غياب الوعي العربي.. أسبابه ودوافعه

 

 

 

بقلم : الدكتور محمد علي الفرا

 

تعليقاً على مقال لي بعنوان »الى متى هذا السكوت المريب والصمت المعيب؟« نُشر في »الدستور« يوم الخميس الثالث والعشرين من الشهر الماضي، قال أحد الأصدقاء ان هذا السكوت صار ظاهرة عامة شملت الجميع سواء كانوا رسميين او غير رسميين، فعلى الرغم من وجود الكثير من مؤسسات المجتمع المدني في البلاد العربية كالنقابات المهنية والجمعيات التخصصية والتنظيمات الشعبية، الا انها كثيراً ما تتراخى في القيام بواجباتها القومية والوطنية، فلا تحرك ساكناً، ولا تتفاعل مع الأحداث الخطيرة التي تشهدها حالياً الساحة العربية، وتهدد وجود الأمة في الحاضر والمستقبل. ولمواجهة هذه الأخطار ومجابهتها لا بد للأمة ممثلة في افرادها وجماعاتها ومؤسساتها وتنظيماتها ان تتحرك لتثبت وجودها وحيويتها وفاعليتها، ولتؤكد للعالم انها امة ترفض القهر والظلم، وانها قادرة على الدفاع عن نفسها ورد الأذى عنها، ومقاومة كل من يحاول الاعتداء عليها.

استطرد صاحبي قائلا: في خمسينات وستينات القرن الماضي كان الشارع العربي على امتداد ساحة الوطن العربي يتحرك لأي حدث يحدث في اي قطر او جزء من هذا الوطن، رغم بساطة وسائل الاعلام آنذاك، فلم يكن التلفاز قد انتشر، ولم تكن الفضائيات قد عُرفت بعد، وكان المذياع والصحف والمجلات وسائل الاعلام الوحيدة التي يستمد منها المواطن العربي الأخبار والمعلومات عن كل ما يحدث في العالم بعامة وفي الوطن العربي بخاصة.

قلت لصاحبي: هذا صحيح، وقد عاش جيلنا هذه الفترة وشاهدنا تفاعل الشارع العربي، بجميع اطيافه وتوجهاته وانتماءاته، وحماس الجماهير العربية مع الأحداث آنذاك، ونحن نشهد اليوم ظاهرة سكوت هذا الشارع، وعدم اكتراث غالبية المواطنين للأحداث المؤلمة والمتلاحقة في انحاء الوطن العربي، وبخاصة في فلسطين والعراق والسودان، فهم اما غائبون او مغيبون، او هم من سكان كوكب آخر. ولا شك في ان لهذه الظاهرة السلبية اسباباً، وهي في نظري كثيرة ومتداخلة ويمكنني ذكر اهمها وابرزها في النقاط التالية:

1- دور الاعلام: من المعلوم ان الاعلام اصبح اليوم يشكل المصدر الاول والرئيسي الذي يستمد منه المواطن العربي ثقافته ومعلوماته عن الاحداث الجارية، وغالبا ما تتأثر وجهة نظرة حول هذه الأحداث بطريقة واسلوب نقل الخبر، وبتحليلات المعلقين والمحللين السياسيين وتعليقاتهم على الاحداث، والتي تعتمد على خلفياتهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم، وهنا تكمن خطورة الاعلام، وبخاصة اذا كان موجهاً او مسيطراً عليه رسمياً او من جهات لها غاياتها واهدافها وتوجهاتها، وفي هذه الحالة يركز الاعلام على الامور التي تخدم هذه الأهداف والتوجهات. وقد صدق احد الكتاب في الغرب حينما وصف الاعلام بأنه عملية »قصف العقول«، وقال: »اذا كانت القذيفة في الحرب هدفها تدمير الجسد، فان الكلمة في الاعلام الموجه هدفها تدمير العقل او تعطيله او غسل الدماغ«.

وقد يكون من ابرز عيوب اعلامنا العربي واهمها، وبخاصة الفضائيات العربية المنتشرة على طول امتداد الوطن العربي عدم وجود ميثاق وطني او قومي يضبطه ويلتزم به الجميع، وينسجم مع الاسس والمبادىء والاهداف القومية والوطنية التي تشكل الاطار الذي يدور الاعلام في فلكه. ان اعلامنا العربي - نظراً لعدم وجود ميثاق كهذا - اصبح اليوم في معظمه مخترقا ومسيطراً عليه من الاعلام العالمي الذي تهيمن على كثير من وسائله، الصهيونية العالمية والمتصهينة، والمؤسسات المعادية للعروبة والاسلام. ويبدو هذا واضحاً من المصطلحات والتعابير المعادية التي تسربت الى اعلامنا من الاعلام العالمي، واصبح الاعلام العربي يرددها عن قصد او غير قصد او جهل مثل »الاصولية الاسلامية« و»الارهاب« و»العنف والعنف المضاد«. وقد سبق ان تناولنا ذلك في مقال سابق يضاف الى هذا ظهور نفر من الكتاب الذين باعوا انفسهم لخدمة الاعداء وسخروا اقلامهم المأجورة لخدمة اسيادهم اعداء الامة، ويقومون اليوم كما قال »بلال الحسن« بنشر ثقافة الاستسلام ويطلق عليهم »مثقفي المارينز«. وحول هذا الموضوع كتب »فهمي هويدي« مقاله »عام الاختراق الكبير« المنشور في صحيفة (الخليج) اول امس يقول: »ومن كان يتصور ان يجرؤ نفر من العرب على هجاء المقاومة الوطنية، وان تعلو بعض الاصوات متهمة اياها بأنها »ارهاب« ومدعية ان المقاومين ليسوا سوى ارهابيين و»حربجية« في حين آخر؟.. وان يجري التطاول على هيئة علماء المسلمين في العراق، بحيث يوصفون بأنهم هيئة علماء الخاطفين؟ ومن يصدق ان يقول قائل في مصر، أكرر في مصر، ان اهم بلدين في علاقاتها الخارجية هما الولايات المتحدة واسرائيل، او يقول اننا يجب الا نسمح ابدا للعلاقات العربية ان تؤثر في العلاقات مع اسرائيل، في دعوة وقحة لرفع شعار اسرائيل اولا«.

بناء على ما تقدم فاني لا ارى اعلاما عربيا، وانما ارى اعلاما ناطقا بالعربية، والفرق بين الاثنين كبير جدا، فلو كان هناك اعلام عربي حقيقي يخدم الامة العربية لتحمل مسؤولياته في توعية الجماهير وحشد طاقاتها وشحذ همتها، وحثها على الكفاح والنضال ومجابهة التحديات والاخطار، وليس التشكيك في المقاومة والدعوة الى الاستسلام.

2- الاجراءات الحكومية القمعية والاجراءات البوليسية، وامتلاك السلطات وسائل تقنية متقدمة في الكشف عن الحركات المناوئة لها، ومنع المظاهرات في كثير من البلاد العربية، وتعاون الاجهزة الامنية في عدد من البلاد العربية مع اجهزة امنية عالمية واقليمية تحت ذريعة المحافظة والأمن والاستقرار ومكافحة الارهاب.

3- اختراق مؤسسات المجتمع المدني وتطويعها، وبخاصة بعد تمكن الحكومات من النفاذ الى هذه المؤسسات كالنقابات والجمعيات والهيئات، وعينت الموالين لها في مجالس اداراتها، وشدّدت على المعارضين، ووضعت امامهم العقبات والعراقيل لابعادهم عنها، مما افقد هذه المؤسسات استقلاليتها، وقلل من فعالياتها، وجعل معظمها تسير في فلك الحكومة وتسير وفق مشيئتها وارادتها بدلا من مراقبة مسيرة السلطة ومحاولة اصلاحها ومحاربة كل مظهر من مظاهر الفساد فيها، وبذلك تحولت معظم هذه المؤسسات المدنية في عدد من البلاد العربية الى مؤسسات رسمية، او شبه رسمية انتشر فيها الفساد، مما شل حركتها فلم تعد قادرة على قيادة الجماهير العربية، ولا حتى على تحريك الشارع العربي.

4- العوامل الخارجية وهي كثيرة وهامة، ولكنها ليست المسؤولة وحدها عن تردي اوضاعنا، ولا يمكن للعدو ان ينجح في تحقيق اهدافه اذا لم يجد من يتعاون معه من الداخل، كما ان تدهور الاوضاع الداخلية وسوء الاحوال والنزاعات المحلية والفرقة والانقسام العرقي والطائفي والمذهبي امور تغري بالتدخل الخارجي وتسهل تنفيذ اهداف العدو ومخططاته، وما يحدث على الساحة العراقية - على سبيل المثال - من بعض اعمال وتصرفات هدفها تشويه صورة المقاومة ضد الاحتلال والاساءة اليها، فالاعتداء على المساجد والكنائس واماكن العبادة اعمال يحتار المرء في تفسيرها ويتعذر تبريرها، وهي تهدف الى اثارة الفتنة الطائفية والمذهبية والعرقية وهذا ما يريده العدو ويسعى الى تحقيقه، ولذلك فلا نستبعد ان هناك اصابع اجنبية تقوم بمثل هذه الاعمال التي هي بمثابة عملية خلط الاوراق، وتناول هذا الموضوع عدد من الكتاب الذين استنكروا هذه الاعمال وشجبوها، الا ان البعض استغلها واستخدمها في اثبات نواياه الخبيثة وهي التشكيك في المقاومة وجدواها، وذهب كثيرون من المواطنين العرب ضحية هذا التشكيك، فأفقدهم الحماس والتفاعل مع الاحداث بشكل ايجابي.

قال صاحبي: انا لا اختلف معك فيما قلت، وفيما ذكرت من اسباب، الا انني احمل قادة هذه الامة وزعماءها المسؤولية الكبرى لتردي اوضاعنا واحوالنا، والتي يهمها المحافظة على انظمتها القائمة بكسب رضا الادارة الاميركية وعدم اغضابها خوفا منها ومن بطشها، فقلت: هذا صحيح، وهو موضوع يحتاج الى مقال وحده ولا يتسع المجال لبحثه هنا، وهو في الوقت نفسه اصبح معروفا ولم يعد خافيا على احد ولكنني اقول بكلمة مختصرة لو كانت الديمقراطية مطبقة في جميع الاقطار العربية، واصبحت الشعوب مرجعية الحكام والسلطات لزال الخوف من اي قوة خارجية مهما كانت قوية او عظيمة.