مخاطر استمرار الرئيس مبارك في حكم مصر

تلاشي المسافة بين الجوع والموت في حياة المصريين اليومية

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

1) مخاطر استمرار الرئيس حسني مبارك في الحكم ليست جديدة.. لم تكتشف فجأة، والتركيز عليها الآن يأتي بعد نفاد الصبر وضياع الفرص التي أتيحت، بحكم طبيعة المصريين، وصبرهم الطويل، المفترض فيه أنه يتيح الفرص للمراجعة والتصحيح، ومن لم يعط لهذا الصبر قدره أو يستغل الفرص التي أتيحت يقع تحت طائلة الكشف والتعرية والمحاسبة، والرئيس حسني مبارك يجني في هذه المرحلة حصاد فترة طويلة من الجمود والانعزالية، ومن واجه نفس الموقف، لا يجد غير قرار واحد عليه اتخاذه.. هو قرار التخلي عن الحكم والخروج منه إلي حياة مدنية أقل وطأة. وتبدو مقولة الشيخ أحمد حسن الباقوري، رحمه الله، كاشفة لصعوبة مثل هذا القرار في بلادنا، يقول ذلك الشيخ الحكيم، الذي جرب منصب الوزارة: الوزير يفقد نصف عقله عندما يدخل الوزارة ويفقد النصف الآخر عند الخروج منها ، فما بالنا والمنصب المقصود ليس لوزير إنما لرئيس دولة.

 

2) الخطر المركزي.. أساس كل الأخطار.. هو استمرار نهج التفريط في الاستقلال الوطني، بكل ما ترتب عليه من قبول بالتبعية، والتخلي عن كل مكمن قوة لدي مصر، بحكم الوزن والموقع والدور، أو باعتبارات الظروف التاريخية والحضارية، واستقرار هذه السياسة اقتضي إعمال السلطة لسوط الأمن تلهب به الظهور وتفرض العزلة، ولا ننسي أثر تصفية المنجزات الاقتصادية، أو ما جري من تخريب لمواقع الانتاج، وتدمير الثروة البشرية، الرصيد الحقيقي للبلاد. فإلغاء التصنيع، الذي بدأته مصر مع محمد علي، في القرن التاسع عشر، وأحياه عبد الناصر، في القرن العشرين، وفرض الانسحاب علي الدولة، إلا من دورها البوليسي، وإلغاء دورها الإجتماعي، ترك البلاد نهبا لمافيا المضاربات علي الأراضي والعقارات والخدمات.. تراجعت الزراعة في بلد النيل، وضاعت القدرة علي تحقيق أي نوع من الاكتفاء الذاتي في الغذاء أمام حمي التصدير، التي تحولت إلي نهم في استيراد القوت الضروري، دون نجاح يذكر علي أي مستوي من مستويات التصدير المزعوم، وانتهي الأمر بأن أصبحت مصر تحت رحمة المتحكمين في قوتها الذي يأتيها من خارج الحدود.

3) هناك مخاطر مردها العناد المصاحب لدعوة التجديد ، بشكل قضي علي فرص المراجعة والإصلاح والتغيير، وزاد من جمود الواقع السياسي، وثبت قواعد تجاوزت الشأن الموضوعي إلي النطاق الشخصي البحت، فضاق الأفق، واختلت الحسابات واختزلت المصلحة العامة إلي حدود مصلحة عائلة الرئيس ، فأضحت رفاهيتها علي حساب القوت اليومي للمواطن. وألغيت الحدود بين ثروة العائلة وميزانية الدولة.. أصبحت السياسة وشؤون الاقتصاد، استثمارا وشأنا عائليا خاصا، موزعا بين الرئيس والزوجة والإبنين، كل في مجاله.. شؤون المال والأعمال لطرف، وشؤون السياسة والهيمنة لطرف آخر، ومهمات التيسير والتسهيل مهمة طرف ثالث، واحتكار القرار السياسي والسيادي، لطرف رابع.. ومن ذلك تحول الشأن الأهلي والثقافي والتعليمي والصحي والاجتماعي والطفولة والمرأة، إلي شأن خاص، موكول بالكامل إلي حرم الرئيس، دون سند من القانون أو الدستور.

4) قبول االرئيس حسني مبارك بالتبعية للولايات المتحدة، جعل السياسة الرسمية المصرية تواجه الضغط عليها بمكافأة من يمارسون الضغط، ومن الطبيعي أن يكون ذلك علي حساب دور مصر العربي والإقليمي، ومن الطبيعي، كذلك، أن يمتد هذا إلي المجال الدولي فخف وزنها العالمي، وهذا زاد من إضعاف القدرة علي معالجة المشاكل الإقليمية، والحجة الجاهزة هي الالتزام بـ شرعية دولية تقوم فيها السياسة المصرية بدور محامي الشيطان الذي استبعد أي إمكانية لمعالجة المشاكل من خلال التضامن أو التنسيق العربي.. تأمركت وتصهينت كافة معالجات المشاكل. فحذا كثير من العرب حذو الرئيس حسني مبارك، هرولوا نحو اوروبا وأمريكا والدولة الصهيونية، مفضلين التعامل المباشر مع شرعية دولية عميت تماما عن الحقوق العادلة في فلسطين وغير فلسطين.. ولسان حال الرئيس حسني مبارك يقول علمناهم الشحاتة سبقونا علي الأبواب ، كما يقول المثل الشعبي المصري الشهير، وهكذا وجد الرئيس مبارك من يزايد عليه من العرب والمسلمين وينافسه في مجالات الأمركة والصهينة، ولم يعد الأمر حكرا عليها.

5) وخطر استمرار الرئيس حسني مبارك علي النطاق الإقليمي.. سببه حماسه الزائد لاقتلاع أي نبتة مقاومة مشروعة للاحتلال والاستيطان، وحصارها وملاحقتها، فلحظة قبوله الاندماج، بلا شروط، في حلف اجتثاث المقاومة في فلسطين والعراق، قبل ذلك باعتباره إرهابا، فتحققت نجاحات سلبية ، صبت، في النهاية، لصالح الغزو الأنجلو أمريكي للعراق، وعززت الضغط الأمريكي والنشاط الاوروبي المكثف لوقف الانتفاضة الثانية في فلسطين، وتم كل ذلك بدعوي دعم القضية الفلسطينية، ومساعدة الشعب العراقي في الخروج من محنته.

6) ومتابعتنا للتطورات زادت من قناعتنا بأن الرئيس مبارك من الممكن أن يقبل بتجريد مصر من بقايا قوتها. فمن يتابع ما تنشره وتبثه وتكتبه الصحف وأجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية، من اتهمات بمد الرئيس العراقي المخلوع، صدام حسين، بمواد وخبرة ومعرفة خاصة بإنتاج أسلحة كيماوية، وعن خطر امتلاك مصر لسلاح نووي، مع تجاهل أن ما جري من دعم ومساندة للرئيس العراقي السابق، جاء تلبية لـ رغبة أمريكية و نصيحة من البنتاغون، وكذلك كان الحال في عملية إقناع مصر بالتوقيع علي اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، في الوقت الذي تعفي فيه الدولة الصهيونية من أي التزام في هذا المجال. وجاء، كذلك، والعالم يعلم أن الضغط الأمريكي قضي علي أي إمكانية قوة تلوح في الأفق لها علاقة بإمكانية استخدام مصر للذرة في المجال السلمي، وكان آخرها تحويل منطقة الضبعة ، علي ساحل مصر الشمالي، كانت مرشحة لبناء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء، إلي منطقة سياحية مملوكة لشركات أمريكية وصهيونية، لقطع الطريق علي أي احتمال للاستخدام السلمي للذرة، وأمام الغرض الحقيقي تتم تعبئة الرأي العام العالمي لفرض رقابة دولية علي مصر ومسحها، من أقصاها إلي أقصاها، بحثا عن خطر مزعوم، كما حدث مع العراق الذي مسحته فرق تفتيش، عجت بجواسيس من كل حدب وصوب.

7) ولأن الطلبات الأمريكية والصهيونية لا تتوقف، في هذا الزمن العربي الكسيح، فمن المتوقع إجبار مصر علي التجرد من السلاح التقليدي، كذلك، لتحويل منطقة الطوق المحيط بالدولة الصهيونية، وامتدادها الشرق أوسطي، إلي نطاق مجرد من السلاح التقليدي، وكما تجففت منابع الثقافة العربية والإسلامية، فمن المتوقع أن تتجفف موارد السلاح التقليدي، أو أي قدرة علي التصنيع العسكري كذلك.. وحتي السلاح الأبيض.. من سيوف وخناجر وسكاكين سيخضع لقيود صارمة، لحرمان مصر من إمكانية الدفاع المشروع عن النفس. لأن المطلوب هو تحويل المنطقة إلي مزرعة للخراف الوديعة ، المهيأة للنحر عند اللزوم، وهناك مقدمات لوضع قيود صارمة علي أعداد الجيش ومستوي تسليحه، بحيث لا يتجاوز حجم وعدد جيش المحمل ، الذي اقتصرت مهمته السنوية علي حمل كسوة الكعبة، وهي في طريقها إلي مكة كل عام، أيام الاحتلال البريطاني.

8) وخطر استمرار الرئيس حسني مبارك يحول بين مصر، وإمتلاكها قدرة كوريا (جنوبية أو شمالية) أو الصين أو ماليزيا أو فنزويلا، ويحرمها من الثأثير، حتي ولو كان علي مستوي تأثير حزب الله في لبنان صغير الحجم، مقارنة بحجم مصر، ويمتد هذا إلي مجال الإعلام. فمصر، تحت حكم الرئيس مبارك، عاجزة عن ملاحقة التقدم في مجال البث الفضائي، ومثال قناة الجزيرة ، واضح في هذا المجال. والسبب هو قواعد حكمت سياسته. تتمثل في التجهيل والتجويع والترويع، فالإنسان الجاهل لا يستوعب ما يحيط به، والجائع يمكن ترويضه، والخائف من السهل السيطرة عليه، ومثله لا يمتلك أي إمكانية للمساهمة أو المشاركة الفعلية، واستمرار هذه القواعد يصيب الأمة بخطر أكبر هو خطر التحلل والتلاشي.

9) والرئيس حسني مبارك وهو يراعي المصالح الأجنبية في كل شاردة وواردة، تبدو قناعته ما زالت راسخة في هذا الشأن، وهذا نلاحظه في ترويضه لكل الأطراف، يستغل عقدة القلق الغربي من الإسلام (فوبيا الإسلام)، فيلوح لأهله بأن إزاحته تأتي بالإسلاميين، بقوة الأصولية الوهابية، وبتأثيرات الإخوان المسلمين، ورموزهم من فقهاء السعودية، كعبد العزيز بن باز، وأصولي الباكستان ومصر، كأبي الأعلي المودودي وسيد قطب، لكسب الدعم والتأييد. وفي الداخل يوظف خطر الفتنة الطائفية لتخويف كل جماعة من الأخري، والملفت للنظر أن الرأي العام المصري يستشعر الخطر، ويتوجس خيفة من التوظيف غير البريء لهذه اللعبة.. وهناك شائعة راجت في الأسابيع الأخيرة، تقول بأن مخابرات أجنبية، وتحديدا الموساد ، تعمل علي توظيف هذا المناخ لتفجير الوضع، علي الطريقة اللبنانية.. إما بالاعتداء علي قس قبطي وإلصاق التهمة بمسلمين، أو إصابة رجل دين مسلم واتهام مسيحيين بها، لتغوص البلاد في حرب أهلية تكون مبررا للتدخل.

10) ومع كل ما مر قد يستمر حكم الرئيس حسني مبارك، بالدعم الخارجي، لأنه الأنسب الذي يجعل احتلال مصر مهمة سهلة. فمع أول بادرة طلب أو إنذار بالتدخل العسكري، أو غيره.. من المتوقع أن يتبني الرئيس ذرائع وتبريرات، كتلك التي تبناها لغزو العراق، أو لإيقاف الانتفاضة، أو التي يبرر بها طلب الدولة الصهيونية تجريد الفلسطينيين وحزب الله والسوريين واللبنانيين من سلاحهم، وقد تكون من بينها تبريرات تعودناها مثل تشجيع شارون علي الدخول إلي عملية السلام !!.. وكلها تبريرات بائسة.

ولا يخلو هذا من انعكاسات علي الرئيس وعائلته.. تحولوا إلي أسري ورهائن بين جدران قلاع وقصور، لم تحصن مستبدا قبله، ولن تحمي ظالما يأتي بعده.. فالأسوار العالية والجدران الحصينة لا تمنع قدرا، ولا تريح بالا، ولا تجعل الظالم آمنا.

في النهاية فإن مصر مهددة، فقد انتهي الأمر بالرئــــيس حسني مبارك بأن جعلها أسيرة محبسين.. الفوضي وثورة الجوع، مما قد يفتح الباب أمام تدخل إنساني مزيف، كما في دارفور السودان، وعندما تشير الحكمة الشعبية إلي أن الجوع كافر فهو كافر بالفعل، وهنا تلح علي ذهني عبارة ذكرها عادل حمودة في كتابه عن النكتة السياسية.. كيف يسخر المصريون من حكامهم أن الثورة تندلع عندما تنتهي المسافة بين الموت والجوع، وهذه المسافة تلاشت تماما في عهد الرئيس حسني مبارك!!.