قراءات في التاريخ والأحداث الجارية

إدارة الصراعات بالتشتيت والتشليت

 

 

هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

 

1 - إدارة الصراعات بالتشتيت والتشليت

نحن نظلم شعوبنا العربية الحالية كثيرا حينما نعايرهم بأمجاد الأباء والأجداد السابقين، وبتصويرهم كسوء خلف لخير السلف. نعم هناك تشويهات في الأخلاقيات وتدهور حاد في السلوكيات، ولكن أليس هذا وذاك هما نتاج حالة من سلسلة صراعات التاريخ الذي كُتب علينا أن نعيش أسوء مراحله ؟؟. نعم عايش أجدادنا حالات عديدة من الصراعات والنزاعات أثمرت عن تاريخهم الذي نقرأه في التراجم والأخبار ونراه فيما تركوه من معالم وأثار، ولكنني أزعم بأن التاريخ لم يري مثلما نعيشه الآن (كشعوب) نخوض فيه نقاسيه ونعانيه.

فهناك صراع مع قوي كونية عظمي فاقت في شراستها ودمويتها جحافل جنكيز خان وتيمورلنك والموجات الصليبية التي تدفقت علي ديارنا لقرون وعقود في قتال ممدود. وهناك صراع مع قوة صهيونية تمكنت وتجذرت وأرست رواسيها وأقامت مبانيها وأصبح لها (في غياب الهوية وتشويه المرجعية) القول الفصل والمرجع الأصل (!). وهناك صراع مع وكلاء محليين وعملاء مأجورين وفئات نفعية بجذور هوائية تطير وتحط حيث المنفعة المادية، مستنقع أسن أو ماء راكد عفن، لا يهم .. المهم هو المصلحة الذاتية.

صراع مع تنين أسطوري بجسد واحد ورؤوس متعددة. نقاتله في العراق بأسلحة شخصية بسيطة تأخذ قوتها وفاعليتها من تعاليم الرب وإيمان راسخ وقر بالقلب، ونقاتله في فلسطين بأحجار الصبية ودعم زوجات الشهداء وأمهات الأيتام وصواريخ بدائية تسمي القسام، ونقاتله في مصرنا المحروسة بكلمات النخبة الوطنية وحناجر الثائرين وزفرات الصامتين ودموع أمهات وزوجات وبنات الأبرياء المعتقلين والفورة الجديدة للشبيبة الجامعية.

وتلجأ قوي البغي في صراعها معنا إلي أشهر وأقدم أسلوب في الاحتواء وهو "تشتيت الانتباه وتفتيت القوي". ففي العراق تثار الفتنة بين الأعراق (عرب وأكراد) وبين المذاهب الطائفية (سنة وشيعة) وبين الأيدلوجيات (عقائديين وعلمانيين). وبالمثل في فلسطين حيث يتم تأجيج الخلاف بين الفتحويين والإسلاميين (حماس والجهاد)، أما الأخطر فهو ما بين المنكسرين (الذين باتوا في يأس من استمرارية وجدوى الصراع) وبين أصحاب "الإرادة" الذين يؤثرون الموت في كرامة عن العيش أذلاء أرقاء لسفلة الأرض وقتلة الأنبياء. وبالمثل أيضا في مصرنا المحروسة، هناك محاولات لبعث "الفتنة" الطائفية بين المسلمين والأقباط والتي تسير جنبا إلي جنب مع فتنة أخري بين الإسلاميين والعلمانيين الجدد (رغم أن ظهورهم بدأ منذ القرن التاسع عشر)، وأخيرا وكما في فلسطين، بين أصحاب المنكسرين والفكر الانهزامي والمستسلمين للأمر الواقع وبين أصحاب المبادئ السامية و"الإرادة" الصلبة.

وهناك القليل من الوطنيين الذين يعوون أبعاد الصراع ويستطيعون قراءة مقدماته وتوقع نتائجه، ولكن أصواتهم تائهة وأفكارهم ضائعة بين التشليت (الركل العشوائي) الذي تقوم بها الأغلبية، عن جهالة أو عن عمالة أو عن أنانية ونرجسية ومصالح شخصية.

**************************

2 – ضحية نموذجية أسمها "عمرو موسي" !!!!

كان لنا مقال في إبريل من عام 2004 تحت عنوان "سيناريو اغتيال ياسر عرفات"، تطرقنا فيه إلي "توقع" اغتياله الذي تحقق بالفعل لاحقا في نوفمبر من نفس العام. ورغم الخلاف مع "أبو عمار" في العديد من مواقفه التي توجها بمهزلة "أوسلو" والتي جاءت كقطعة "بازل" تضاف في لوحة الإنكسار العربي بجانب سابقتها المسماة بفضيحة "كامب ديفيد" المصرية، إلا أننا لم نملك أنفسنا من الحزن للحالة المتردية التي وصلنا إليها في تصفية رموزنا وهم بين أحضاننا، وكأننا قطيع من دواجن في "عشة" فراخ كبري تمتد يد مالكه ليأخذ منهم ما يريد وقتما يريد غير عابئ بمن يصاصي أو من يكاكي أو بمن يرقد علي البيض (!!).

ولم يكن هذا "التوقع" ضربا من الكهانة أو رجما بالغيب، بل كان قراءة "لمقدمات" الواقع الملموس ومعرفة "لقواعد" الصراعات المستقرأة من التاريخ، وهو ما أشرنا إليه في مقال أخر تحت عنوان "الحل هو الضرب والقتل وأن يكون عندك دم وتموت". وكمثال نقول، أن مشكلة الأميرة "ديانا" البريطانية وعشيقها المصري "دودي" لم يكن لها حل سوي القتل (وخاصة بعدما ظهرت حقيقة حملها سفاحا من تلك العلاقة)، والتفاصيل للمهتمين في المقال المذكور.

ويتراءى أمام عيناي هذه الأيام صورة سوداوية لسيناريو متوقع يذهب ضحيته السيد "عمرو موسي"، أمين عام جامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري الأسبق. قد يكون علي غرار سيناريو اغتيال "داج همرشولد" في الستينات وهو الأمين الأسبق للأمم المتحدة، بسقوط مريب لطائرته، أو علي غرار مشابهة لاختفاء "إيهاب الشريف" الدبلوماسي المصري الذي كان يحمل أوراق اعتماده كسفير في العراق، أو علي غرار مقتل "السادات" الذي تحول إلي "كارت محروق" وباتت تكاليفه أكثر من فوائده (وخاصة بعدما قدم كل ما يملك مصريا وأيضا عربيا)، هذا الاغتيال الذي تم بأيدي وطنية وسيناريو وإخراج أمريكي، وفريق عمل مساعد مصري (!!!)، أو ربما علي غرار نحر السيد "ياسر عرفات" بالسم المجهول.  ولكن ما الذي يجعل السيد "عمرو موسي" معرضا (Vulnerable) لخطر الموت اغتيالا ؟؟؟

1 - فالسيد "عمرو موسي" من أكثر الرموز المصرية قوة في منافسة وريث العائلة الحاكمة علي عرش المحروسة (!!)، والجدير بالذكر أن ترشيحه هذا لم يأت منه بمبادرة شخصية أو رغبة ذاتية بل جاء بقناعة وشبة إجماع شعبي ونخبوي مصري.

2 – والسيد "عمرو موسي" قومي عربي عانت منه الدبلوماسية الإسرائيلية والأمريكية مرارا وتكرارا حتى تم إقصاءه وإبعاده عن "وزارة الخارجية المصرية" إلي أروقة النادي الاجتماعي العربي المسمي مجازا بجامعة الدول العربية (!!).

3 - والسيد "عمرو موسي" من أكثر المناهضين لدعوة الانسلاخ العراقي عن أصوله العربية الذي يراد تقنينها بنصوص تشريعية دستورية وممارسات علي أرض الواقع المادي الفعلي.

4 - والسيد "عمرو موسي" من أكثر الشخصيات العربية المسئولة جهرا بانتقاداته للسياسات العربية المستسلمة لمخطط الذوبان الصهيوأمريكي (مشاكل عمرو موسي مع العراق وبعض دول الخليج).

5 - والسيد "عمرو موسي" من أشد المؤمنين بضرورة إصلاح الجامعة العربية وإعادة هيكلتها وتغعيل آليتها عساها تساعد في الإعاقة الوقتية لمخططات الهيمنة الأمريكية حتى يقضي الله أمرا كان مقضيا.

6 - والسيد "عمرو موسي" من أكثر الشخصيات العربية قبولا لدي "الشارع العربي" ولدي الكثير من شباب وشيوخ السياسة العربية الذين يرون في كلامه وأفعاله ما لا يستطيعون أن يقولون أو يفعلون.

7 – وأخيرا وليس أخرا، فالسيد "عمرو موسي" قد قرر ترك منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية برضائه واختياره، ومن ثم سيتخلص من أعباء قيود المنصب التي تحد من ترجمة مبادئه وقناعاته إلي أقوال وأفعال. وهو في الأغلب لن يمضي الباقي من عمره في منزل ريفي أو منتجع صيفي مرتديا جلباب، بل (وفي الأغلب) سيكون له نشاط سياسي (بالكلمة أو بالفعل أو بالفضح والإفشاء بكتابة المذكرات).

ربنا يستر علي السيد "عمرو موسي"

*************************************

3 – أكتوبر ... التضحية والخيانة والانتهازية

يعتب عليّ بعض القراء مقالاتي عن "السادات"، ومنهم من يرجع ذلك إلي ما أسماه تعصبي "الناصري"، وهو انتماء لا أدعيه وإن كان في النفس هوي لا أنكره من إنجازات الحقبة الناصرية في العدالة الاجتماعية، والأهم هو "الكرامة العربية" ودعاوي القومية التي لا نراها منفصلة عن وحدة الأمة الإسلامية (كمرحلة انتقالية).

ونعيش هذه الأيام عبق ذكري حرب (أكتوبر – رمضان) المجيدة، التي تترادف في مخيلتي دائما بكلمات ثلاث هم "التضحية والخيانة والانتهازية".

فالتضحية والفداء من خير أجناد الله علي أرضه، من المقاتل المصري الصابر العنيد والصلد العتيد، فهو من روت دماءه رمال سيناء، وهو من أمضي بقية أيامه جريحا معوقا، وهو من عاش مكدورا مغموما لنصره الذي نهب، وهو من توفاه الله وهو يلعن المتسبب في جهده الذي سلب.

والخيانة من القيادة السياسية التي فضحت إستراتيجيتنا العسكرية ونويانا القتالية وفتحت قنوات الاتصال بعد ساعات من العبور المصري الأسطوري لتبلغ الأمريكان بأن تلك الحرب ليست إلا تحريك للقضية (!!) وبأننا لن نتوسع في الأعمال القتالية مكتفين ببضعة كيلومترات تكون مقدمة للمفاوضات (وبعكس ما تم الاتفاق عليه مع القيادة السورية، وبلغت أعداد الاتصالات السرية عدد 93 اتصالا حتى 24 أكتوبر 1973)، وهو الأمر الذي تم أبلاغة للقيادة العسكرية الإسرائيلية التي قامت بتنظيم قواتها بالتركيز علي الجبهة السورية القريبة من قلب إسرائيل حتى تم إجهاضها ثم العودة للتعامل المركز مع الجبهة المصرية الذي أثمر عن ثغرة "الدفرسوار" وحصار 45 ألف جندي مصري من قوات الجيش الثالث الميداني.

أما الانتهازية فنراها فيمن جنوا ثمار دماء المقاتلين وأرواح الشهداء وأحالوا شواطئ سيناء المقدسة إلي أكبر وأشهر ماخور في العالم، وباعوا ثرواتها الطبيعية علانية وخلس بثمن بخس إلي من تسبب في أراق الدماء وزهق أرواح الشهداء. ولذا نقول لكل من يذهب إلي سيناء، وكاتب هذا المقال قد حرم علي نفسه زيارتها منذ عام 1977، نقول خففوا الوطء علي أرضها فدماء آباءنا وأجدادنا وأشقاءنا وأولادنا قد صبغت بالأحمر القاني رمالها، وعظامهم أو بقايا عظامهم قد اختلطت بحصاها وصخرها، أما فضاء بطحاءها ودروب سهولها وممرات تلالها وقمم جبالها فمازالت حتى الآن تردد صدي الأنات والصرخات والبسمات والضحكات وشهادة لقاء الله، بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. رحم الله شهدائنا الأبرار... اللهم آمين

والألم الذي يعتري صدري يمنعني من الاسترسال، ولذا سنكتفي بإعادة نص الخطاب الذي وجهه الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس أركان القوات المسلحة، المخطط والمنفذ، في حرب 1973) إلى النائب العام المصري، لعل فيه البيان والتبيان:

نص الخطاب الذي وجهه الفريق سعد الدين الشاذلي إلى النائب العام المصري

السيد النائب العام:

تحية طيبة.. وبعد

أتشرف أنا الفريق سـعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في الفترة ما بين 16 من مـايو 1971 وحتى 12 ديسمبر 1973، أقيم حاليـا بالجمهورية الجـزائرية الديمقراطية بمدينة الجزائر العاصمة وعنواني هو صندوق بريد رقم 778 الجزائر- المحطة B.P 778 ALGER. GARE بان اعرض على سيادتكم ما يلي:

أولا:  إني أتهم السيد محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربيـة بأنه خلال الفترة ما بين أكتوبر 1973 ومايو 1978، وحيث كان يشغل منصب رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية بأنه ارتكب الجرائم التالية:

1 - الإهمال الجسيم:

وذلك انه وبصفته السابق ذكرها أهمل في مسئولياته إهمالا جسيما وأصدر عدة قرارات خاطئة تتعـارض مع التوصيات التي أقرها القادة العسكريون، وقد ترتب على هذه القرارات الخاطئة ما يلي:

 (أ) نجاح العدو في اختراق مواقعنا في منطقة الدفرسوار ليلة 15/16 أكتوبر 73 في حين انه كان من الممكن ألا يحدث هذا الاختراق إطلاقا.

 (ب) فشل قواتنا في تدمير قوات العدو التي اخترقت مواقعنا في الدفرسوار، فى حين أن تدمير هذه القوات كان في قدرة قواتنا، وكان تحـقيق ذلك ممكنا لو لم يفرض السادات على القادة العسكريين قراراته الخاطئة.

 (ج) نجاح العدو في حصار الجيش الثالث يوم 23 من أكـتوبر 73، في حين أنه كان من الممكن تلافي وقوع هذه الكارثة.

2 -  تزييف التاريخ:

وذلك انه بصفته السابق ذكرها حاول و لا يزال يحاول أن يزيف تاريخ مصر، ولكي يحقق ذلك فقد نشر مذكراته في كتاب اسماه (البحث عن الذات) وقد ملأ هذه المذكرات بالعديد من المعلومات الخاطئة التي تظهر فيها أركان التزييف المتعمد وليس مجرد الخطأ البريء.

3 -  الكذب:

وذلك انه كذب على مجلس الشعب وكذب على الشعب المصري في بياناته الرسمية وفي خطبه التي ألقاها على الشعب أذيعت في شتى وسائل الإعلام المصري. وقد ذكر العديد من هذه الأكاذيب في مذكراته (البـحث عن الذات) ويزيد عددها على خمسين كذبة، اذكـر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

 (أ) ادعاءه بـان العدو الذي اخـترق في منطقـة الدفرسوار هو سبعة دبابات فقط واستمر يردد هذه الكذبة طوال فترة الحرب.

 (ب) ادعاءه بأن الجـيش الثالث لم يحاصر قط في حين أن الجيش الثالث قد حـوصر بواسطة قوات العدو لمدة تزيد على ثلاثة أشهر.

4 - الادعاء الباطل:

وذلك انه ادعى باطلا بأن الفريق الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية قد عاد من الجبهة منهارا يوم 19 من أكتوبر 73، وانه أوصى بسحب جميع القوات المصرية من شرق القناة، في حين انه لم يحدث شيء من ذلك مطلقا.

5 -  إساءة استخدام السلطة:

وذلك أنه بصفته السابق ذكرها سمح لنفسه بان يتهم خصومه السياسيين بادعاءات باطلة، واستغل وسائل إعلام الدولة في ترويـج هذه الادعاءات الباطلة. وفي الوقت نفسه فقد حرم خصومه من حق استخـدام وسائل الإعلام المصرية -التي تعتبر من الوجـهة القانونية ملكا للشعب- للدفاع عن أنفسهم ضد هذه الاتهامات الباطلة.

ثانيا:  إني أطالب بإقامة الدعوى العمومية ضد الرئيس أنور السادات نظير ارتكابه تلك الجرائم ونظرا لما سببته هذه الجرائم من أضرار بالنسبة لأمن الوطن ونزاهة الحكم.

ثالثا:  إذا لم يكن من الممكن محـاكمة رئيس الجمهورية في ظل الدستور الحـالي على تلك الجرائم، فإن اقل ما يمكن عمله للمحافظة على هيبة الحكم هو محاكمتي لأنني تجرأت واتهمت رئيس الجمهورية بهذه التهم التي قد تعتقدون من وجهة نظركم أنها اتهامات باطلة. إن البينة على من ادعى وإني أستطيع- بإذن الله- أن أقدم البينة التي تؤدى إلى ثبوت جميع هذه الادعاءات وإذا كان السادات يتهرب من محاكمتي على أساس أن المحاكـمة قد تترتب عليها إذاعة بعض الأسـرار، فقد سقطت قيمة هذه الحجة بعد أن قمت بنشر مذكراتي في مجلة "الوطن العربي" في الفـترة ما بين ديسمبر 78 ويوليو 1979 للرد على الأكاذيب والادعاءات الباطلة التي وردت في مذكرات السـادات. لقد اطلع على هذه المذكرات واستمع إلى محتوياتها عشرات الملايين من البشر في العالم العربي ومئات الألوف في مصر.

التوقيع / الفريق سـعد الدين الشاذلي

الفريق سعد الدين الشاذلي، (حرب أكتوبر)، الطبعة الرابعة - يوليو 1998، دار بحوث الشرق الأوسط الأمريكية

********************************

4 – السادات مرة أخري – مهزلة حرب ليبيا

ورد في مقالنا السابق (ثقافة الرئاسة من ناصر إلي مبارك)، وفي سياق الحديث عن ثقافة رؤساء المحروسة، الجملة الآتية: << ومن المؤكد أن العنصرين الآخرين من عوامل الثقافة وهم "الهموم بقضية ورؤية للحل" كانتا في غياب تام عن السادات، فكل ما فعله كان مدفوعا إليه، ولعل حرب "ليبيا" عام 1977التي أتضح أنها كانت مشروعا ومقترحا إسرائيليا خالصا لخير مثال>>.

وقد تلقي بريدنا الإلكتروني بعض رسائل تتفاوت في ردود أفعالها، وردي عليهم بكافة إتجاهتهم وبدون تفصيل أقول: ارجوكم عليكم بقراءة "التاريخ" جيدا، لأنفسكم ولذوييكم في المقام الأول وقبل أن تصيبوا أقلاما بجهالة دون وجه حق.

فالتاريخ ليس مجرد حكاوي عالقهاوي أو مسلسلات وغناوي (أغاني)، والتاريخ هو المقدمات الاستدلالية لنتائج الحاضر الملموسة، والتاريخ والحاضر هما التوقع والاستقراء للمستقبل المجهول الذي يجب أن نحسبه ونتحسبه. والتاريخ قبل أن يكون شهادات وروايات هو وثائق مادية ملموسة (وكل هؤلاء لقارئ التاريخ العادي)، أما المتخصصون والمهتمون فيمكنهم بقليل من التحليل في إطار قانون السببية معرفة كثير من الأمور، الخفي منها والمستور.

أما عن ما أوردناه بخصوص "حرب ليبيا عام 1977"، فهي أحداث جرت وقائعها بعلاقة إرتباطية بالمحادثات المصرية الإسرائيلية والتي كانت ذات أطراف ثلاث (مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية)، والطرفان الأخيران كتبا وسجلا مئات الشهادات ونشرا ألاف الوثائق، أما الأطراف العربية فهي كالعادة قليلة.  وإبراء للذمة في سرد ما نعلمه من وقائع تاريخية عن هذا الموضوع، نسرد الوقائع الآتية (المرجع: المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل لهيكل ومجموعه الوثائق المصورة المنشورة):

1 – فوجئ أعضاء الوفد العسكري المصري (وكان من بينهم عقيد يدعي "فؤاد هويدي") في احد الاجتماعات التحضيرية (يوم الاثنين 7 يناير 1974) بالكولونيل (عقيد) "زيون" عضو الوفد الإسرائيلي يخرج عن سياق الأجندة ويتحدث معهم عن دهشة الجانب الإسرائيلي من الإصرار المصري (!!) علي الاتجاه شرقا والاهتمام “بقضية فلسطين" رغم تكلفتها (في المال والرواح) وعدم جدواها (!!)، في حين أن الكل سيستفيد لو أتجه اهتمام المصريين إلي الغرب، حيث يمكنهم ربح ثروات وكسب حروب بمجهودات قليلة.

2 – لم يهتم العقيد "زيون" برد الضابطين المصريين عن الالتزام القومي العربي .. الخ، وقام بتسليمهم مذكرة (سابقة الإعداد) معنونة بالآتي "ليبيا .. أمل مصر الحقيقي"، طالبا منهم فراءتها وعرضها علي قيادتهم والتي وصلت بالفعل إلي رئاسة الجمهورية.

3 – تلخصت المذكرة أو الدراسة عن سرد كامل لخسائر مصر في الصراع مع إسرائيل، وحصر شامل للثروات الليبية (المالية والبترولية شاملة الاحتياطيات) وافتقارها إلي الأيدي العاملة والإدارة، والفوائد التي يمكن أن تجنيها مصر من "اندماج" بين البلدين ولو بالقوة المسلحة، وغير هذا من البنود التي تصور عملية ضم ليبيا وكأنها "الحل السحري لكل مشاكل مصر". وتنقل لنا الوثائق والشهادات إهتمام السادات شخصيا بهذه المذكرة وخاصة الفقرة التي تقدر دخل ليبيا في السنوات الخمس القادمة بستة وثلاثين مليار دولار، والتي أختصها بوضع خطين تحتها.

4 – اختمرت فكرة غزو ليبيا في ذهن السادات بعد أحداث يناير 1977، وكان المخطط المبدئي هو الاستيلاء علي ولاية "برقة" الشرقية التي تحوي معظم منابع البترول الليبي.  وبالفعل أتخذ السادات ذريعة صفقة السلاح الروسي التي عقدتها ليبيا عام 1975 مع الإتحاد السوفيتي وقام بتضخيم قيمتها إلي 4 مليارات دولار (قيمتها الفعلية كانت 2 مليار) ، وتهويل محتوياتها (أدعي بأنها تشمل 2000 دبابة)  ومخاطرها المتوقعة علي مصر وخاصة أنها ستتواكب مع إقامة قواعد عسكرية سوفيتية في الجوار الغربي لمصر.

5 – ملحوظة من عندي: لم تكن هذه الادعاءات تهم العسكريين والمختصيين المصريين لأنهم كانوا يعلمون جيدا الحجم الحقيقي لتلك الصفقة وإمكانيات الجيش الليبي، والأهم هو الفكر العقائدي السوفيتي (الذي تعاون كثيرا مع مصر وأعاد بناء قواتها المسلحة اعتبارا من يوليو 1967)، وبأن القيادة السوفيتية ليست راغبة في التواجد في مصر، والدليل علي هذا هو تنفيذهم أوامر الإخلاء للقوات والعائلات في زمن قياسي (72 ساعة) بعد إنهاء معاهدة الصداقة المصرية السوفيتية (وهو الذي سمي لاحقا بطرد الروس من مصر) عام 1972. وكملحوظة أخري أقول: أن القيادة السياسية المصرية أعادت طلب إبقاء خبراء عسكريين سوفيت قبيل حرب أكتوبر 1973 لصيانة المعدات الحديثة (صواريخ سام 6 المتحركة بالخصوص، والتي اختصت بها مصر ولم تكن حتي في تسليح"حلف وارسو" )، واستمروا في عملهم حتى عام 1974/ 1975.فتلك الذرائع كانت موجهة أساسا للعالم الخارجي وإلي الدول العربية.

6 – وبالفعل بدأت الحرب أو (العدوان) علي ليبيا في يوليو 1977، ووسط دهشة وذهول الرأي العام المصري والشارع العربي،  بادعاء "تأديب" القيادة الليبية، ولكن حجم الغارات وكثافتها والدمار الذي أحدثته والإبرار الجوي بقوات الصاعقة لاحتلال مناطق حيوية كان يشير إلي أن العملية أكبر من كونها تأديبا. ومن المفارقات ذات الدلالات هو قيام القوات الجوية المصرية "الباسلة" !!!!!! بتدمير قاعدة "جمال عبد الناصر" الجوية الليبية (العضم سابقا).

7 – تصاعدت الاحتجاجات الدولية والعربية وفوجئ السادات برسالة أمريكية شديدة اللهجة حملها السفير "هيرمان أيلتس"، وهو الأمر الذي حار فيه لاعتقاده بأن هناك ضوء أخضر أمريكي حملته طيات المذكرة الإسرائيلية السابقة. والخلاصة أن السادات أوقف العمليات العسكرية وسحب قوات الصاعقة من الأراضي الليبية، وأراد بمكره وخبثه الفلاحي (الذي يعجب به الكثير من الجهلاء المغيبين) أن ينسب فضل إنهاء النزاع إلي الجهود العربية (هواري بومدين بالخصوص).

وكتعليق أخير علي النقاط السابقة نورد الآتي:

أ – لم يستفد أحد من هذه الحرب سوي "القيادة الليبية" التي قامت بأعمال التجيش والتسليح إلي الدرجة التي باتت تمثل فيه "خطرا حقيقيا" علي الكيان المصري، خاصة بعد أن دعمت قواتها بمتطوعين من "كوريا الشمالية" و "كوبا" وحصلت علي إمدادات مكثفة من الأسلحة السوفيتية، وفي المقابل توقف الإمداد السوفيتي عن مصر التي بدأت تعاني من نقص في إعمال الصيانة والتحديث لسلاحها الذي كان يتكون أغلبه من السلاح الروسي، ومع شح إمدادات السلاح الغربي إلي مصر الذي كان يمد مصر بكميات فرادي مقننة النوعية (بعكس الإمداد السوفيتي الذي كان يتسم بإمدادات "نظم" كاملة ومتكاملة من الأسلحة). ويحسب للرئيس الحالي (حسني مبارك) تفهمه لهذا الموقف وسعيه إلي أبهاء النزاع المصري الليبي وعواقبه التي امتدت لسنوات عديدة.

ب – أكتشف السادات أن فكرة "غزو ليبيا"، والتي كان يعتبرها مخرجا لأزمته الداخلية (بعد انتفاضة يناير 1977) وتحريكا للجمود علي خط المواجهة مع إسرائيل، بأنها كانت مغامرة غير محسوبة جلبت إضرارا لا منافع، ومن ثم هداه تفكيره المنفرد بإحداث صدمة أخري من صدماته الكهربائية ... فكان قرار زيارة الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1977.

*****************************

5 – المحروسة ليست عربا فقط وفراعين، بل ومن كل ملة متمصرين

كان من المخطط تناول ادعاءات ما يسمي "بأقباط المهجر" الذين يمارسون إلقاء منجانيق البغض وقذائف الحقد والكراهية عبر الأطلنطي وعبر البحر الأبيض المتوسط، ويحاولون إيقاظ فتنة في أرض الكنانة لعن الله (عز وجل) من يحاول إيقاظها، وهو الأمر الذي تحاشيته بالتصريح وإن مررت عليه بالتلميح، حتي وجدت نفسي "مقحما" في هذا الموضوع عندما تناولتني بعض المواقع المشبوهة بسبب تناولي إياهم عند تحليل انتخابات الرئاسة المصرية في مقال سابق وذكري بأن مبارك اعتمد علي ثلاث تكتلات رئيسية (الأقباط ومنسوبي الحكومة ووجه قبلي).

ولكن الوقت داهمنا وطالت صفحات الكتابة، لذا ادعو الله عز وجا أن يتم تناول هذا الموضوع في مقال قريب بإذن الله، من زاوية تظهر معالمها في العنوان المذكور (ليست عربا فقط وفراعين، بل ومن كل ملة متمصرين).

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية