صواريخ المقاومة ... اللغة التي يخشاها الفاشلون في السياسة

 

 

 

بقلم :د. أسامة المحمود

 

هذا العنوان اخترناه بعناية بعد تقليب النظر فيه من وجوهه فاعتمدناه رغم أنه سيُغضِب بعض السياسيين الذين أدمنوا العمل السياسي رغم أنه يسير في فراغ لا يُوصِل إلى مستقر !

 

إذ أعتقد الآن أن محمود عباس نفسه قد يئس الآن من أنه سيحصل على دعم حقيقي من الذين دعموه مراراً ضد عرفات – أعني بذلك الإسرائيليين والأمريكيين وبعض العرب -  ليس لأنهم لا يريدون دعمه بل لأنه يعلم أن "الكرم" الإسرائيلي قد بلغ منتهاه الآن ، وأن الإطار الاستراتيجي الذي استقر عليه الإسرائيليون هو إقامة دولة فلسطينية في شطر كبير من قطاع غزة وثمانية كانتونات معزولة في الضفة الغربية تحظى بتواصلٍ مدروسٍ  !

 

و محمود عباس  يعرف أيضاً أن سياسته لن توصله إلى الدولة المستقلة على أرض 67  وإنما ستكون هذه الدولة التي وعده بها جورج دبليو بوش في يونيو 2003  لتكون في 2005 على المقاس الذي ستفصّله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

 

ويعرف عباس جيداً أيضا أن "إسرائيل" لن تسمح بعودة اللاجئين ، وأبو مازن نفسه استعد للتنازل عن عودتهم كما هو معلوم في وثيقة بيلين – أبو مازن  وهذا نص الوثيقة في هذا الموضع: " ندرك أن مستلزمات العهد الجديد من السلام والتعايش، بالإضافة إلى الحقائق التي خلقت على الأرض منذ 1948م، جعلت تنفيذ هذا الحق غير عملي؛ لذا يعلن الطرف الفلسطيني استعداده لقبول وتنفيذ إجراءات ستضمن - إلى الحد الذي يكون فيه ذلك ممكنًا - مصلحة خير هؤلاء اللاجئين " .

 

وهذا معلوم أيضاً من إقرارات أصدقائه المشاركين في إعداد وثيقة جنيف  التي اعتمدت على وثيقة بيلين – أبو مازن .

 

ويعرف محمود عباس أن القدس ستكون بيد الإسرائيليين  - حسب نغمة التفاوض الفلسطينية العرجاء - كما أقر هو بذلك في وثيقة بيلين، لذلك هو يتحدث فقط كما كان يتحدث ياسر عرفات عن القدس " الشريف" وهذا الوصف المقترن باسم القدس ينطوي على مكيدة سياسية ، إذ الحديث هنا يجري عن المنطقة التي هي داخل أسوار الحرم القدسي وليس عن مدينة القدس ، ثم يجري الحديث بعد ذلك عن أحياء "فلسطينية" وأحياء " يهودية " في القدس الشرقية ، ثم يعترف الفلسطينيون ب"يروشلايم" عاصمة إسرائيل : ويعترف الإسرائيليون بهذه "القدس" غير المحددة .

 

فلنعُد إلى أصل مقالنا قبل أن يجرفنا مركب هذا الحديث ولكننا قصدنا على كل حال بيان أنه ليس ثمة ثوابت وطنية عند محمود عباس مرشح رئاسة السلطة .

 

إلا أنه لا يفوتني هنا أيضا التنبيه إلى أنه هذه السنة كلها أيضا ستكون حافلة بالفشل السياسي على الصعيد الميداني لسبب منطقي جدا وهو أن قيادة السلطة ستكون مشغولة جدا بأمر داخلي وهو الانتخابات ، فقد ولّت قبل أيام المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية ، وأبو مازن وفريقه مشغولون الآن في سباق الفوز برئاسة السلطة في التاسع من يناير وبعد ذلك سينشغلون بتشكيل الحكومة ، وفي 27 يناير ستكون المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية في قطاع غزة ، ثم سيكون الإعداد لانتخابات المجلس التشريعي في يونيو ثم ستكون انتخابات كبيرة داخل حركة فتح ثم ستأتي انتخابات المرحلة الثالثة ثم الرابعة من الانتخابات البلدية ثم لا ننسى الحوار الفلسطيني – الفلسطيني وترتيباته وإجراءاته .... وسينتهي عام 2005 دون إقامة هذه الدولة الفلسطينية التي وعد بها بوش وسيستمر العدوان الصهيوني والقتل اليومي ، وسيستمرون في إقامة المستوطنات وقضم الأرض الفلسطينية وإتمام بناء جدار الفصل والعزل الذي يلتهم الأرض الفلسطينية ويعزل مئات الآلاف من الفلسطينيين عن بعضهم .

 

إذن فالقيادة الفلسطينية مشغولة جداً في أمورها الداخلية بينما ينشغل شارون وحكومته في تسوية الأرض الفلسطينية واستمرار عمليات الجيش الإسرائيلي ....  !!!

وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يطلب محمود عباس من الفلسطينيين "الآخرين" أن يوقفوا نشاطهم ومقاومتهم ؟

محمود عباس يقول : إن إطلاق الصواريخ أمر صغير  ، وأنه لا يساعد على التهدئة ، وأنه ذريعة لاستمرار الهجمات الإسرائيلية .

والذين يتبعون حوافر محمود عباس يزيدون أن استمرار إطلاق صورايخ القسام تساعد السياسة العسكرية الإسرائيلية لأنها تتيح لهم استمرار تحللهم من مسيرة السلام .

بمنطق السياسة المحض نشعر أننا إزاء محاولة رخيصة لجر الشعب الفلسطيني إلى مربع دعاة التسوية ويغضون الطرف عن أن العدوان الإسرائيلي لم يكن في يوم من الأيام بحاجة إلى تبرير فهو سياسة ثابتة عند حكومة الاحتلال هدفها ضرب مقاومة الشعب الفلسطيني .

 

ويغض دعاة التسوية هؤلاء وعلى رأسهم أبو مازن أن الشعب الفلسطيني ليس في مرحلة إقامة دولةٍ لأنه – وبلغة واضحة وصريح – لم يتحرر من الاحتلال ، فواجبه إذن أن يفتح خياراته أمام جميع المتاحات لتحرير أرضه و تخليص شعبه ، ولا يجوز بحالٍ أن نمنع الشعب من المساهمة في تقديم ما يمكنهم لأداء هذا الواجب لاسيما أن فريق محمود عباس أدمن الفشل، ولم تعُد اجتهاداتهم السياسية تحظى بثقة الجمهور الفلسطيني الذي شاهد الكارثة أمامه بسبب انسداد آفاق التسوية ورفض الاحتلال تقديم المزيد للمفاوض الفلسطيني الذي قدّم الكثير .

 

وكان الأحرى بدعاة التسوية أن يعلنوا هزيمة تفكيرهم وسياستهم وأن يفكروا بطريقة سياسية أخرى لتصحيح هذا الخلل في الموقف الدولي أمريكيا وأوروبيا بشكل خاص تجاه المقاومة المسلحة وليس بالدعوة إلى إلقاء السلاح أو محاربة العمل المسلح وإنما " بإعادة المضمون السياسي التحرري الإنساني للنضال الوطني الفلسطيني لتصل رسالته إلى الساحات المختلفة العربية والإسلامية والدولية، فتحرُّر المواطن والمجتمع والوطن من الاحتلال شعار لا يخص شعباً دون شعب أو قضية دون قضية وإنما يمس مشاعر وضمائر الإنسان أينما كان لمشاركتهم القيم والتكوين الاجتماعي الإنساني وعلاقاته والمشكلة تكمن في ماهية التعبير وكيفيته ومصداقيته" .كما يقول الأستاذ بسام الشكعة .

 

وأخشى على دعاة التسوية هؤلاء أن يكونوا في موقف واحد مع الاحتلال الذي يضرب بعنف وقوة لتدمير نضال الشعب الفلسطيني بآلته العسكرية بينما يبادر فريق أوسلو لإدانة المقاومة والتحريض عليها والسعي لتفكيكها ، وليس أدل على ذلك من أن جيش الاحتلال قام بالتأكيد على إدانات محمود عباس لاستخدام الصواريخ في ضرب الاحتلال بأن قام الاحتلال بقتل العشرات في خانيونس في حملة "حديد بنفسجي" ثم ارتكاب مجزرة في بيت لاهيا حصدت أكثر من عشرة مزارعين يلتقطون رزقهم لتأكيد حجة أبي مازن " الصواريخ هي السبب " .  

ولا نريد أن نستشهد بأقوال الإسرائيليين والمشهد السياسي الإسرائيلي التي جعلت الفلسطينيين بسبب ردود المقاومة الفلسطينية في وضع متقدم لَما تُحْدِثه هذه الصواريخ من أزمة سياسية وعسكرية لدى الجانب الإسرائيلي، لاسيما في ظل الضغوط التي يمارسها المستوطنون لوقف عمليات القصف التي أصبحت توقع قتلى وجرحى وتدميراً كبيراً أكثر من ذي قبل.

 

إن الصواريخ وسيلة من وسائل المقاومة وتتأكد شرعيتها مع كل اجتياح إسرائيلي جديد ومع كل دم نازف ، وما دام إدمان الفشل السياسي قائماً  فلا يحق لأحد من الفاشلين أن يتكلم فيها بمنطق إضرارها بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني ، فقد آن الأوان ليعود الشعب الفلسطيني إلى أصل التعامل مع عدوه وهو المقاومة ، فلم تتحرر أي أرض من خلال استعطاف عدو أو التماس تنازل منه ، الأرض تتحرر بالدماء والبذل والمقاتلة وليس برفع راية الاستسلام واستجداء الاحتلال .