فما تغن النذر

 

 

بقلم د.محمد زارع

dr_moh_zaree@hotmail.com

 

  الكارثة التاريخية التي حلت بمنطقة جنوب آسيا .. والتي نجمت عن الزلزال المدمر ( تسونامي ) والمد البحري الهائل الذي اجتاح العديد من الدول تركت وراءها دمارا غير مسبوق وأعدادا ضخمة من القتلى والجرحى والمشردين والمنكوبين .. ولم يتم حتى الآن معرفة الحجم الحقيقي للخسائر الفادحة التي خلفتها .. فهي تتزايد كل لحظة .. وستظل توابعها تتوالى لفترة طويلة .. والأوبئة والأمراض الخطيرة التي انتشرت بسبب هذه الكارثة تتطلب جهودا مضنية من المجتمع البشري للتغلب عليها أو التقليل من أعداد الضحايا المتزايدة .. وهذا يحتاج إلى سنوات طويلة

.. لا شك أن هذه الكارثة الكونية المأساوية أثارت الفزع والرعب .. وحركت مشاعر الحزن والألم لدى كافة الناس في العالم كله .. لكن هول الصدمة يجب أن لا ينسينا ما فيها من عبرة وذكرى .. ولعلها تكون نذيرا للبشرية كلها  .. فكما أرسل الله تعالى إلى عباده رسلا مبشرين ومنذرين .. يرسل آيات مبينات كل حين ليعتبر بها أهل البصائر .. وليتفكر فيها أولو الألباب .. ولا ينصرفون عنها أو يمرون عليها وهم غافلون ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ) 73 من سورة الفرقان

.. والذين لا يتدبرون في آيات الله ولا يعتبرون بها هم أقرب للمنافقين أو المشركين أو الكفار أو المكذبين ( وكذبوا واتبعوا أهواءهم .. وكل أمر مستقر * ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة .. فما تغن النذر ) 3- 5 من سورة القمر

.. وإذا كان الله تعالى قد أهلك الأمم السابقة هلاكا كليا واستأصلهم بتكذيبهم مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط .. فقد خصنا نحن بسنة الإهلاك الجزئي والفتن والابتلاءات كي لا تقسو قلوبنا ( أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين .. ثم لا يتوبون .. ولاهم يذكرون ) 126 من سورة التوبة

.. وهذه الكارثة التي وقعت بجنوب آسيا وصفها كثير ممن شهدوها أنها مثل يوم القيامة ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة .. أو معذبوها عذابا شديدا .. كان ذلك في الكتاب مسطورا * وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون .. وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلوا بها .. وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) 58 – 59 من سورة الإسراء

.. وهذه الكارثة هي الأضخم على مر التاريخ من حيث عدد الضحايا وحجم الدمار .. ربما لأن العالم كله يحتاج إلى هزة قوية توقظه من سباته .. فقد أصبحت الدنيا قرية صغيرة كما يقولون .. لكن الذي يتحكم فيها ويقرر مصيرها مجموعة من الأراذل والمجرمين والأفاقين .. ولا أحد يردعهم أو يضرب على أيديهم إلا القليل .. والسواد الأعظم من البشر مستسلم خانع .. أصبح للفساد مؤسسات كبرى .. وجيوش تحميه .. وإعلام يدعو له .. وشركات عملاقة متعددة الجنسيات تموله وتدعمه .. بينما أهل الخير والصلاح مطاردون .. متهمون .. منفيون .. لا مأوى لهم سوى السجون .. ولا أحد يعبر عنهم أو ينصفهم .. تكالب أهل الباطل عليهم من كل حدب وصوب .. ينهشون لحومهم .. ويفترون الأكاذيب عليهم .. فكان لزاما أن يبعث الله سبحانه وتعالى إلينا آية قوية من آياته تذكرنا بيوم القيامة .. وتنبهنا بمصيرنا المحتوم .. وأن هذه الأوحال التي غرقنا فيها لن تغني عنا شيئا .. وهذه الأسباب الواهية التي نتعلق بها لن تنفعنا .. وأن استسلامنا للظالمين لن ينقذنا .. بل هو الهلاك بعينه ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار .. وما لكم من الله من أولياء .. ثم لا تنصرون ) 113 من سورة هود

.. والعجيب أن هذه الكارثة اجتمع فيها كل عوامل الإهلاك في الأمم السابقة .. الماء .. والريح .. والمطر .. والخسف .. والرعب .. وغير ذلك .. وكأن الله تعالى أراد أن ينبهنا أن أمراض الأمم السابقة كلها تفشت فينا .. وأن الشرك بالله هو الذنب الأعظم الذي ابتلينا به وهو مصدر كل هذه الأمراض .. والولاء لغير الله يستوجب غضبه وإنذاره ..  فهل نحن متبصرون ؟ ! .. ( فكلا أخذنا بذنبه .. فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا .. ومنهم من أخذته الصيحة .. ومنهم من خسفنا به الأرض .  ومنهم من أغرقنا .. وما كان الله ليظلمهم .. ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخدت بيتا .. وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت .. لو كانوا يعلمون ) 40 – 41 من سورة العنكبوت

.. لعل هذه الهزة تجعلنا نفيق من غفلتنا .. وتجعلنا نتلمس الطريق الصحيح لإنقاذ أنفسنا وأمتنا من هلاك محدق .. ولعلنا نستدرك ما فاتنا .. ونبدأ على الفور مسيرة الإصلاح التي ارتضاها لنا الخالق القدير وأمرنا بها .. حتى نطهر الأرض من الفساد الذي يصيب البشرية .. وحتى نكون من الأمم الناجية ... فالمصلحون هم صمام الأمان لأممهم وشعوبهم ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم .. وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) 33 من سورة الأنفال ( وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ) 117 من سورة هود