احــــذروا من المنتــــوج السياســــي

طـُبـــِــــــــخ َ فـي جامعــة الـــدول العربيـــة

 

 

 

 

 

بقلـــم : محمد فؤاد المغازي

 

لم يكتفي النفطيون بما فعلوه بالعراق بعد .. فمازال العراقيون المقاومون يقفون على أرجلهم ولم يركعوا بشهادة أعدائهم .. شهادة لا تحتاج إلي تفسير أو توضيح. وهذا ما يرعب كل من تآمر على العراق فقد تجد الإدارة النازية الأمريكية نفسها مضطرة للرحيل عن العراق بفضل جسارة المقاومة عندها لا يعلم أحد ماذا سيجري لكل الأطراف التي تآمرت على العراق وما زالت.

 

والآن نسمع عن دعوة تتبناها الإدارات النفطية بعقد مؤتمر يضم دول الجوار للعراق، مضافا إليهم وعلى سبيل التمويه ممثل عن النظام الجزائري ( لا أدري لماذا مسيو بوتفليقه بالذات )، وأن يعقد المؤتمر تحت سقف جامعة الدولة العربية التي كان لها دور الأمم المتحدة التخريبي على صعيد المنطقة العربية .. بوصفها جهة يمكن أن تمنح شرعية مزيفة ليستمر مسلسل التآمر على العراق.

 

بداية فالدعوة إن لم تكن مؤامرة جديدة فهي على الأقل دعوة مشبوهة بحكم أن الداعي للمؤتمر أنظمة شاركت بشكل مباشر في غزو العراق. والدعوة لمؤتمر مصالحة تطرح الكثير من الأسئلة، والتي يترتب عليها الكثير من الاستنتاجات.

 

فمثلا لماذا الدعوة لمؤتمر مصالحة الآن؟ فالعراق يتعرض ومنذ عقود لخطر التفتيت والتدمير..لشعبه وثرواته. البترول يسرقه الغزاة تشاركه إدارة الأمم المتحدة ونجل أمينها العام.

 

وهل الدعوة موجهة لأطراف وطنية من أبناء العراق؟ أم أن الدعوة لمؤتمر مصالحة بين العراقيين هي محاولة لإثبات أن السياسية مثل الكيمياء يمكن فيها خلط ما هو وطني بما هو خائن ؟ كيف يمكن أن تتم مصالحة بين مقاومة وطنية وخونة وصلوا إلي أرض الرافدين في نعال قوي الغزو النازي الذي اجتاح العراق؟ وهل تنجح الكيمياء السياسية في خلق معادلة سياسية أحد طرفيها يعلن أنه مع الغزاة النازيين ويطالب ببقائهم على أرض العراق، وبين طرف يقاتل الغزاة ويدفع ضريبة الدم ثمنا لتحرير العراق؟

 

هنا لا تصلح الكيمياء السياسية. فكل من جاء مع زحف النازيين من الأمريكان والبريطانيين على العراق هم مجموعة من الخونة، وكل من تعاون معهم من داخل العراق أي كان لون عمامته، أو طرحه السياسي يندرج تحت نفس المسمي.

 

ولو إفترضنا .. أن الدعوة إلي عقد مؤتمر مصالحة تتم على أرضية حسن النية ( وهذا مستحيل ) فهل الداعين للمؤتمر قادرين على تحقيق وضمان أي شكل من أشكال المصالحة أو التسوية؟ الجواب بالنفي. أنهم ليسوا إلا أدوات في أيدي الغزاة لا أكثر ولا أقل وهنا تكمن خطورة دعوتهم.

 

وهل يعقل أصلا أن الدعوة إلي مصالحة مصدرها حرص النفطيين على حاضر العراق ومستقبله؟ لو أن الدعوة جاءت مباشرة من قبل الأمريكان والبريطانيين لتخذ التحليل السياسي للدعوة شكل آخر، ولربما اقترب التحليل من الحقيقة. لكن أن يدعوا أعداء العراق لمؤتمر مصالحة وتحت سقف جامعة أعضائها يتربص الواحد بالآخر ويتربص الكل بالأمة..أمر في غاية الغرابة والغباوة في نفس الوقت..فهم يتعاملون معنا وكأننا أمة من الدراويش !!

 

أم أن من بين أغراض الدعوة الكاذبة لمؤتمر مصالحة مشبوه هو خلق حالة من التشويش والتخبط  تلهي وتلفت الأنظار في اتجاه خاطئ سواء يستهدف كسب بعض الوقت؟ أو بسبب أن جامعة الغربان وأمينها العام في حالة بطالة؟ أو أن هناك إعداد لكارثة ستحل بالعراق؟

 

أم أن الدعوة لمؤتمر مصالحة يعكس حالة القلق المتزايدة عند الأسر النفطية نتيجة لتزايد أعداد الفرس المشاركين في السلطة في العراق، وقد تسعي تلك الأسر النفطية في خلق حالة من أشكال التوازن حتى وإن كان التوازن يتم بين فصائل من الخونة، فتنامي الدور الفارسي في العراق وتعاظم أعداد ممثليه يشكل خطر مباشر وحقيقي على تلك الأنظمة في المستقبل القريب؟

 

أم أن عقد مثل هذا المؤتمر المشبوه يمثل بالون اختبار يسعى إلا جس نبض أطراف معينة في المقاومة العراقية، بغرض الدخول معها في حوار قد يهيئ مناخا لانسحاب مشروط يبقي على عدد من القواعد في مقابل الانسحاب من العراق، وعلى أن يتم الانسحاب كليا من العراق فيما بعد؟

 

لكن هناك من الفرضيات العملية والمعلنة تطرح احتمالات متناقضة في التحليل، فمع ما طرحناه من أسئلة سابقة. فإن لنظم النفطية ومجموعة المرتزقة من الخونة الذين أتوا في نعال الغزاة إلي العراق من مصلحتهم ومن ضمانات أمنهم بقاء قوات الغزو في منطقة الخليج..وهم يصرحون بذلك علانية .. هذا الإعلان المكشوف يجعل كل دعوة للمصالحة فضلا عن كونها مشبوهة فهي في ذات الوقت غير منطقية، وقد تمثل فخ لتيار المقاومة.

 

وقد يحتج البعض أن ما نطرحه غير مبرر فمن مصلحة الأسر النفطية رحيل قوات الغزو من العراق ومن منطقة الخليج بسبب التكاليف الباهظة التي يدفعها النفطيون كسمسرة مقابل الاعتراف بهم في السلطة، ولضمانات أمنهم.

 

وردي على هؤلاء .. أن حالة الحرب السائدة في العراق وفي مركز إنتاج النفط واحتياطياته أدت إلي ارتفاع هائل في أسعار النفط، وأصبحت عوائده قادرة على تغطية تكاليف السمسرة وتفيض. فإذا ما رحلت قوات الغزو فمن الصعب أن تعود بسبب الخسائر التي تكبدتها وسيصبح العراق في وضع فيتنام منطقة لا تقترب ولا تعود إليها الذئاب، في الوقت نفسه سيترتب على رحيل قوات الغزو انخفاض في أسعار النفط إلي النصف، وسيخلق واقع ما بعد رحيل قوات الغزو حالة تمكن الدول الاستعمارية من ممارسة ضغوط أكثر على الأسر النفطية تكلفتها أكثر مما تدفعه الآن من سمسرة.

 

وقد يكون من بين أهداف المؤتمر المشبوه توسيع أعداد الخونة من خلال أن يشترك آخرون في اللعبة السياسية فيجري توزيع المغانم السياسية على أساس طائفي وحزبي وكجوائـز يقبل بها المنقلبون من بين القوي السياسية الفاعلة في العراق الآن.

 

أما دور جامعة الغربان العرب في إطار الدعوة المشبوهة فينحصر دورها لاستكمال الإجراءات الإدارية والصيغ السياسية التي تسعي لمحاصرة المقاومة في العراق، وقد يشهد المستقبل عمل مشترك مكثف بين أجهزة الأمم المتحدة وما يسمي بجامعة الدول العربية في الشأن العراقي لتتحول القرارت الصادرة عن الاثنان إلي سند من الشرعية الإقليمية والدولية يجرم المقاومة وكل من يتعاون معها وهنا مكمن الخطورة.

 

ما هو مطلوب في النهاية هو إبقاء العراق في دائرة الموت والتخريب المستمر حتى يتم إنهاكه تماما وبحيث لا يشكل أي خطر أو تهديد أو حتى مجرد إقلاق لدول الجوار لعشرات السنين القادمة، ففي هدم العراق ضمانة أمن لدول الجوار النفطية ومن ينكر هذا فهو كاذب.

 

على كل الأحوال ومهما كانت الدوافع فالحذر مطلوب فالأطراف الداعية للمؤتمر والمشاركة إن لم تكن متآمرة فهي مشبوهة  .. وكل ما أخشاه أن تكون الدعوة التي يوحي عنوانها بأنها دعوة مصالحة تكون في حقيقة الأمر دعوة تحقق ما قاله يوما وزير خارجية نفطي لم يأتي ذكر أسمه في الرواية التي قالها الأستاذ محمد حسنين هيكل منذ سنوات .. قال هذا السفيه النفطي عندما أخذ بعض وزراء الخارجية من العرب يطالب بتقديم هامش من المساعدة للشعب العراقي فآلاف العراقيون من الأطفال يموتون بسبب قلة الدواء والغذاء انتفض هذا الجبان ليقول: " ( إذا كان العراقيون يؤيدون صدام حسين فليذهبوا جميعهم إلي جهنم ) !!