بشكل خاص تجاه المقاومة المسلحة لا يتم بإلقاء أو محاربة العمل المسلح وإنما إعادة المضمون السياسي التحرري الإنساني للنضال الوطني الفلسطيني لتصل رسالته إلى الساحات المختلفة العربية والإسلامية والدولية، فتحرر المواطن والمجتمع والوطن من الاحتلال شعار لا يخص شعب دون شعب أو قضية دون قضية وإنما يمس مشاعر وضمائر الإنسان أينما كان لمشاركتهم القيم والتكوين الاجتماعي الإنساني وعلاقاته والمشكلة تكمن في ماهية التعبير وكيفيته ومصداقيته.

 

 

من هنا فقد أصبحت التناقضات والخلافات الداخلية تتجاوز المستوى السلبي الذي يهيئ للاحتلال وحلفائه استغلاله وإنما يفقد قضيتنا ونضالنا الدعم الضروري القومي والإسلامي والدولي لتغييب عدالة القضية والنضال عن هذه الساحات المؤثرة والفاعلة لحسم الصراع في سبيل الحق إذ لا ننسى أن القضية الفلسطينية هي في الأساس مؤامرة استعمارية دولية ضدنا وضد أمتنا، بل ويعطي الأعداء غطاءا لعدوانهم الإجرامي المرفوض تاريخيا.

 

كما أن هذه السياسة الاستسلامية تحول دون تحقيق الوحدة الوطنية التي من شأنها أن تعطي المضمون عمقه وأبعاده المرجوة. ومن هنا نتبين الأسباب المدمرة التي تحول دون الاستجابة لمطالب الوحدة الوطنية التي تتتابع من جميع فئات شعبنا للقيادة والسلطة المركزية الرسمية وخطورتها، لأن الاستمرار في رفضها سيذهب بالسياسة الرسمية وفئاتها بعيدا عن جماهيرهم للمواقع المعادية.

 

 

فهذه السياسة وخلفياتها وظروفها ومبرراتها التاريخية تجعل من شعار تصفية عسكرة الانتفاضة  تعبيرا عن رفض النضال السياسي الملتزم بمصالح وأهداف الجماهير والأمة ووحدتها الوطنية والقومية، مستذكرين بند منع التحريض في الاتفاقات الثنائية السلطوية وما يعنيه من تجاوز العمل السياسي إلى الفكر والثقافة.