تتويج فارس فلسطين الاول
محمود عباس رئيساً قبل الانتخابات
بقلم : سعيد
الغزالي
هل يجب أن نقدم
التهاني لمحمود عباس ، أبو مازن، "كرئيس للسلطة الفلسطينية" حتى قبل
تتويجه رئيسا منتخبا في التاسع من هذا الشهر!
لقد أصبح أبومازن .. ولله
الحمد .. الرجل الاول في فلسطين حتى قبل أن يتم انتخابه رئيسا للسلطة الفلسطينية. فقد
بدأ منذ تعيينه رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالتصرف، كرئيس
دوله قبل أن يصبح رئيسا لدولة لم تصبح بعد دولة ذات سيادة إو بدون سيادة، ومع ذلك
فهو يلتقي بالزعماء العرب في الخارج في مصروسوريا ولبنان ودول الخليج، ولا توجد
قيود على حركته في الاراضي المحتله مثل بقية المرشحين الذين يمنعون من عبور
الحواجز العسكرية.
اللهم إننا لا نحسد
أبا مازن على مواهبه التي اكتشفها العالم
فجأة، ويجب علينا ان نعترف بها، بتوجهنا إلى صناديق الاقتراع لانتخابه
رئيسا جديدا.
يجب أن نفعل ما فعله
وزير الزراعة، إبراهيم أبو النجا، حياه الله، على قدراته البلاغية وخطبته العصماء
التي استمعت إليها مبتهجا في إسناد أبي
مازن بعد البكاء والعويل على الراحل ياسر عرفات. لقد عبرت عن فرحتي الساخرة
بالتصفيق له، وكنت المصفق الوحيد، فنظر إلي الزملاء غير مصدقين، لكنهم أدركوا معنى
تصفيقي الحماسي، إذ كنت أسخر من المشهد
بالتصفيق للمشهد الذي حدث في قرية عين ديوك على مقربة من حاجز عسكري إسرائيلي.
لقد ازدادت حماستي له
في الاجتماع الانتخابي في رام الله مع نحو ألف من سكان مدنية اللد الذين طالبوه
بالتمسك بحق العودة لللاجئين الفلسطينيين، ولكن ثله من الهتيفة اصروا على الهتاف
التافه للزعيم، الذي كان خطابه مثل طالب يحاول أن لا ينسى أي فقرة من فقرات درسه.
نرجو أن يكون كلامنا
خفيفا على أبي مازن، الرئيس الذي سنختاره رئيسا لنا بإرادة أمريكا وإسرائيل وغيرها
من القوى العالمية والعربية والمحلية. وأخشى ما أخشاه أن لا يعبجهم حتى هذا ال أبو
مازن، لانهم يريدون قائدا في فلسطين مثل نمط إياد علاوي في العراق.
نرجو أن يكون حمدنا
لله في محله على هذه النعمة، أي نعمة
تتويج أبي مازن رئيسا وفارسا حتى قبل الانتخابات، فهذا الامر لا يجري إلا في هذه
البلاد. أو ليس هذا من نعم الله على هذا الشعب الصابر منذ عقود طويله. كيف يمكن أن
نتصور أوضاعنا بدون أبي مازن الفارس المنقذ.
إنني أزعم ـ ولا
اكترث كثيرا إذا لم تصدقوا زعمي - أن ما
أقوله عن الرئيس الجديد ليس سخرية
واستهزاءا بمراكزه ومقاماته السامية، وقدراته الخارقة، فإنني أكن احتراما للرجل
لثقافته، واطلاعه، ولكني لا أفهم كيف يمكن لأبي مازن أن يتنطح لقضية القضايا وهو
يعلم علم اليقين أن إسرائيل ليست راغبة بالإنسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة
والتخلي عن كافة المستوطنات، وليست مستعده
للتنازل عن منطقة الإغوار وكذلك عن سيطرتها على مصادر المياه الجوفية. وترفض بشدة
حتى مناقشة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
لقد كان ظهوره مع المسلحين من كتائب شهداء
الاقصى في جنين وفي رفح خلال حملته الانتخابية أمرا أثار غضب وامتعاض المسؤولين
الاسرائيليين، الذين يظنون أن القضية الفلسطينية تتعلق بالزعامة فقط. فيرويدون
تفصيل زعيم فلسطيني لديه استعداد أن يشكل كتيبة عسكرية فلسطينية تأتمر بأمر الجيش
الاسرائيلي.
إذن ما معنى الشعارات
الكبيرة الثلاثة عشر في برنامج أبي مازن الانتخابي. وما معنى كل الشعارات في برامج
كل المرشحين. إنها ليست أكثر من شعارات لا يمكن تطبيقها. فهدف هذه الانتخابات ليس
أكثر من محاولة منح الشرعية لفريق اوسلو الفلسطيني لتشجيعه للتوقيع على اتفاق يشطب
القضية الفلسطينية لاجيال قادمة.
أبو مازن هذا الذي لم
يركب أهوال الانتفاضه بل جلس في بيته في رام الله صامتا هادئا، بينما الناس يقتلون
ويحاصرون وتهدم بيوتهم، قرر فجأة أن يركب "أهوال صنع السلام" لم يقنع
حتى عامل بسيط يعمل في أحد مطاعم رام الله الذي قال لي أن المرشحين جميعم رغم
اختلاف ألوانهم السياسية ليسوا أكثر من عملاء.
والمشاركون في
الانتخابات المتأثرون بهدير الخطابات في الميكروفونات، وأوهام المصالح والوعود
بالرفاه والحياة الزاهرة، سيصابون بإحباط شديد، لاننا نتحرك نحو مرحلة هدفها
المفاوضات من أجل المفاوضات، ومبادلة الامن بالامن، وتكريس إلتهام الارض.
أليست سبع سنوات عجاف
من المفاوضات البائسة، وأربع سنوات من القتل بكافية؟ فهل سنعود لسنوات عجاف اخرى
قبل أن يفقد الشعب الفلسطيني صبره؟
يجب أن نثق بقدرات
فارسنا الفلسطيني الجديد الذي لا يخشى الغبار الذي تثيره حوافر الخيل في مهمته
الصعبة لقيادة الشعب الفلسطيني إلى"شاطئ النجاة". وشجاعته المفاجئة
مردها ـ والله أعلم ـ إلى الدعم الكبير الذي يتلقاه من الأخيار في الولايات
المتحتدة واوروبا.
فهذا رئيس الوزراء
البريطاني طوني بلير يدعو إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في لندن الصيف القادم بعد
نجاح أبي مازن في الانتخابات. وتقول المصادر أن ألمؤتمر لن يعقد إذا- لا سمح الله-
فشل إبو مازن في الانتخابات.
لقد ازدادت شعبية أبي
مازن من أقل من إثنين بالمئة قبل وفاة ياسر عرفات في بعض إستطلاعات الرأي إلى خمسة
وستين بالمائة التي تؤكد احتمال نجاحه القادم.
هل يعني ذلك أن الشعب الفلسطيني أصبح عقله في إذنية، أو أنه يأس من استمرار
الانتفاضة؟
ومن الامور المقلقة
على زيف ادعاءات الغرب أن الاصوات العالية
التي كانت تتهم السلطة بالفساد وتبذير الاموال، ودعوات الإصلاح والتغيير التي كان
لها رنين وطنين في الاوساط المحلية والعربية والعالمية قد خفت إلى درجة الهمس.
إستعد الإعلاميون
الفلسطينيون - أو الهتيفة كما أحب أن اسميهم أحيانا ـ من جهتهم للمرحلة الجديدة
للحصول على بعض الفتات من موائد الكبار، بل إن التلفزيون الفلسطيني ومديره إبراهيم
أبوعياش أعلن أنه أوعز إلى المديرين بضرورة تجنب استخدام أي شيء يمكن أن يشكل
ذريعة لاسرائيل باتهام الفلسطينيين بالتحريض.
نشطت أيضا هيئات الدعم الاوروبي والسفارات
الاجنبية، وجمعيات الحوار في إعادة الحياة إلى برامج الحوارات واللقاءات بين طبقات
المثقيين والمطبعين من فلسطينيين وإسرائيليين.
فهذه الفروسية
المفاجئة من قبل أبي مازن لها ما يسندها محليا وعربيا ودوليا. لقد توج أبو
مازن فارسا لهذا الشعب حتى قبل أن يشارك
في السباق. فمن مكن لأبي مازن القيام بكل هذا في فترة وجيزة غير الفلسطينيين
أنفسهم. فحقيقة الامر أنه لا توجد خيول في فلسطين، وليس لها حوافر ولا تثير أي
غبار. فخيول المنظمات الفلسطينية من فتح
وحماس وغيرها أصابها وهن شديد، وباتت تهتم بمصالحها أكثر من مبادئها.
ونسمع كل يوم عن فارس
جديد يترجل، فكأننا عدنا إلى الوراء ألف عام أو يزيد عندما كانت البيعة لامير
المؤمنين تؤخذ من الرجال خوفا أو طمعا، فمرشح الرئاسة حسن خريشة الذي عرض نفسه على
أنه المحارب الثابت في معركة البيانات ضد الفساد ومن أجل الإصلاح الديمقراطي قد
انسحب من الميدان أمام الصولات التي لم تجر بعد في معركة الانتخابات بل وراء
الكواليس.
ماذا جرى لهذا الشعب،
الذي لا يزال صامتا، وهو يشاهد ما يجري؟
فالحملات الانتخابية لا تجري في مدن فلسطين، بل في الصالونات الدولية
والإسرائيلية أيضا.
وهذا الفارس المقداد
أبو مازن يستخدم السلاح القديم ذاته الذي استخدم مرات ومرات في الصراع الطويل دون
أن يثبت أية فاعلية، ألا هو سلاح التنازلات
الكبيرة مقابل ثمن بخس مثل تخفيف الإجراءات على الحواجز العسكرية، ومنح
حرية الحركة لمزيد من أفراد عشيرة ال - VIP، وإطلاق سراح عشرات
المعتقلين ممن لم "تتلطخ أيديهم بدم الإسرائيليين،" وفق التعبير
الإسرائيلي.
ما نشاهده على الساحة
المحلية ليس سباقا في الفروسية أي الانتخابات فحسب، بل فصلا من فصول العبث السياسي.