ثقافة الاحتلال في الفلوجة
بقلم :محمود
كعوش
كانت دعاوى المقابر
الجماعية المزعومة جزءاً من التلفيقات والذرائع والمبررات الواهية التي روجتها
الادارة الأميركية، وسوّقتها الحكومة البريطانية بالتعاون مع ماكينة الدعاية
الاعلامية الغربية، تهيئة لغزو واحتلال العراق والاطاحة بنظامه الوطني ورئيسه
الأسير صدام حسين.
واذا كانت تلك
الدعاوى قد انطلت على بسطاء الناس في العالم بمن فيهم بعض العراقيين، إلا أنها ظلت
حبيسة الشك والتساؤل بالنسبة لمن خبروا السياسة الأميركية العدوانية التي تولدت
بعد انتهاء الحرب الباردة، واستئثار الولايات المتحدة بالقطبية العالمية الواحدة
واطلاق "نظام" العولمة. وقد زاد في شك وتساؤل هؤلاء أنه ثلة من
المحافظين الجدد الصهاينة والمتصهينين وقفوا وراء رسم تلك السياسة، وأحكموا قبضتهم
داخل جميع مؤسسات الادارة الأميركية مع وصول الرئيس جورج بوش الى البيت الأبيض في
انتخابات عام 2000.
ومع احتلال العراق
عام 2003، لعب رموز الخيانة والعمالة من العراقيين الذين عادوا الى بلاد الرافدين
فوق الدبابات الأميركية والبريطانية دور "المرجل" لهذه الدعاوى، بحيث
جعلوا منها "سيفاً" مسلطاً فوق رقاب أركان النظام والوطنيين العراقيين. وجندوا
من أجل ذلك زمراً من الاعلاميين العراقيين الذين ركبوا "حصان" الاعلام
العميل والمستجد الذي طفا فوق سطح المشهد العراقي.
ومع التمادي الممنهج
في الحديث المتواتر عن المقابر الجماعية المزعومة ومحاولة الصاقها بالنظام ورئيسه،
وجد الوطنيون العراقيون أنفسهم مضطرين للكشف عن ذلك "اللغز" رأفة
بالبسطاء من العراقيين الذين انشغلوا عن مواجهة الاحتلال بالبحث عن وهم تلك
المقابر الجماعية. فقد كانت المقابر نتيجة طبيعية لحربين طويلتين خاضهما العراق في
العقدين الأخيرين من القرن الماضي و13 عاماً من الحصار فرضته عليه الولايات
المتحدة بذريعة "عدم الالتزام بالقرارات الدولية!!".
مركز بغداد لدراسات
الوحدة العربية أسهم بدوره في فك "شيفرة" لغز المقابر الجماعية باصداره
دراسة تفصيلية حولها في 13 تموز الماضي فنّد فيها جميع الالتباسات المفتعلة التي
أحيطت بها. وخلص المركز في تلك الدراسة الى أن كل ما قيل وأشيع حول هذا الموضوع هو
محض افتراء أريد من ورائه التغطية على تهاوي وتساقط جميع التلفيقات والذرائع
والمبررات التي سيقت تمهيداً لغزو واحتلال العراق والاطاحة بنظامه ورئيسه، بما
فيها دعوى امتلاكه أسلحة دماء شامل!!
لكن ذلك لم يحل دون
تمادي سلطة الاحتلال وماكينة دعايتها الاعلامية ورموز الحكومة العراقية العميلة في
الحديث عن هذه الدعاوى، الى أن جاء الجواب الفصل عليها من بين أطلال مدينة الفلوجة.
جاء الجواب بعد مضي بضعة أسابيع على بدء الهجمات العسكرية الأميركية التي تعرضت
لها ولا تزال.
فمع تصاعد تلك
الهجمات التي ثبت معها أن عروس المدن العراقية ما تزال عصية على الاحتلال، تكشفت
الأمور عن ارتكاب قوات سلطته إبادات جماعية بحق الفلوجيين ودفنهم في مقابر جماعية،
مما دلل على أن السحر انقلب هذه المرة على الساحر، بحيث لم يعد معه مقبولاً أو
مستساغاً أن يستمر الحديث عن المقابر العراقية المزعومة بمناسبة وبدون مناسبة.
فقد كشفت المعلومات
التي تسربت من داخل المدينة الصامدة عن قيام قوات الاحتلال باستحداث ما بين 8 و12
مقبرة جماعية مثلت حتى الآن الجزء الظاهر من الابادات الجماعية التي ارتكبتها بحق
الفلوجيين خلال الثمانية أسابيع التي تلت بدء الهجمات عليها في أواخر شهر رمضان
الماضي. ووفق تلك المعلومات، فان كل مقبرة ضمت ما بين 25 الى 40 جثة لمدنيين
ومقاومين عراقيين.
والأدهى والأمر أن
هذه القوات قامت باخفاء المقابر داخل خراسانات اسمنتية لمحو أي أثر يدلل على
وجودها. كما ورشتها بالمواد الكيميائية ومنعت الفرق الطبية والمنظمات الانسانية
بمن فيها منظمة الصليب الأحمر من الوصول الى الأحياء التي توزعت فيها. هذا ورهنت
ذلك بانتهاء فرق خاصة من الخبراء الأميركيين من مهمة محو آثارها.
ما تكشف حتى الآن عن "حضارة"
قوات الاحتلال الأميركية في الفلوجة هو الجزء اليسير مما سيتكشف بعد انسحاب هذه
القوات من المدينة في المستقبل. فهذه القوات ما كان مقدراً لها أن تفعل غير ذلك،
خاصة وأنها قدمت الى العراق من أجل ارساء دعائم الديمقراطية وحقوق الانسان تاركة
وراءها "البلاد التي اختارها الله لاظهار طريق الحرية الى العالم!". وهذا
الجزء هو من الكل الذي أذاقته هذه القوات للمدن والبلدات العراقية الأخرى وما
يُنتظر أن تُذيقه لها في الأيام القادمة. انها ثقافة الولايات المتحدة وحكامها
وجنودها!! فالثقافة التي تفترض استحداث مقابر جماعية لأبنائها ومرتزقتهم في ظل
سياسة العولمة، لن يضيرها الأمر اذا ما دفن جنودها جميع العراقيين في مقابر جماعية!!
ففي ذات اليوم الذي
تم فيه الكشف عن المقابر الجماعية التي استحدثتها قوات الاحتلال في الفلوجة، كشف
راعيان عراقيان بطريقة الصدفة عن مقبرة جماعية خلفتها هذه القوات وراءها عند
انسحابها من بلدة "الحديثة" تحت ضغط هجمات المقاومين العراقيين التي
هدفت الى تخفيف الضغط عن عروس المدن العراقية. فعند انسحاب قوات الاحتلال من قاعدة
"مدرسة القتال المدفعي" في الحديثة الى قاعدة "القادسية" التي
تبعد عنها 15 كيلومتراً طلباً للنجاة، لم يسعفها الوقت لسحب جثث قتلاها الذين
أقامت لهم مقبرة جماعية مؤقتة. وبنتيجة التدقيق تبين أن في داخلها 82 جثة لجنود
أميركيين ونيباليين وهنود ومصريين ولبنانيين، وهو ما عنى أن مرتزقة من جنسيات
متعددة يعملون في خدمة سلطة الاحتلال الأميركية.
هذا غيض من فيض "الثقافة"
التي حملتها قوات الاحتلال الأميركية الى العراقيين عندما قررت الادارة الأميركية
ارساء دعائم الديمقراطية وحقوق الانسان في العراق!! هي نفس "الثقافة" التي
تم تعميمها في سجن "أبو غريب" وسجون ومعتقلات عراقية عديدة. نعم هي ذات "الثقافة"
التي جعلت "فاطمة العراق" تناشد المعتصم في قبره لنجدتها ونجدة الماجدات
العراقيات الأخريات في سجن "أبو غريب" وتخليصهن من جرائم الاغتصاب التي
يتعرضن لها ليلاً نهاراً، بعد أن صُمت آذان "أولي الأمر" في الوطن
العربي من المحيط الى الخليج عن استغاثتهن.. هل هذه ثقافة!!؟
هذه هي "ثقافة"
الاحتلال.. الأميركي بلا دهشة ولا استغراب! لكن ما يدعو للدهشة والاستغراب هو ذلك
الموقف المشبوه الذي تظهره منظمة الصليب الأحمر الدولي. فهذه المنظمة التي يُفترض
أن تتسم بالصفات الانسانية والحياد المجرد وتقتصر جهودها على تقديم المعونات
والمساعدات للمنكوبين في الفلوجة والاسهام في كشف الجرائم البربرية التي ارتكبت
بحقهم، اتصف دورها بالتحيز السافر لسلطة الاحتلال.
فكما سبق لهذه
المنظمة أن أغرقت كثيراً في التواطؤ مع هذه السلطة في قضية الرئيس العراقي الأسير
صدام حسين بحجبها المعلومات الخاصة به وبصحته عن الهيئة القانونية التي تتولى
الدفاع عنه، ها هي الآن تغرق أكثر فأكثر بالتواطؤ معها باحجامها عن اصدار تقرير
متوازن بشأن الجرائم والفضائع التي ارتكبتها هذه السلطة وما تزال في مدينة الفلوجة،
ومن ضمنها المقابر الجماعية التي استُحدثت فيها.