البحث العلمي العربي ومتطلبات إنهاضه
بقلم : د. عماد
لطفي ملحس
في عالم المعرفة
واقتصادها ، كما في عالم المال والأعمال ، يحتلّ البحث العلمي والتطوير موقعاً
مرموقاً ومؤثراً ، حيث تشكل المنافسة المحتدمة على السلع والخدمات والمنتجات
المختلفة ، عنصر الحسم في إمكانيات البقاء والتقدم أو الانزواء والتقهقر .
وتتسابق الدول
الصناعية المتقدمة على تخصيص مبالغ أكبر في موازناتها من أجل البحث العلمي
والتطوير ، بوصفه استثماراً ذا أرباح هائلة ، بينما لا تشكل هذه المخصصات في
ميزانيات الدول النامية – ومنها عالمنا العربي – سوى نسبة ضئيلة للغاية . وبحسب
ارقام " معهد احصاءات اليونسكو"
للعام 2004 ، فإن مبالغ الانفاق على البحث والتطوير في الدول العربية
مجتمعة لم تزد عن 1.7 مليار دولار ، أو ما نسبته 0.3 % من الناتج القومي الاجمالي
لهذه الدول ، في حين أنفق على البحث والتطوير في دول امريكا اللاتينية والكاريبي 21.3
مليار دولار ( 0.6% من الناتج القومي الاجمالي ) ، وفي الهند 20 مليار دولار ( 0.7%
من الناتج القومي الاجمالي ) ، وفي دول جنوب شرق آسيا الصناعية 48.2 مليار دولار (
1.7%) ، وفي دول الاتحاد الأوروبي 174.7 مليار دولار ( 1.9% ) ، وفي امريكا
الشمالية281 مليار دولار(2.7%) وفي اليابان 98.2 مليار دولار ( 2.9%) ، وفي الكيان
الصهيوني 6.1 مليار دولار ( 4.7%) .
ولا يقتصر استثمار
الدول المتقدمة في مجال البحث والتطوير على مؤسسات الدولة فقط ، بل يتعداه لتقديم
الدعم للهيئات والمؤسسات الأهلية ، حيث تتكامل العملية الاستثمارية وتترابط
حلقاتها بتناغم واضح ، الأمر الذي يؤدي الى زيادة التحفيز من أجل اكتساب المعرفة
ورفع مستوى الابداع والاكتشاف والاختراع . هذا إضافة إلى ما تخصصه المؤسسات
والشركات الخاصة من ميزانيات عالية للبحث العلمي والتطوير( وصلت نسبة مساهمتها في
اليابان مثلاً الى 73% من مجموع ما أنفق على البحث والتطوير في العام 2001 )
.
ولقد أشارت دراسة
مقدمة من عدد من الاساتذة الجامعيين الى ورشة عمل " البحث العلمي في مؤسسات
التعليم العالي " ، وهي واحدة من عشر ورشات عمل عقدت في الآونة الأخيرة في
نطاق التحضير ل " المؤتمر الوطني الأردني للتعليم العالي والبحث العلمي "
المقرر انعقاده في أيار القادم ، إلى أن " البحث العلمي في مؤسسات التعليم
العالي يشكل أحد مهام أعضاء هيئات التدريس الأساسية الثلاث إضافة إلى التعليم
وخدمة المجتمع ، وان البحث العلمي في الجامعات هو نتاج أعضاء هيئات التدريس الذين
يشكّلون اكثر من 80% من العاملين في حقل البحث العلمي فـــــي الأردن "
. وهذا يعني ضآلة إسهام شركات ومؤسسات
القطاع الخاص في البحث والتطوير ، وانقطاع الصلة بينهم وبين الباحثين من أعضاء هيئات التدريس الجامعية ، مما
يجعلنا نتساءل عما تحققه الأبحاث الجامعية من فائدة للمجتمع بعامّة ، وللقطاعات
الصناعية والتجارية والزراعية والخدماتية بخاصّة ، اذ ما فائدة مثل هذه الأبحاث
القيّمة ان بقيت حبيسة الأدراج أو الرفوف ، أو لم توضع في خدمة التطوير والتنمية
الشاملة .
تجدر الإشارة إلى أن
الباحثين الجامعيين يعانون من إشكالات ونواقص تعيق نشاطهم البحثي ، وتجعله قليل
الفائدة ، ولا يتناسب مع قدراتهم المفترضة والواقعية . وقد حددت الدراسة المهمة
المشار إليها آنفاً الواقع الحالي للقوى البشرية ذات العلاقة بالبحث العلمي في
مؤسسات التعليم العالي في الأردن بما يلي :
1. قلة عدد الباحثين المتفرغين بالرغم من وجود
نظام خاص بهم في الجامعات .
2. عدم إعطاء الفرصة لحملة الدكتوراه من الخريجين
الجدد على التدرب على البحث العلمي وانخراطهم مباشرة في عملية التدريس .
3. النزعة الفردية لإجراء البحوث وندرة تكوين
فرق بحثية متكاملة .
4. إرتفاع نسبة عدد الطلبة إلى أعضاء هيئة
التدريس عن النسب العالمية المتعارف عليها .
5. إنشغال عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس في
العمل الإضافي .
6. قلة عدد طلبة الدراسات العليا الذين يتدربون على
البحث العلمي للاستفادة منهم بوصفهم قوة عاملة نشطة في مشاريع البحث العلمي التي
يشرف عليها أساتذتهم .
7. ندرة الفرص المتاحة لمساعدي البحث والفنيين
للتدرب في الدول المتقدمة على التعامل مع الأجهزة المتخصصة وصيانتها في المختبرات
البحثية .
إن واقع البحث العلمي
والتطوير في الأردن والوطن العربي بعامة ، لا يتناسب مع الامكانيات البشرية
والمادية الكبيرة المتوفرة ، مما يعني ضرورة إزالة المعوقات التي تقف حائلاً دون
الانخراط النشط في البحث العلمي والتطوير المستمر في جميع هيئات ومؤسسات المجتمع .
ويتطلب ذلك إعادة النظر في أساليب التدريس في المراحل التعليمية المختلفة وبخاصة
في المرحلة الأساسية ، حيث ينبغي التخلّص من أساليب التعليم التلقيني وإطلاق
العنان للفكر والتأمّل والإبداع ، وخلق ثقافة البحث العلمي . كما يتطلب ايجاد
المناخ المناسب للبحث في كل بلد عربي ، وفيما بين الدول العربية مجتمعة، عن طريق "
بناء إدارات فاعلة ومؤثرة ، وبنىً أساسية ملائمة ، وكوادر بشرية مدربة ، وتخصيص
ميزانيات كافية لإطلاق القدرات البحثية
والعلمية ، وإيجاد قواعد معلومات غنية ، ووسائل اتصال متطورة ، وسنّ تشريعات
ملائمة لخلق بيئة بحثية مناسبة " .