الخوف من الفضيحة
بقلم : وجدي انور مردان
لا ندري كيف سيتعامل
المؤرخون في المستقبل مع الكم الهائل من الكذب والتزوير و التضليل والتشويه
والتلفيق، الذي رافق غزو العراق ومن ثم تدميرالمتعمد
لمنشآته ومؤسساته الوطنية وسرقة كنوزه
وثرواته بحجة اعادة اعماره ؟
كيف سيتعاملون مع التعتيم والتشويه الاعلامي والمعلوماتي بعد أنزلاق الولايات
المتحدة الأمريكية إلى المستنقع العراقي الذي لاقرار
له؟ فرئيس أقوى دولة في العالم، مازال مستمرا في تضليل شعبه ومعه الجاهلون
والخائفون والمرتجفون في العالم من الحكام والاعلاميين
والكتاب المارينز ، ومازالت الأكاذيب تترى و تتضاعف طرديا كلما توسعت محنتها في صحارى العراق
الشاسعة وشوارع مدنه القاتلة ومنعطفات بساتينه المظلمة.
في عصر الانترنيت، لم
يعد بالإمكان حجب الشمس بالغربال. وفي عصر الفضائيات العاهرة والشريفة، لايمكن للكذبة ان تدوم الى يوم غد.. وفي زمن الايميلات لايمكن اخفاء الارقام
والحقائق والصور والنكات وتجارة الرقيق الابيض!! وبالرغم
من انكشاف حقيقة الاهداف الامريكية
لآحتلالها العراق والمجازفة بهيبتها ومكانتها كاقوى دولة عسكرية واقتصادية في العالم. ورغما عن هذا فأن
أركان ادارتها مازالت تمارس بمنتهى العناد والصلافة، الكذب والتشويه والتضليل. يحرفون الحقائق ويشوهون الوقائع. يخفون أعداد قتلاهم وجرحاهم . يدفنون قتلاهم من
غير الاصل الانكلو سكسوني
تحت جنح الظلام في صحارى بلاد الرافدين. يعزلون المصابين بالجنون واللوثة العقلية
والاضطرابات النفسية، بحيث ضاقت بهم المستشفيات العسكرية الامريكية
في المانيا بما رحبت، فأما هروب الجنود والضباط من اقوى وأحدث جيش في العالم بات أكثر عددا من هروب الجنود
الحفاة الجياع من جيوش العالم الثالث. أركان الادارة
الأمريكية يعرفون حجم المأساة وتفاصيله الدقيقة المروعة. وانهم
حائرون ماذا يصنعون، غير الايغال في التدليس والتضليل. فقبل
ايام وفي جلسة استماع في مجلس النواب الامريكي ، قال الجنرال كيسي، قائد العمليات العسكرية في
العراق: ان الاوضاع في
العراق تسوء يوما بعد يوم وتوقع زيادة عمليات المقاومة وانه لايمكن
الاعتماد ألا على فوج واحد من قوات الجيش العراقي ( الفوج العراقي مؤلف من 900-1000
فردا). هذا الجيش الذي دوخوا في تدريبه العالم بحيث شمر عن ساعده من هب ودب من اولاد العاهرات البولنديات الى اولاد الزانيات الايطاليات الى
مثليي الجيش الامريكي الى عرفاء وسخفاء بعض الدول العربية واخيرا
اخذت قوات الحلف الاطلسي على
عاتقه تدريب جيش الصفويين في العراق!! هذا ماعدا
مليارات الدولارات التي سرقت لتجهيز وتسليح هذا الجيش اللاجيش.
وماذا كان رد الجنرال مايرز، رئيس اركان
الجيوش الامريكية الذي كان جالسا بالقرب منه؟ قال
بمنتهى الغباء المرتسم على وجهه الشاحب، وبشفاه مرتجفة: أن الاوضاع
في العراق تتحسن والدليل انهم ( العراقيون) سيجرون
الاستفتاء على الدستور يوم 15 اكتوبر، تشرين الاول وسينتخبون مجلسهم الوطني وحكومتهم الوطنية في نهاية
العام الحالي. لا نريد التعليق على هكذا سفائف.
وقلنا ايضا في المقال المشار اليه: كلنا
أمل بأن يقيض الله، في يوم ما، أحد الكتاب المنصفين، أمثال سيمون
هيرش أو جون بلجر ، أو نعوم تشومسكي، ليكشف للعالم الوثائق الأمريكية الرسمية التي تتحدث
عن هول الكارثة التي واجهتها أمريكا في بلاد العباسيين، أرض الرافدين المقدسة
ويفضح ورطتها الكبرى في “المستنقع العراقي” واستنزافها على أيدي المقاومة العراقية
الباسلة.
العراقيون ومقاومتهم الباسلة، من جانبهم، يعرفون
التفاصيل الدقيقة والوافية عن حجم الكارثة الأمريكية في بلادهم. يقومون بتوثيقها، بالصوت والصورة، لتكون شاهدا للأجيال
العراقية القادمة كواحدة من أنصع الصفحات الإنسانية إشراقا وعظمة وبسالة في
تاريخهم.
يبدوا ان الله قد قيظ لنا شخصا استيقظ ضميره ولومتأخرا،
شخصا خرج من رحم المؤسسة البريطانية العريقة. واحد اركان
دبلوماسيتها، وسفيرها في الامم المتحدة في اصعب الظروف التي مرة بها القضية
العراقية منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي. هذا الدبلوماسي الذي صاغ قرارات
مجلس الامن منذ ذلك التاريخ وحتى شن العدوان العسكري
الغاشم واحتلال العراق. ثم اصبح المبعوث البريطاني
الخاص في العراق المحتل ونائبا للحاكم الامريكي على
العراق المحتل المجرم بول بريمر. انه السير جيرمي غرينستوك. الذي الف كتابا بعنوان ( كلف الحرب ) تحدث فيه عن تجربته الدبلوماسية اثناء التحضير للحرب ضد العراق وتجربته في العمل نائبا لبريمر من موق المطلع على الحقائق
والوقائع.
ذكرت صحيفة اوبزيرفر
البريطانية يوم الاحد 17تموز 2005 أن الحكومة البريطانية أوقفت نشرالكتاب بعد ان اطلعت علي اجزاء منه . وقالت ان منع الحكومة البريطانية لنشر الكتاب محاولة لتجنب الوقوع
مرة اخري في الحرج الذي يدور حول قرار توني بلير،المشاركة في احتلال
العراق. وحسب الصحيفة ان مسؤولي
الحكومة الذين قرأوا الكتاب أُصيبوا بصدمة من الطريقة
التي عالج فيه غرينستوك موضوع الاقتباسات المنسوبة الى رئيس الوزراء..وطالب مكتب الحكومة ووزارة الخارجية، غرينستوك ازالة جميع تلك
الاقتباسات قبل السماح بنشر الكتاب.
يصف غرينستوك، قرار امريكا الحرب ضد العراق بأنه قرار سياسي وغير قانوني. و يسوق
انتقادات الاذعة للحاكم الامريكي
للعراق المحتل بول بريمر ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.وضمن الكتاب استشهادات كثيرة من احاديث خاصة
دارت بينه( غرينستوك) وبين رئيس الوزراء بلير ووزير الخارجية جاك سترو
ونقاشات خاصة اجراها مجلس الامن
الدولي التابع للامم المتحدة حول العراق مما اصاب المسؤولين البريطانيين
بالدهشة. واتهم غرينستوك، واشنطن بحرف مسار قرار مجلس الامن المتعلق بالعراق ومحاولات الهيمنة على الامم المتحدة، حيث قال ان
المفاوضات داخل اروقة الامم
المتحدة لم يبتعد عن التحريف الامريكي. ومع اعترافه
بالجهود التي حاولت اقتلاع خطر صدام، الا انه اكد ان فرص ما بعد الحرب، وسقوط
بغداد، تبددت بسبب التحليل الاستراتيجي الضعيف، وضيق الافق
الذي تبع تطبيقها .
ويعتبر غرينستوك الذي يتقن اللغة العربية من الدبلوماسيين البارزين
في السلك الدبلوماسي البريطاني، وهو الذي صاغ جميع قرارات مجلس الامن ضد العراق منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، وبالرغم
من انه يتحمل قسطا كبيرا من المسؤلية القانونية والاخلاقية في المشاركة في ادامة
الحصار الجائر الذي فرض على العراق وساهم في قتل
5و1 مليون طفل عراقي حسب وثيقة وشهادة اليونيسيف. وربما سيخفف كتابه
هذا عن كاهله قليلا من وخز الضمير وتأنيبه.
فضح فيه - حسب الاوبزيرفر البريطانية- ممارسات سلطات
الاحتلال الامريكية ما اقترف من جرم ضد الشعب العراقي.ولاندري هل ضمن الكتاب جهوده التنسيقية
مع ايران لتنظيم قائمة الائتلاف في الزيارة التي قام بها الى طهران في 5/1/2004 والتقى
مع الخرازي وزير خارجية ايران؟
وقد صرح بعد اللقاء قائلا:بان حكومة بلاده تولي اهمية
كبيرة لدور ايران في العراق لانه
دور مؤثر. وقد بحث مع خرازي دور مليشيات بدر وضرورة
انخراطها ضمن قوات وزارة الداخلية!!!(اليس كل المصائب
من وراء الانكليز!!).
يصف السير غرينستوك تجربته
المخيبة مع سلطة الاحتلال ، وعلاقاته التي ساءت مع بريمرالامر
الذي ادى الى طرده بعد ان عمق علاقاته مع دعاة الطائفية، وزادت سوءا مع انتهاء مهمته
في العراق وعودته الى لندن.
مازال الرجل يبحث عن ناشر لكتابه. حاول النشر في
استراليا ثم كندا فكانت الابواب مؤصدة بوجهه بعد ان رفضته دور النشر البريطانية، ومازال حائرا، لاندري لماذا لم ينصحه احد بنشره في فنزويلا؟!!!
حتى في اعرق
الديمقراطيات في العالم فانك لست حرا في نشر ارائك اذا كان رأيك يطخ العظم!!!
على اية حال فأن الكتاب قد كتب، وان لم ينشر اليوم فسينشر غدا او بعد غد اوبعد عام. وغدا لناظر
انكشاف الفضائح والاكاذيب لقريب. وهذا اول الغيث.