ما بين حالتي قيرغيزستان ومصر من تشابه

 

 

بقلم : د. عمار علي حسن

 

حين راحت دول أوروبا الشرقية تتساقط واحدة تلو الأخرى أمام عاصفة التغيير التي اجتاحتها بعد ترنح الاتحاد السوفيتي المنهار، حفلت الصحف العربية بكتابات مطولة عن التحول الديمقراطي، بعضها عميق إلى حد الإحاطة وأغلبها سطحي وعابر إلى مستوى الاكتفاء بالعرض والتلميح، لكنها جميعا كانت تريد أن تجيب على تساؤل جوهري مفاده: هل تهب ريح التغيير على جنوب المتوسط؟. وراح المتفائلون يؤكدون أن الريح لن تعبر العالم العربي من دون أن تهز فيه أركان الجمود والاستبداد، ومال الباحثون الثقاة إلى ترجيح قدرة النظم العربية الحاكمة على الاستمرار سنوات أخرى متماسكة وقابضة على زمام الأمور، أما المتشائمون فتصوروا أن الاستبداد العربي سيعيش نصف قرن من الزمن على الأقل، وأفرط هؤلاء في التحسر على مرور ريح التغيير بسماوات العرب سريعا، لتدور في جنبات دول أفريقيا جنوب الصحراء، فتقبل تباعا على تطوير نظمها السياسية باتجاه الديمقراطية، وتعرف اللقب العزيز على كل العرب وهو "رئيس جمهورية سابق"، الذي لا يحمله سوى لبنان.

اليوم تعاود العواصف هبوبها الهادر، فتتغير الأنظمة في جورجيا، ثم أوكرانيا، وأخيرا قيرغيزستان، وتتخوف الأنظمة الأخرى في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، في وقت يسير فيه النظام المصري بمعدلات أبطأ كثيرا عما هو مطلوب من إصلاح شامل، وكأن القائمين عليه يتوقعون أن تتفاداهم ريح التغيير هذه المرة أيضا، أو أن يتفادوها بحزمة من الإجراءات الشكلية، أو الطلاءات الخارجية، أو بحملة علاقات عامة لإيهام الخارج بأن هناك اتجاها للإصلاح، أو بامتصاص غضب الداخل،  من خلال تعبئته حول اعتقاد زائف في أن الأمور تتحسن، والعجلة تدور.

ورغم أن ما حدث في جورجيا وأوكرانيا محتشد بالعظات ، فإن ما جرى في قيرغيزستان يفوقه في العبر، خاصة بالنسبة للنظام المصري، نظرا لعدة اعتبارات يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1 ـ لم يكن نظام الرئيس عسكر عكاييف موغلا في الاستبداد كما الحال بالنسبة لدول أخرى في آسيا الوسطى والقوقاز، خاصة تركمانستان. فقيرغيزستان تشهد انتخابات برلمانية منتظمة، ورئيسها كانت ستنتهي فترة حكمه، بحسب الدستور، في تشرين الثاني المقبل، لكن هذه الانتخابات لم تكن نزيهة بدرجة كافية، لا سيما الأخيرة منها، التي حصد فيها الحزب الحاكم تسعة وستين مقعدا من جملة مقاعد البرلمان الخمسة والسبعين، ما جعل المعارضة تتخوف من أن يستغل الرئيس هذه الأغلبية الكاسحة في تمرير تعديل دستوري يتيح له البقاء في الحكم مدد أخرى. هنا تقول لنا الحال القيرغيزية من دون مواربة إن  الإجراءات الشكلية التي تتخذها الأنظمة الحاكمة، من قبيل إجراء انتخابات تشريعية تفتقد إلى النزاهة والحياد، وتحديد مدة الرئاسة وإجراء انتخابات حول المنصب، مع عدم مس الصلاحيات الواسعة للرئيس، لم تعد تنطلي على الشعوب، ولا تكفي كي تقول النظم السياسية أنها ديمقراطية، أو قطعت شوطا بالغا على درب الإصلاح السياسي. وهذه مسألة تشبه قيرغيزستان فيها مصر، التي اعتادت على حياة سياسية تبدو في ظاهرها تسير إلى التحسن، لكن في جوهرها لا تحصل سوى التفافا على  إصلاح طال انتظاره، وحان وقته.

2 ـ قام النظام القيرغزي بالقتل المنظم للرموز الاجتماعية، والتفريغ المستمر للحياة السياسية من الكوادر البارزة، أو الصفوف الأخرى التالية لرجال الصف الأول، من خلال التهميش المتعمد أو العقوبة القاسية، أو تصعيد من ليس بإمكانهم أن يصنعوا لأنفسهم مكانة ووزنا في الدولة. وهذه السياسة كانت وراء حدوث فوضى في البلاد، وعدم تحقق حلم "الثورة البيضاء"، ولو أن الجيش والشرطة كانا أكثر عنفا في قمع المتظاهرين، أو أن الرئيس عكاييف استمات أكثر في الدفاع عن كرسيه، لجرت أنهار من الدم في شوارع المدن القيرغيزية. وسياسة قتل الصفوف التالية، وتمويت الوسائط السياسية من أحزاب فاعلة ونقابات ومؤسسات أهلية نشطة، هي سلوك مكرر للنظام المصري الراهن. فمن بيده مقاليد الأمور لا يسمح لأحد أن يكبر بجانبه، وإذا برز أحد فجأة، فسيكون نصيبه الإقصاء السريع، لينزوي بعيدا يلفه النسيان والحصار. وهذا يعني أن هذه الدول لو بقيت على حالها من "الإخصاء السياسي" واستمرت من دون إصلاح حقيقي، فقد تشهد هبات شعبية تشيع الفوضى، التي يقضي عليها وجود رموز معارضة تحظى باحترام جماهيري، يكفي التفاوض معها، لدفع التغيير في الطريق السلمي، ومنع الحشود المعبأة في لحظات الغضب والخروج من الانزلاق إلى العنف والدم.

3 ـ إن الاحتماء بالجيش والشرطة لا يكفي لضمان أمن الأنظمة الحاكمة، فهاتان المؤسستان، لن يكون بوسعهما أن تواجها شعبا بأكمله، أو قطاعا كبيرا منه، إن خرج محتجا، فهما، في خاتمة المطاف جزء من هذا الشعب، بل إن الكتلة الكبرى فيهما، وهي الجنود وصغار الضباط وضباط الصف، يمسها سوء الأحوال السياسية والاقتصادية، وتتقاطع مصالحها مع مصالح الجمهور الغاضب، ولذا تفتقد إلى الدوافع التي تجعلها حريصة على تنفيذ أوامر كبار الضباط إذا استمرت الاحتجاجات الشعبية قوية وعريضة، وهذا ما حدث في قيرغيزستان، حين استجابت قطاعات من الجيش والشرطة لنداء بعض قيادات المتظاهرين، ولم تتصلب في الدفاع عن عكاييف ورجاله. ومثل هذا الوضع قابل للتكرار في مصر، بدون أي مبالغة.

4 ـ لم ينفع رضا الولايات المتحدة عن عكاييف، الذي فتح بلاده أمام واشنطن لتقيم قواعد عسكرية على أرضها قبيل الحرب على طالبان، في إبقائه بسدة الحكم، رغم أنف شعبه. وهذا يعطي درسا قاسيا لمن يعتقدون أن تقديم التنازلات لأميركا على حساب مصالح بلادهم ومستقبلها، كفيل بغض إدارة بوش عن مطالبتهم بالإصلاح السياسي، ومن ثم بقائهم في السلطة، وهو الحال الذي يصم النظام المصري الراهن. لكن هناك وجها آخر يجب تسليط الضوء عليه في هذا المقام وهو أن الموقف الباهت والمتراخي لواشنطن من أحداث قيرغيزستان، على النقيض مما فعلته حيال جورجيا وأوكرانيا وما تفعله حيال لبنان، يعطي درسا لكثيرين من المعارضين العرب، الذين يتوهمون أن أميركا رسول حرية، أو راعي للديمقراطية، ويخلطون بين الاكتفاء بالاستفادة من الضغوط الخارجية على الأنظمة لحضها على الإصلاح لكن على أجندة وطنية، وبين الانسياق وراء أجندة دولية، أو أميركية بمعنى أدق، تستتر خلف المطالبة بالديمقراطية، لفرض وصاية أو هيمنة على العالم العربي، بغية تحقيق مصالح استراتيجية أميركية، تم التخطيط لها منذ عدة عقود.

5 ـ من الخطأ الجسيم أن تترك الحكومات بعض المناطق الجغرافية في بلادها محرومة من الاستثمارات والخدمات، فالثورة القيرغيزية بدأت من الجنوب المنسي، الذي أشعل الفقر في أهله روح التمرد، بعد أن أورثهم التطرف الديني. وهذه الحال تشبه إلى حد كبير ما عليه الصعيد في مصر، حيث الفقر المدقع، والتطرف الديني. ولعل ما جرى في قيرغيزستان يلفت انتباه الحكومة المصرية إلى تلك المنطقة التي تم إهمالها طويلا.