مصر تستعين بخبراء أوروبيين لتطوير التلفزيون والمطارات.. وسط معارضة شديدة

 

 

القاهرة - خدمة قدس برس

 

بعد أن "استورد" القطاع الخاص المصري شغالات وراقصات آسيويات وأوروبيات، و"استوردت" الحكومة شركات نظافة أجنبية، واستعانت بخبرة أجنبية في تطوير المواني وقطاع الجمارك والمصانع، بدأت عدة وزارات مصرية توسيع التوجه نحو الاستعانة بشركات إنجليزية وفرنسية وألمانية لتطوير أو إدارة قطاعات حكومية هامة، خصوصا التلفزيون والمطارات.

 

وتزامن هذا مع انتقادات واسعة من جانب مثقفين وصحفيين، للاستعانة بالأجانب دون المصريين، رغم حجم البطالة، التي تصل إلى حوالي خمسة ملايين نسمة. وسخر صحفيون وكتاب من العقلية القائمة على استيراد كل شيء، والتشكيك في الخبرات المصرية، والتأكيد أنه إذا استمر الحال على هذا النحو، فسوف تستورد مصر وزراء أيضا!.

 

فقد وقعت وزارة الطيران قبل بداية العام الجديد 2005 بيومين على اتفاقيتين مع شركتين ألمانية وفرنسية لإدارة وتطوير سبعة مطارات مصرية، هي القاهرة، وشرم الشيخ، والغردقة، والأقصر، وأبو سنبل، وأسوان، وبرج العرب. وسعى وزير الطيران أحمد شفيق لتأكيد أهمية هذه الاتفاقات، بحكم خبرة الشركتين في تطوير مطارات العالم، بما يزيد قدراتها التنافسية اقتصاديا، وخفف من مخاوف منتقدي الاتفاقات بالقول إنه لا تخوفات أمنية من إدارة الأجانب لمطارات مصر، وأن العقود مع الشركات لا تمس السيادة إطلاقا.

 

وتبع هذا بيوم واحد إعلان وزير الإعلام ممدوح البلتاجي أنه ستتم الاستعانة بخبرة شركة إنجليزية عالمية تدعى "تيرايكواز"، سبق لها تطوير قناة /الجزيرة/ القطرية، وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، على تطوير "قطاع الأخبار" في التلفزيون المصري، بداية من شهر نيسان (أبريل) 2005، بموازنة تبلغ مليون دولار، قدمتها إحدى الوكالات الإعلانية.

 

وتزامن هذا مع نشر تساؤلات في الصحف المصرية المستقلة والمعارضة عن سر عدم تعيين رئيس لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، بعد وصول رئيسه لسن المعاش، وعدم تعيين رئيس لهيئة الاستعلامات، وخلو مناصب إعلامية كثيرة، بدعوى عدم وجود كفاءات مناسبة، وأنباء تشير إلى رفض عدد من الشخصيات المعروفة تولي هذه المناصب في التلفزيون، وعدم وجود قيادات من الصف الثاني تتولى مسؤوليات، تخلف فيها القيادات الكبيرة في السن، التي تخرج على المعاش.

 

ورغم تأييد البعض لخطوات إسناد تطوير المطارات لشركتي " فرابورت" الألمانية، و"إير بورت" الفرنسية، على اعتبار أن هناك شكاوى متكررة من ضعف مستوى الخدمات وتخلفها عن مثيلاتها في مطارات عالمية أخرى، وتأييد خطوة إسناد تطوير قطاع الأخبار، وتدريب المحررين، من قبل الشركة الإنجليزية، بحكم خبرتها، خصوصا أنها لن تشارك في إدارة القطاع، ولكن تطويره فقط، فقد استمرت الانتقادات بنوع من السخرية لمثل هذه الخطوات.

 

فقد نشرت عدة صحف ومجلات مقالات لكبار كتابها ينتقدون الاستعانة بالأجانب في كل مناحي الحياة في مصر، بما يقلل من فرص عمل المصريين، ويدفع الكفاءات للهجرة، ويسحب من رصيد العملات الأجنبية التي سيتقاضاها هؤلاء الأجانب، فيما طرح آخرون تساؤلات ومخاوف بشأن البعد الأمني، نتيجة وصول هؤلاء الخبراء الأجانب لمعلومات هامة عن المطارات والإعلام المصري.

 

وتناول فريق ثالث القضية بشيء من السخرية، حيث كتب عبد القادر شهيب، نائب رئيس تحرير مجلة /المصور/ يوم 31 كانون أول (ديسمبر) الماضي تحت عنوان "استيراد وزراء"، يسخر من استيراد كل شيء، بداية من الراقصات الأجنبيات، والشغالات الفلبينيات، وخبراء الجمارك والموانئ، ويقول "إذا استمر بنا الحال على هذا النحو، فقد نجد أنفسنا مضطرين مستقبلا للاستعانة بوزراء ومحافظين ورؤساء مدن وقرى وأحياء أجانب من الخارج، وربما نواب برلمان أجانب، ووزراء"!.

 

ومعروف أن العديد من قيادات التلفزيون المصري من رؤساء القنوات والقطاعات، ورؤساء هيئة الاستعلامات، واتحاد الإذاعة والتلفزيون، انتهت مدة خدمتهم في مناصبهم، ولم يتم تعيين بدلاء لهم، بدعوى عدم توافر الكفاءات المناسبة، رغم خوض صحف مستقلة، مثل /المصري اليوم/ حملة من أجل إبراز أسماء خبراء مصريين أكفاء لإدارة وسائل الإعلام المختلفة من الجامعات، لتأكيد عدم صحة مقولة عدم وجود كفاءات.

 

 

 

جذور سياسية لمشكلة الصف الثاني

 

ويقول خبراء سياسيون إن مشكلة عدم وجود صف ثان في العديد من المناصب الإدارية والتنفيذية له جذور من الحياة السياسية المصرية، حيث لم يتم تعيين نائب لرئيس الجمهورية يعاون الرئيس حسني مبارك منذ توليه منصبه قبل 24 عاما، وظل المنصب شاغرا طوال هذه الفترة، التي ألمح خلالها الرئيس مبارك لعدم وجود الشخص المناسب في بعض الحوارات الصحفية.

 

وفي المعارضة يستحوذ غالبية رؤساء الأحزاب السياسية على المناصب الكبرى منذ تشكيل بعض تلك الأحزاب، قبل أكثر من ربع قرن، ويرفضون التخلي عنها للصفوف الثانية من حولهم، رغم تخطي الكثير منهم عتبة الثمانين عاما. وأما في الحكومة فيظل وزراء في الحكم لفترات زمنية طويلة، تزيد عن العشر سنوات، ويجمع عدد من رؤساء الشركات الحكومية الكبرى بين أكثر من منصب واحد، ويتولون رئاسة أكثر من لجنة، رغم وجود كفاءات شابة، وارتفاع معدل البطالة، ما أدى لوقف تعيين موظفين في وظائف حكومية بشكل نهائي، لعدم وجود عمل أو مناصب لهم.

 

وتشير دراسات إلى أنه في الوزارات المصرية العشر السابقة قبل حكومة أحمد نظيف الحالية، استمر اثنان من رؤساء الوزراء 13 عاما متواصلة هما الدكتور عاطف صدقي، الذي شكل ثلاث وزارات، خلال تسع سنوات، وكمال الجنزوري الذي شكل وزارة واحدة، كما أن وزير المواصلات السابق سليمان متولي كان أقدم الوزراء في الحكم، حيث تولى وزارات مختلفة منذ عام 1978 حتى 1999، ويليه المهندس ماهر أباظة وزير الكهرباء السابق، الذي تولى الوزارة في عهد السادات عام 1980 وظل بها حتى 1999، إضافة إلى وزير الزراعة السابق يوسف والي، ووزير الإعلام السابق صفوت الشريف، ورئيس الوزراء السابق كمال الجنزوري، الذين تولوا مناصب وزارية مختلفة منذ عام 1982 حتى عام 2004، بمعدل يتراوح بين 20 و22 عاما في الوزارة.

 

جدير بالذكر أن تجارب الاستعانة بشركات أجنبية في بعض القطاعات المصرية أثبتت فشلها، خصوصا شركات النظافة الأجنبية، التي تدور بين بعضها ومحافظة القاهرة خلافات حادة، نتيجة ضعف كفاءة عمل هذه الشركات، ومنافسة شركات مصرية جديدة تشكلت حديثا لها، كما أن الاستعانة بالراقصات الأجنبيات للتغلب على تخلي المصريات عن هذه المهنة، لأسباب متعددة بعضها، لها بعد ديني، انتهى بزوال سبب حضورهن لمصر وهو جمع ثروة مالية من الرقص ومغادرة البلاد لمناطق أخرى لمزيد من الثراء.