مكافأة شارون للمعتدلين

 

 

بقلم :عبد الباري عطوان

 

قدم ارييل شارون، رئيس الوزراء الاسرائيلي، مكافأة مجزية الي الرئيس الفلسطيني محمود عباس (ابو مازن) علي الجهود التي بذلها لوقف الانتفاضة، وترتيب هدنة مع فصائل المقاومة، وذلك بالاعلان عن توسيع مستوطنة معاليه ادوميم القريبة من القدس المحتلة، وبناء اربع آلاف وحدة سكنية جديدة فيها لاستيعاب المزيد من المستوطنين الجدد!

شارون قال خلال جلسة مغلقة لاعضاء بالكنيست الاسرائيلي بانه لا يري اي مشكلة خطيرة في توسيع هذه المستوطنة، لانه لا بد من الربط بين القدس المحتلة ومعاليه ادوميم.

توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، الذي يعني تهويد القدس بالكامل، وعزلها عن ما تبقي من محيطها العربي، هو انتهاك صريح لاتفاق الهدنة ووقف اطلاق النار، بل اخطر الانتهاكات علي الاطلاق، لانه يفرض واقعا سياسيا وجغرافيا جديدا علي الارض يفرغ اي تسوية من مضمونها الحقيقي.

الطرف الفلسطيني لم يحصل حتي هذه اللحظة علي اي مقابل ملموس مقابل وقف الانتفاضة، وتجميد العمليات الاستشهادية، باستثناء الافراج عن خمسمئة معتقل فلسطيني انتهت او قاربت فترة عقوبتهم علي الانتهاء. واعادة فتح المعابر جزئيا، والمشاركة في مؤتمر لندن لتدريب الفلسطينيين علي كيفية الارتقاء حضاريا لمستوي عدوهم حتي يكونوا مؤهلين للتفاوض!

شارون كان الفائز الاكبر من اتفاق شرم الشيخ الرباعي، فقد حصل علي صك براءة من الزعماء العرب المشاركين في القمة الرباعية (مبارك وعبد الله الثاني وعباس)، وتحول بفضل تهافتهم علي ارضائه، والرضوخ للاملاءات الامريكية في هذا الخصوص الي رجل سلام، نظيف اليد من أي مجازر أو جرائم.

خمس سنوات من البطش والقمع واستخدام كل انواع الاسلحة لم تمكن شارون من انهاء الانتفاضة، ووقف المقاومة، وها هي القيادة الفلسطينية الجديدة تحقق له هذا الهدف في غضون ايام معدودة، من خلال تقديم وعود مبالغ فيها لفصائل المقاومة بوقف الاستيطان، وتأمين الانسحاب من مدن الضفة الغربية والافراج عن المعتقلين الفلسطينيين، وانهاء او تجميد عمليات بناء الجدار العنصري في الضفة الغربية علي حساب اراضي الشعب الفلسطيني.

بناء الجدار يتسارع، ومصادرة الاراضي لم تتوقف، والاسري الفلسطينيون ما زالوا خلف القضبان بالآلاف، وفوق هذا وذاك يعلن شارون عن توسيع المستوطنات المحيطة بالقدس، ويؤكد عمليا، بعد ان اكد لفظيا، انها ليست موضع تنازل وستظل العاصمة الابدية الموحدة للدولة العبرية.

ماذا فعلت القيادة الفلسطينية الجديدة في المقابل؟ لا شيء غير التصارع فيما بين اعضائها علي اتفه الاسباب! ماذا فعل عراب السلام المصري الرئيس حسني مبارك، الذي كسر العزلة عن شارون، ودعاه لزيارة مصر والاستمتاع بمنتجع شرم الشيخ؟ لا شيء علي الاطلاق.. ماذا فعل العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني، الذي كان احد اعضاء مثــــلث القـــمة الرباعية العربي؟ وفاجأ الجميع عندما فضل ان يلتقي مجموعة من القيادات اليهودية في امريكا علي الالتقاء بالزعماء العرب في قمة الجزائر الاخيرة، ايضا لا شيء.

يستطيع السيد عباس ان يفعل الكثير ازاء هذا الانتهاك الاستيطاني المرعب لاتفاق الهدنة الاخير. فهو الرجل المدلل لدي واشنطن، فاذا كان لا يستطيع استثمار الاحتضان الامريكي له في وقف الاستيطان، فما الفائدة منه ومن اعتداله؟ أليست واشنطن هي التي نحتت له منصب رئيس الوزراء في السلطة الفلسطينية لانتزاع صلاحيات الرئيس ياسر عرفات وهو حي يرزق؟ ألم يشارك في قمة العقبة الرباعية، متجاوزا رئيسه المحاصر، ويقرأ ما كتبه له الامريكيون حرفيا بما في ذلك التحدث باسهاب عن معاناة اليهود، والتأكيد علي عدم وجود اي عداء تجاههم، ولم يذكر كلمة عن معاناة الفلسطينيين في المقابل؟!

نذهب الي ما هو ابعد من ذلك ونسأل: أليس الرئيس الامريكي جورج بوش الذي توعد الفلسطينيين بأنه لن يعترف بانتخاباتهم او ديمقراطيتهم اذا لم ينتخبوا السيد عباس، الزعيم الواقعي المعتدل، مذكرا اياهم بان الديمقراطية التي تريدها امريكا ليست تلك التي تعكس الاختيار الحر للشعب، وانما تلك التي تفرز قادة معتدلين فقط، فهتلر وصل الي السلطة في انتخابات حرة.

الرئيس عباس كان يجب ان ينتفض غاضبا، وان يعقد مؤتمرا صحافيا يعلن فيه ان هذه الخطط التوسعية هي انتهاك لاتفاق الهدنة، وطعنة للفلسطينيين الذين رتبوها والذين راهنوا عليها، وان يهدد بعدم الالتزام بها بل وحل السلطة، لقد كان يحرد ويعتكف في بيته لاتفه الاسباب، فلماذا لا يفعلها الان، خاصة ان هناك اسبابا وجيهة جدا؟ فطالما ان الاعتدال لا يقابل الا بالتوسع ونكران الجميل، فلتعد الاوضاع الي ما كانت عليه قبل قمة شرم الشيخ، ولتكن الفوضي هي البديل، ولن يلوم احد الشعب الفلسطيني اذا ما وصلت الاوضاع الي مرحلة الانهيار الشامل.

ما فائدة الاصلاح وضبط الاوضاع الامنية، بل والذهاب الي صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس تشريعي جديد، اذا كان الطرف الاسرائيلي مستمرا في ممارساته السابقة التي تهدف الي اذلال الشعب الفلسطيني، وقتل طموحاته المشروعة في تقرير المصير. واي دولة فلسطينية هذه التي ستقوم في ظل تهويد القدس المحتلة، وبقاء المستوطنات الكبري، التي هي مدن تلتهم الارض والكرامة، وتجعل أي تسوية نهائية مجرد ضحك علي الذقون.

ومن المؤسف ان عمليات التطبيع مع الدولة العبرية تتواصل بالتوازي مع تواصل الاستيطان وانتهاك قرارات قمة شرم الشيخ. فها هما سفيرا مصر والاردن يعودان الي سفارتيهما، وها هو شمعون بيريس نائب شارون لا يجد الوقت لمصافحة الايدي العربية الممتدة اليه من شدة التزاحم. وليت الامر اقتصر علي المصافحات فقد تعداه الي العناق، وكأن بيريس هذا شيخ عشيرة شمر او عنزة؟!

مطلوب انتفاضة كرامة من جانب الرئيس الفلسطيني، مدعومة من قبل حلفائه العرب، اعضاء نادي شرم الشيخ، في مواجهة هذه العجرفة الشارونية، وفي اسرع وقت ممكن، لان هذا الصمت المريب، وقبل اسبوع من زيارة شارون لصديقه بوش في مزرعته في تكساس، سيؤدي الي وعد بوش جديد بتشريع الاستيطان، واعتماد مشروع شارون للتسوية، اي دويلة فلسطينية مسخ بلا سيادة ولا تواصل ارضي، ولا حدود ولا كرامة، فالصمت العربي سيفسر علي انه علامة رضا، ويبدو انه كذلك للاسف.