لمحاصرة التيار الاستئصالي داخل السلطة ؟
بقلم : عبدالعزيز الملا
لقد بات واضحاً أن
أمريكا ودولة العدو ودولاً إقليمية أخرى - ذات وزن - قد حسمت أمرها تجاه رفض
مشاركة حركة حماس في العملية السياسية الجارية وبالذات في الانتخابات التشريعية
القادمة.. ولذلك أسبابه التي نفهمها وتفهمها حماس، ولكن
لا نتفهمها ولا يجوز القبول بمنطقها.. فهم يعلمون أن
حماس تخوض الانتخابات على قاعدة استمرار المقاومة، أو الاستعداد للمقاومة
والاحتفاظ بها كخيار بديل في كل الأحوال، وبالتالي فما
ستفرزه الانتخابات يعد غير مقبول لدى هؤلاء ولو في الحد الأدنى من الفوز الذي قد
تحققه حماس.. لأنه سيكون قبولاً بمنطق جمع المقاومة المسلحة، والمقاومة السياسية والديبلوماسية، وهو ما قامت كل العملية منذ بدايتها في مدريد
على أساس إلغائه واشتراط التنازل عنه وقبلته السلطة، التي لم تكن سلطة يومها، كما
قبلته الدول العربية - للأسف- أما الاحتمال الأسوأ بالنسبة لهؤلاء فهو أن تحقق حماس
أغلبية في المجلس التشريعي وترسم بالتالي الخطوط الحمراء تحت وفوق هامش السلطة
والطريقة التي تتعاطى بها مع
التسوية.
هذه في تصوري أهم الاعتبارات التي تدفع باتجاه
عزل حماس ومنعها من المشاركة في الانتخابات.. وهي نفسها مبررات حماس «كما أظن» للمشاركة
في مجلس لا يملك أحد أعضائه أن ينتقل بين مدينتين بدون تصريح من قوات الاحتلال.
ولكن أين السلطة من هذا كله؟ السلطة هي الأشد حرجاً، لأنها متواطئة مع
هذا الجميع ضد مشروع حماس بل ووجودها وقد رأينا خلال عمر السلطة منذ 1993 كيف
مارست هذا التواطؤ سياسياً وأمنياً، ولكنها في الآن نفسه لا تستطيع أن تفصح عن
حقيقة موقفها كما يفعل اللاعبون الآخرون وخاصة في ظل صعود نجم المقاومة المسلحة
وتصاعد العدوان الصهيوني وانغلاق الأفق السياسي وما منيت به
تلك السلطة من خسارات مادية ومعنوية خلال الانتفاضة
جعلتها تحاول الاقتراب والدخول في طرف صورة المقاومة تحت شعار المقاومة السياسية.
والسلطة هي الأشد
تضرراً من صعود نجم حماس بالذات والالتفاف الجماهيري من حولها، والسلطة أشد تضرراً
عندما تكون في سباق مع حماس على مقاعد التشريعي، وفي سباق مع حماس على الرأي العام
الفلسطيني، والسمعة الوطنية التي لا تضمن السلطة السبق فيها حتى بين المتعاطفين
معها وهم بلاشك لا ينطلقون من الإعجاب بأدائها ولا
الثقة بذمتها.
والسلطة هي الأكثر
تضرراً عندما يتحول مسؤولوها ورموزها إلى مجرد محللين
سياسيين يلاحقون الأحداث وشاشات التلفزة لتوضيح فكرة أو
استجداء عاطفة، وهي - أي السلطة - الأكثر تضرراً عندما تصير قراراتها وبالذات ضد
حماس وقوى المقاومة خاضعة لفيتو لجنة المتابعة العليا للقوى والفصائل الوطنية
والإسلامية كما حدث أخيراً.
ذلك ما يجعل السلطة
تتخذ الموقف الذي اتخذته ضد حماس من تحميلها مسؤولية القصف الصهيوني لمسيرة جباليا وما نتج عنه، والتحرش بابن عبدالعزيز
الرنتيسي وتهييج الشرطة للتظاهر ضد حماس...إلخ
أقول إن السلطة بهذا
توغل في الانتماء للمعادلة الخارجية وتبتعد كثيراً عن جماهيرها - المفترضين - وتضيق
هوامش قدرتها على التفاهم مع حماس التي لم تعد حماس الـ
«87 أو 94 أو 96 أو 98 أو حتى الـ 2000» فعلى عقلاء
السلطة أن يغيروا خطابهم الذي يثبت أنه لم يجد ولم يجن لهم إلا المزيد من التجافي والانعزال عن شعبهم.. وعليها اي
السلطة أن تحاصر التيار الذي سماه محمد نزال بالاستئصالي
لأنه سيضر بالسلطة قبل أي جهة أخرى.
كما أن على حماس أن
تفوت الفرصة على هذا التيار كما فوتتها عشرات المرات قبل ذلك، وأن ترتفع عن مماحكات أبو علي شاهين الذي كلما تكلم يشعر سامعه أنه أصغر
بكثير مما يبدو عليه.. وعلى حماس كذلك أن تبدأ تحركاً سياسياً داخلياً لمحاصرة هذا
التيار فلسطينياً وفصائلياً وفتحاوياً،
وتحركاً موازياً مع الدول القريبة من الشأن الفلسطيني كمصر ومع جامعة الدول
العربية، وتستثمر صلاتها حتى تصحح الصورة التي تحاول السلطة نقلها للرأي العام
العربي.