المحور
الخامس
معادلات خفية في الصراع بين التيار الإسلامي والتيار
العلماني
بقلم : د. إدريس بووانو *
في فصل
سابق تم الطرق للبذور الأولى لظهور العلمانية داخل التربة التركية منذ فترة
الإمبراطورية العثمانية ، والاشارة لأهم مظاهرها وكذا للسلبيات التي رافقت عملية
توطينها.
ب-
تنبيهنا
لأهم خلاصات هذا الصراع ، وإمكانات الاستفادة من بعض أشواطه على عدة مستويات ،
وأهمها مستوى التجربة الديمقراطية العربية .
أ- اشكالات
عميقة واجهت النخبة الكمالية
عقب تأسيس الجمهورية التركية واجهت النخبة
الكمالية أربعة اشكالات :
الإشكال
الأول : إيجاد هوية وطنية مناسبة للتربة التركية ذات الجذور الإسلامية
الإشكال
الثاني : تحديد بناء سياسي يتفق وينسجم مع الهوية المقترحة .
الإشكال
الثالث : حل مسألة التحديث ، والمضي بتركيا نحو اللحاق بركب أوروبا.
الإشكال
الرابع : حسم مفهوم الديمقراطية .
أما الإشكال الأول فقد عملت النخبة
الكمالية على إعادة تشكيل الهوية التركية على أن تكون مصاغة في قالب " تركيا
الأناضولية" ، وبالنسبة للإشكال الثاني فقد تمت صياغة البناء السياسي على
الأساس الجمهوري ، أما عملية التحديث جوهر
الإشكال الثالث فقد رفع خيارا بالنسبة لعامة النخبة التي حسمت صراع الأقاليم لصالح
المؤسسة العسكرية والبيقراطيين ، كما حسمت صراع الأقاليم في بعدها الهيكلي لصالح
المركز وان كان ذلك بثمن باهض جدا تمثل في القمع الشديد لكل تطلع
"استقلالي" خاصة في المناطق الكردية.
لكن
الإشكال الرابع بقي معلقا،ذلك أن النخبة العسكرية والبيروقراطية الحاكمة – نخبة
الدولة- ورثت نمطا من التسيير والتنظيم يرجع إلى الحقبة العثمانية ،غير أنها أعادت
إنتاج هذا النمط في شكل إيديولوجي حديث ،
باعتماد مفهوم "الرأس " للديمقراطية باعتبارها مسألة خاصة بالمسؤولية
السياسية ، وليس بالضرورة تعني المشاركة السياسية ، وكان هذا هو مفهوم الحكومات
العسكرية الثلاث التي حكمت تركيا منذ الحرب العالمية الثانية عن الديمقراطية ، وفي
كل مرت حدث انحراف عن هذا المفهوم كانت المؤسسة العسكرية تتدخل لضبط الديمقراطية
حتى تكون أكثر انسجاما مع مفهومها السالف التحديد، ثم يعود الجيش سريعا إلى
الثكنات.
مع إقرار نظام التعددية سيحصل اصطدام بين
"نخبة الدولة" وتوجهات "نخبة السياسة" التي ارتبطت بنوع من
العلاقة مع الجماعات الاجتماعية ، فلاقت ترحيبا من لدن بعض النخب و فئات من
الشرائح الاجتماعية.
اعتبرت
نخبة السياسة ، والتي تألفت من النواب المنتخبين نفسها ممثلة للشعب ، وأكدت بصورة
واضحة على المفهوم الأفقي للديمقراطية بوصفها مشاركة سياسية .
حينئذ أصبحنا " أمام عنصرين حاسمين
في البنية السياسية والدستورية للدولة التركية الحديثة :
-
العنصر الأول يتكون من المؤسسة العسكرية والتي لها منظور خاص في بناء الدولة ،
تكرس عبر أحكام قانونية.
-
العنصر الثاني : الدولاني ETATISM الذي يحول دون بروز أي نوع من التمايز الوظيفي داخل النظام
السياسي بين الخاص والعام. حسم الصراع في البداية لصالح نخبة الدولة التي اعتبرت
نفسها " الوصية " على التقاليد العلمانية."[1]
ساهم إقرار نظام التعددية الذي شهدته الساحة
السياسية التركية إضافة للنقاش السالف بين نخبة الدولة ونخبة السياسة في الانفتاح السياسي اتجاه مختلف القوى داخل
تركيا ، وسيستفيد من هذا الانفتاح التيار الإسلامي حيث سينشط كثيرا مع نهاية
الستينات وبداية السبعينات وستتبلور داخله نخبة سياسية إسلامية التي لن تكتفي
بالمطالبة بالحق في المشاركة في العملية السياسية بل تجاوزت ذلك بالمطالبة بالحق
في تقسيم السلطة ذاتها ، وهذا أدى الى
تهديد حقيقي لنخبة الدولة ، التي عمدت إلى حشد جل الوسائل لتقويض بنيان هذه
النخبة الصاعدة من خلال سياسة تجفيف منابعها والتضييق عليها . وحصل في
البداية تواطؤ غير معلن بين نخبة الدولة
ونخبة السياسة "العلمانية" في مواجهة المكون الجديد ، ولم تكن هذه
المواجهة برغم ما صاحبها من اعتقالات وحل للأحزاب و إعلان حالة الطورائ في البلاد
أكثر من مرة سوى مؤشرا على رغبة طائفة من نخبة الدولة في الإبقاء على المفهوم
القديم للديمقراطية ، ومحاصرة أي تقارب يمكن أن يحدث بين التيار العلماني والتيار
الإسلامي
-
نظام التعددية بداية انفتاح التيارين
لقد شكل إقرار نظام التعددية الحزبية
والديمقراطية مؤشرا هاما في بدء مرحلة جديدة من العلاقة بين الدين والدولة في المجتمع
التركي في تجاه يمكن أن نقول عنه "اتجاه تصالحي" . وقد مكن من بدء
مرحلة التقارب بين التيارين الإسلامي
والعلماني داخل تركيا من خلال إجراء حوار ديمقراطي ، شكل منذ ذلك الحين بداية
الاعتراف بشرعية كل طرف في الوجود العلني ثقافيا وسياسيا . ومع هذا الاعتراف حدثت
عملية إعادة تكييف في البنية الأيديولوجية والسياسية لكل خطاب تجاوزت مرحلة
القطيعة مع مجمل الأساليب الاستئصالية، وقد اتضحت تجليات هذا الاعتراف في
الائتلافات الحكومية التي أبرمها كل طرف مع الآخر ، ومن ذلك الائتلاف الحكومي الذي
عقده حزب السلامة الوطني مع حزب الشعب الجمهوري بقيادة أجاويد عام 1974 م ،
والائتلاف الحكومي لسنة 1996 الذي عقده حزب الرفاه مع حزب الطريق القويم وهو حزب
علماني يميني كانت ترأسه آنذك تانتسو تشيلر.
لقد وضعت مجموع التحالفات بين الأحزاب السياسية
الإسلامية والأحزاب العلمانية من خلال النماذج التي سبق ذكرها ليس فقط قيودا على
البرامج الانتخابية للطرفين بل كذلك شكلت تمردا واضحا على مجموعة من المفاهيم
والأحكام التقليدية التي كانت تتبناها الغالبية الساحقة من التيارين ، وبوسعنا أن
نلمس ذلك أكثر عند تحليلنا لما طرأ من تغيرعلى مستوى خطاب الطرفين.
-
مستويات في تغير خطاب التيار الإسلامي
يمكن القول : ان الطابع الذي اكتسته مواقف
التجربة خاصة بقيادة زعيمها نجم الدين أربكان
صوب مجموعة من القضايا هو الحدة والشدة في المواقف ، ففي أكثر من حملة انتخابية للتجربة السياسية
الإسلامية خاصة في ظل أحزابها القديمة كان التأكيد على عدم التنازل -في أي
مستوى- للجبهة العلمانية العسكرية أو
المدنية، وكان التصريح علنا بالمواقف المتشددة اتجاه بعض القضايا ذات الحساسية
البالغة ، كالتحالف الاستراتيجي المبرم بين تركيا وإسرائيل ، وهو تحالف ترعاه
أمريكا ، وتدعمه بكل قواها. والموقف من المؤسسات البنكية الدولية ،وقضية انضمام
تركيا للاتحاد الأوروبي ،وقضايا أخرى محلية كقضية الحجاب ..
لكن في بحر تجربة حزب الرفاه القصيرة في
الحكومة الائتلافية مع حزب الطريق القويم سنة 96 ، وقبل أن تجهض بعد أقل من سنة من
تكونها عبر الانقلاب العسكري الأبيض ، لمسنا تغيرا في مواقف التجربة السياسية
الإسلامية ، فما كان يرفع في الحملة الانتخابية لم يكن مطابقا تماما لما هو في
الواقع ، لا نذكر فقط بأن التجربة السياسية الإسلامية وقعت بين مطرقة المحافظة على
مواقفها التي كانت تغري بها كثيرا من جماهيرها وبين سنداد الضغوط الخارجية
والداخلية وعلى رأسها ضغوط المؤسسة العسكرية. بل لأن بوادر قدر كبير من تنازل
التجربة بدا واضحا عند عقد التحالف مع الحزب اليميني ، وبدا أيضا حينما اصطدمت
التجربة بسور من الاكراهات الداخلية والخارجية فرضت عليها أن تغير من حدة خطابها
ومواقفها ، خاصة بعدما فرضت عليها المؤسسة العسكرية تطبيق جملة من التوصيات
والشروط.
وفي محاولة للخروج من حساسية الوضع ستضطر
التجربة لعدم الانصياع لبعض شروط المؤسسة العسكرية ، والتي لم تترك الفرصة لتمر، فقد عمدت لتقويض بنيان الائتلاف بواسطة
انقلاب سمي ب"الانقلاب الأبيض"
حيث تسبب في إجهاض تجربة اعتبرتها فصلا من فصول التقارب بين التيار
الإسلامي والتيار العلماني.
بدأت
عقب هذه الفترة مناقشات عميقة داخل التجربة السياسية الإسلامية اتجهت الى ضرورة
إعادة النظر في طريقة إدارة الصراع السياسي من خلال توسيع هامش الانفتاح على الأطراف
الأخرى داخل الساحة السياسية ، ونحو إعادة ترتيب كثير من الأولويات،ونحو التخفيف
من حدة الخطاب السياسي ، ونحو إعادة جدولة المعارك داخل الساحة السياسية بما يخدم
المصلحة الوطنية ، ويتجاوز حالة الاحتراب السياسي ، والاستنزاف غير المقدر للطاقات
والجهود ، وقد توجت هذه المناقشات العميقة
داخل التجربة السياسية الإسلامية – التي تزعمتها أطر قيادية شابة - بميلاد التجربة السياسية الجديدة تجربة
"حزب العدالة والتنمية" التي سبق أن أشرت الى أنها "حركة
سياسية" شكلت تحولا ومنعطفا داخل التجربة السياسية الإسلامية بتركيا. وبالرغم
من كون غالبية أعضائها هم من كوادر التجربة السياسية الإسلامية القديمة ، فهي أيضا
قد ضمت أطرا وكفاءات كان لها سابق انتماء للتيار العلماني والتيار القومي .
صحيح
أن هناك مجموعة من الاكراهات أسهمت
في بروز هذا التحول ، لكن في نفس الوقت هناك شيئ آخر كان له حضوره البارز ، وهو
التقارب الواضح الذي تزايد في المدة الأخيرة بين أطراف داخل التيار العلماني
وأطراف مقابلة لها داخل التيار الإسلامي ، ففي هذا الأخير وجدت قيادات كسبت مرونة
سياسية معتبرة ، وحنكة سياسية مقدرة استطاعت أن تمنح بهذه وبتلك التجربة
الديمقراطية التركية نفسا ديمقراطيا جديدا، وقفزة نوعية في مسار التجربة
الديمقراطية عموما. ولم يكن هذا الذي حدث من التقارب إلا طورا آخر من أطوار
الاعتراف المتبادل بين التيارين ، جاء ليؤكد بالملموس نجاعة توسيع مجال الرؤية
والإبصار لدى الطرفان في تنزيل بعض التصورات والمفاهيم بقدر من الواقعية وتجنب
المثالية الحالمة.
-
مستويات في تغير خطاب التيار العلماني:
عبرت أصوات عدد غير قليل من المتشددين في
التيار العلماني عن قلقها جراء النمو المطرد للتيار الإسلامي ،
ووصوله إلى سدة الحكم في ظل التجربتين الأخيرتين : تجربة حزب الرفاه مع
زعيمها نجم الدين أربكان الذي توج كأول زعيم إسلامي يصل إلى سدة الحكم في دولة
علمانية ، وتجربة حزب العدالة والتنمية التي
لا
تزال تقود الحكومة التركية الحالية برئاسة زعيم الحزب رجب طيب أردوغان.
ترى النخبة العلمانية اليسارية والقومية المتشددة أن صعود التنظيم السياسي الإسلامي في
الآونة الأخيرة يهدد الأسس الديمقراطية والعلمانية التي يرتكز عليها النظام
السياسي التركي، ولم تغفر هذه النخبة المتشددة من العلمانيين للتجربة السياسية الإسلامية
القديمة ولا الجديدة التزامها
الظاهر والعلني بقواعد اللعبة الديمقراطية وتأكيدها على تمسكها بالعلمانية التي
اعتبروها الكفيلة بضمان الحرية الدينية ، فزعماء هذا الاتجاه يرون أن التزام
تيارات التجربة السياسية الإسلامية ورفعها لشعار الديمقراطية ما هي إلا تكتيكات
سياسية فرضها عليها الوضع السياسي الراهن ، وأنها ستتنصل من كل الالتزامات إذا ما
أصبح لها نفوذ أقوى وشعبية أكبر في النظام والمجتمع التركي .
من هذا المنطلق تعتقد النخبة العلمانية
المتشددة أن التيار الإسلامي ينبغي أن يحاصر بكل الوسائل ، وإلا سيزداد راديكالية
مع ازدياد شعبيته مستغلا الفضاء الديمقراطي وفضاء الحريات التي تكفلها الديمقراطية
التركية.
- الانفتاح العلماني
الديمقراطي
كثيرا ما يحصل تناغم بين هذه النخبة العلمانية
ومثيلتها داخل المؤسسة العسكرية ،فتفرز في أحايين كثيرة موجة من التضييق لا يحد من
استمرارها وتغولها إلا عاملان :
العامل الأول : خارجي ، نقصد به
ملاحظات المنتظم الدولي ـ وبخاصة ملاحظات الاتحاد الأوروبي- الذي كثيرا ما عاب على
الساسة الأتراك تجاوزاتهم المتكررة في مجال الحريات وحقوق الإنسان .
والعامل الثاني داخلي ، وهوهام أيضا
، ونقصد به رأي نخبة أخرى من العلمانيين ، حيث يتسم تصور هذه النخبة بالاعتدال
والاتزان.
يتصور
أصحاب هذا الاتجاه من العلمانيين )أن صعود نجم التيار الإسلامي ، ونجاح تجربته السياسية سواء
القديمة أو الحديثة لا يعد بالضرورة تحديا للعلمانية ولا للديمقراطية في تركيا.
ويرون أن الديمقراطية والعلمانية بمفهومهما الليبرالي الذي سمح بالتعددية
والاختلاف داخل إطار متفق عليه قد توطدتا ورسختا أسسهما على مدى نصف قرن في
المجتمع والنظام السياسي التركي ، فقد أصبحت الديمقراطية على وجه الخصوص صيغة
سياسية مقبولة من طرف جميع الفرقاء السياسيين إسلاميين وعلمانيين ، يساريين
ويمينيين ، كما أن نصف قرن من العمل الديمقراطي قد أدى إلى نشوء ثقافة ديمقراطية ومجتمع مدني نشيط ، يعتنق
ويدافع هو بنفسه عن الديمقراطية والحريات التي يكفلها له نظامه السياسي.([2]
من زاوية أخرى ترى هذه الفئة من المعتدلين
العلمانيين أن النظام السياسي التركي قد نجح إلى حد كبير في إدماج التيار الإسلامي
في اللعبة الديمقراطية ، وفتح له قنوات العمل السياسي وحرية التعبير والترويج لبرنامجه
عبر وسائل الإعلام المسموح بها ، وأدى إدماج الإسلام السياسي في العمل الديمقراطي
وووجوده داخل دوائر الحكم وصنع القرار وتعرفه عن قرب على المشاكل والقضايا التي
تواجه المجتمع التركي الى كبح وتهدئة منهجه وخطابه السياسي ، فازدادت التجربة
السياسية لهذا التيار اعتدالا ، وأصبح بكل هدوء جزء من النسيج السياسي يعمل على
تحقيق أهدافه داخل الإطار الديمقراطي التعددي .
إن انخراط التجربة السياسية الإسلامية داخل
المعترك السياسي التركي ساهم حسب الفئة المعتدلة من التيار العلماني في تحقيق
الانسياب الهادئ للتيار الإسلامي ومشاركته الطبيعية في الحياة السياسية ، وانطلاقا
من هدفه المشروع فله الحق أن تكون لديه وجهات نظر في مجموعة من المبادئ والقضايا
التي تعتمل داخل الساحة التركية من ذلك وجهة نظره في مبدأ العلمانية، إذ ترى
التجربة السياسية الإسلامية القديمة والجديدة أن مفهوم العلمانية الذي صاغه كمال
أتاتورك ولا تزال فئة متعصبة من العلمانيين تتبناه لحد الساعة ينبغي أن يطاله قدر
من التغيير . فالعلمانية حسب هذه الفئة من العلمانيين، تعني فصل الدين عن الدولة
وإخضاع الدين ومؤسساته لسلطة الدولة بينما تحاول
النخبة الإسلامية المؤطرة في التجربة السياسية الإسلامية أن تبتعد بالدين
وتنأى به عن أن يكون تحت سيطرة الدولة وتكفل له استقلالا معينا ، وهذا ما يحقق
تحولا في مفهوم العلمانية داخل تركيا من علمانية ديكتاتورية وقسرية يخضع فيها
الدين لسلطان الدولة إلى علمانية حقيقية تكفل مزاولة الدين والحريات الدينية
للجميع.
وتؤكد فئة العلمانيين المعتدلين أن وجود
جزء كبير من التيار الإسلامي ، )وجهوده لتغيير مفهوم العلمانية ، وتوسيع هامش الحريات
الدينية قد أثرى بلا شك الحقل السياسي والحياة السياسية التركية ، كما مكن من جعل
الديمقراطية التركية ديمقراطية ليبرالية حقا تسمح بالتباين والاختلاف في إطار
تعددي حر ونزيه. وينظر هؤلاء لتدخلات الجيش والمؤسسة العسكرية المتكررة في الحياة
السياسية التركية على أنها اعتداء صريح وواضح على مسار الديمقراطية ، وإضعاف لها .([3]
إن
تدخلات المؤسسة العسكرية من أجل ضبط عمليات اجتماعية تتفاعل داخل المجتمع التركي
وليس خارجه -حسب الاتجاه العلماني المعتدل – من شأنها أن تؤدي إلى ممارسات تسلطية
تقلص من مساحة الديمقراطية ، كما أن اقتراب المؤسسة العسكرية من حركية المجتمع
ومساحاته يجعل احتمال الاصطدام بين العلمانية المدنية والعلمانية العسكرية واردا
جدا ، ذلك أن العلمانية المدنية داخل تركيا لا تستطيع التجدد إلا استنادا إلى
الديمقراطية،ومن شأن اقتراب المؤسسة العسكرية من حركية المجتمع هذه ومراقبتها
الصارمة له أن يقلص من هامش الديمقراطية
وهذا ما يؤدي في النهاية إلى هدم وتقويض العلمانية المدنية التي تمارس في
إطار مجموعة من الأحزاب السياسية ، وتكون النتيجة وجود نظام علماني نصف ديمقراطي/
نصف تسلطي ، تمارس نصف الديمقراطية داخله مجموعة من الأحزاب العلمانية ، ويمارس
نصف التسلط ضد خصوم النظام العلماني وقواعدهم الاجتماعية من طرف المؤسسة العسكرية
.
وطبقا للعلمانيين المعتدلين فان احتواء التيار
الإسلامي وضمان التزامه بالمبادئ التي يرتكز عليها النظام السياسي التركي لا يتحقق
بالأسلوب الذي ينهجه الجيش ولا النخبة العلمانية المتشددة ، فتلك السياسات حقا
تقصي التيار الإسلامي لفترات عن العمل السياسي وتحجم من وجوده ، لكنها تهيئ لعودته
القوية لمسرح الحياة وهو أكثر صلابة وقوة.
ويعتبر العلمانيون المعتدلون ) أن المعسكر
العلماني واليساري مسؤول الى حد كبير عن نمو وصعود التيار الإسلامي ، وأن الحل لا
يكمن في التآمر عليه ، بل يكمن في استرداد الكتلة الشعبية ، واستردادها يبتدئ بمراجعة
عميقة ونقد ذاتي حقيقي ، و إعادة ترتيب
للأوليات( [4]حسب مقتضيات المرحلة.
-1-
تبين بالملموس للطرفين أو للتيارين الإسلامي والعلماني داخل المجتمع التركي بأن
الصراع التاريخي الطويل حول مسألة الهوية هو صراع مستنزف لطاقات الطرفان ، ومقدرات
الكيانين ، ومهما طال فلن يزيد الطرفان إلا انكسارا وضعفا . والطرفان معا توصلا
الى شبه اتفاق غير معلن أن معركة الهوية ليست بالمعركة التي تحسم إبان فترات معينة
بقدر ما تحتاج سنوات بل حقبا، ومن ثم انصرفوا بمعركة الصراع نحو تأهيل مجتمعهم اقتصاديا واجتماعيا ، لا
أعني بهذا الكلام أن معركة الهوية سواء في أوروبا أو في تركيا قد حسمت نهائيا بقدر
ما أقول انه بعد أشواط من المعارك المستنزفة حول هذه المسالة تبين بالملموس أنها
معركة يمكن الاستعاضة عنها بمعارك أخرى اكثر مردودية وإنتاجية.
-3-
حدث تحول ملحوظ في التجربة الديمقراطية التركية
، وهكذا نجد أن طبعتها في عقد التسعينات من القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة قد أفرزت أدوات جديدة
في إدارة العمل السياسي السلمي قطعت مع أدوات طبعتها خلال الستينات من القرن
الماضي.مع هذا التحول بدا من الصعب الآن استمرار الاقتراب من النموذج العلماني وفق
النصوص "النقية" الأولى للجمهورية العلمانية التي أسسها ودعا إليها
مصطفى كمال أتاتورك ، وهذا يفيدنا جدا في قياس وإدراك الديناميكية الكامنة في
صيرورة التطور التاريخي والاجتماعي الذي فرضته معطيات جديدة وحراك جديد وفاعل جديد
أيضا .
لقد أفرزت التجربة الديمقراطية التركية انتقالا
أكاد أقول نوعيا وفريدا في إصدار كل تيار أحكاما إيديولوجية ضيقة اتجاه الخصم
الآخر ، لقد استطاعت التجربة النجاح في إعادة صياغة الخطاب العلماني بطبعته
الاتاتوركية ، والإسلامي بطبعته "السلفية" الأولى .
هذا الاستيعاب المتبادل بين الطرفين أثمر
اعترافا متبادلا خلق في النهاية تعايشا للطرفين داخل الساحة التركية ، كما خلق
قدرا من التفاهم على ركوب سفينة الديمقراطية ومحاولة الوصول بها الى بر الأمان
بشراكة متبادلة في قيادة دفتها . حصل إدراك من لدن أطراف المعادلة الديمقراطية في
تركيا - بعد زمن من الصراع- أن ثمة مساحات مشتركة للعمل بين التيارين ، وأن ثمة
مساحات اختلاف ، سوف لن يكون في وسع أحد
إلغاء الآخر، لكن في وسع كل طرف أن يتنازل عن قدر معين للآخر. وبإمكان الطرفين أن
يشتغلا معا في المساحات المشتركة .
-5-
بالرغم
مما طبع وما يزال يطبع التجربة الديمقراطية التركية من سلبيات إلا أنها استطاعت أن
تحتوي بشكل سلمي أكبر تقاطب سياسي إيديولوجي في العالم العربي والإسلامي ، وأشدهما
حدة وقوة ، وهو الاستقطاب بين التيار العلماني والتيار الإسلامي . وبصرف النظر عن
المواجهة الديمقراطية أو شبه الديمقراطية التي واجه بها قطاع هام من النخبة العلمانية
بتحالف مع فئة أخرى داخل المؤسسة العسكرية النجاح الباهر الذي حققته التجربة
السياسية الإسلامية في طبعتها الأولى مع حزب الرفاه ، في محاولة لاستبعاد هذه
التجربة ديمقراطيا من ساحة الحكم ،إلا أن هذه النخبة بكل أجنحتها لم تعبث في
النهاية في نتائج الانتخابات ، ولم تزورها ، ولم تقلب حقائقها،كما لم تسع لإسقاط
الحزب بانقلاب عسكري كما جرى في الجزائر ، بقدرما استخدمت كل التحالفات والتكتيكات
السياسية ، والضغوط السياسية الممكنة من أجل استبعاد التجربة عبر نفس الجسر الذي
وصلت به الى سدة الحكم.
ونفس الأمر حصل مع تجربة حزب العدالة
والتنمية ، فلم يحصل أن مست صناديق الاقتراع ، ولا زورت إرادة الناخبين ،ولا خلطت
النتائج ..صحيح كانت هناك ضغوط أخرى على التجربة . لكن كل ذلك وفق سينوريوهات
"ديمقراطية" كما نرى ونسمع.
- ب-
- ج-
-ح -
إن
المتتبع للساحة الديمقراطية التركية يدرك تماما أن هناك قدرا معتبرا من التطور
والنجاح قد شهدتهما الساحة الديمقراطية التركية
أدى إلى احتواء إحدى الاشكالات الكبرى بالمعنى الثقافي والسياسي داخل قيم
وقواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية ، وأعتقد أن جزءا من هذا الأمر قد يحصل في
ظل التجربة الديمقراطية العربية شرط أن يقوما الطرفان أو أطراف المعادلة بمراجعة
حقيقية لمواقفها ولخطابها ولأدوات اشتغالها ، في ظل مناخ ديمقراطي صحي وسليم.
ففي ظل هذا المناخ ، لا خوف يمكن أن يحصل من أي
قوة سياسية كيفما كانت مرجعيتها وأيديولوجيتها ، فالدستورالذي وفر أجواء وجودها ، ووجود غيرها من القوى السياسية ، هو
نفسه قادر أن يوفر القيود الكفيلة بمنعها ومنع غيرها إذا رأى فيها تهديدا لهذا
المناخ الديمقراطي، بالأساليب والأدوات الديمقراطية لا غير .
قائمة المصادر والمراجع
1-
نادية محمود مصطفى ، العصر العثماني من القوة والهيمنة إلى بداية المسألة
الشرقية ، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام ، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ج 11 ، سنة
1417هـ/1996مـ.
2-
علي أحمد لبن مع مجموعة من المؤلفين ، أخطاء يجب أن تصحح في التاريخ –
الدولة العثمانية- دار النشر للجامعات
المصرية ، ط2 ، سنة1415 هـ / 1995
3-
أحمد نوري النعيمي ، الحركات الإسلامية الحديثة في تركيا – حاضرها
ومستقبلها ، دراسة حول الصراع بين الدين والدولة في تركيا ، ط 1 ، دار البشير بعمان، سنة 1414هـ/ 1993 م.
4- أمين
حسن عمر ، الصراع بين العلمانية والإسلام في الشرق الأوسط ، منشورات بيت المعرفة
للإنتاج الثقافي ، السودان – ط1 ، سنة 1990.
5-
محمد نور الدين ،" الحركة الإسلامية في تركيا "، بحث قدم إلى مؤتمر
" الحركات الإسلامية في آسيا" ، تنظيم
مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة ، سنة 1996.
6-
سعيد خالد الحسن ، النموذج الانتفاضي ، دراسة في الأبعاد الادراكية والسياسية
للانتفاضة في فلسطين ، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق ، كلية الحقوق – جامعة
الحسن الثاني ، الدار البيضاء ، يوليوز 2002م .
7- مجلة
السياسة الدولية ، ع 131 سنة 1998 مـ .
* مفكر مغربي و منسق العلاقات الخارجية بحزب
العدالة و التنمية