الفوضى والفلتان الأمني خنجر موجّه إلى صدر المقاومة

 

 

 

حسن الحسن

 

بدأت بعض الأصوات الفلسطينية، تتحدث، ولو بصوت خافت، عن سلاح المقاومة وضرورة تسليمه للسلطة الفلسطينية في حال بدأت الحكومة الإسرائيلية بتطبيق خطة "فك الارتباط" والتي انشغلت في توصيفها، وتلميعها، وتسويقها،  الدوائر السياسية العربية والأوروبية والأمريكية والسلطة الفلسطينية، باعتبارها مخرجاً سياسياً لدوامّة العنف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

 

 

 

كثيراً ما كان يتردد بين أوساط الساسة والمراقبين المقولة التالية: "ما يكسبه الفلسطينيون بالسلاح، يضيّعونه بالسياسة"، إلا أن هذا الأمر، إذا ما تمّ الآن فسيأخذ شكلاً أكثر دراماتيكياً، حيث أن الموضوع هنا يتعلق بضياع المقاومة ذاتها، وتبديد إنجازاتها، وفقدان أكثر من نصف مساحة الضفة الغربية بشكل نهائي، إضافة إلى إهدار دماء آلاف الشهداء وعشرات لآلاف من الجرحى والمصابين وآلام وعذابات آلاف الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال وذلك على مذبح العبثية السياسية.

 

 

 

فالقضية الفلسطينية تقف الآن على مفترق طريقين، أحدهما يفضي إلى تحقيق إنجازات وطنية هامّة، وطريق آخر يفضي، إلى هزيمة لا تقل وطأة عما حصل عام 1948 وعام 1967. وإذا كان المقاومة هي دليل الطريق الأول، فإن الاستجابة للضغوطات واللعب على حبال السياسة الصهيو ـ أمريكية هي الناقل في الطريق الثاني؛ فالمنطقة، تقف الآن على أعتاب مرحلة جديدة، فإما نكون فاعلين في بلورة سماتها وتحديد ملامحها عبر خيار المقاومة، وإما أن نكون منفعلين عبر خيار الاستكانة والاستجابة لمنطق القوة والبطش والإرهاب والتي تمثلها السياسة الأمريكية والإسرائيلية أصدق تمثيل.

 

 

 

وكي نضع الأمور في نصابها، نجلي حقيقة أن شارون، وعندما أطلق قبل عام ونيف في مؤتمر هرتسيليا خطة "فك الارتباط" والانسحاب الكامل من قطاع غزة، من طرف واحد، انطلق من فلسفة سياسية تقول: في حال كانت تل أبيب  و"نتساريم" في دائرة الخطر فالأجدر هو الانسحاب من "نتساريم" مقابل رفع الخطر عن تل أبيب؛ فلا أعتقد أن أحداً يمكنه أن يقول بأن شارون أطلق خطته بدافع رفع الظلم عن أهالي القطاع، وأنّ الرغبة بالسلام قد حلّت فجأة في قلب وعقل هذا الشارون والذي استحقّ، وبجدارة، لقب "سفّاح العصر"، من خلال ما ارتكبه هو وجيشه من مجازر دموية مروّعة بحق الفلسطينيين.

 

 

 

الحديث الخافت الذي تتداوله بعض الأوساط حول ضرورة سحب سلاح المقاومة تدعّم أركانه وتشحذ نصله   العمليات "التخريبية" والاعتداءات السافرة على أمن الوطن والمواطن، التي تقوم بها عناصر مسلحة، محسوبة على حركة فتح، تلك العمليات التي تنعش في الذاكرة أيام عمان وبيروت حينما كانتا تحتضنان المقاومة الفلسطينية، وما رافق تلك الأيام من تجاوزات وانتهاكات ارتكبها بعض العناصر المحسوبة على المقاومة، تلك الأعمال المدانة ساهمت في إبعاد المقاومة الفلسطينية وإجلائها عن بلدان الطوق ونثرها في أصقاع العالم العربي.

 

 

 

وأعتقد جازماً بأنه في حال ما واصلت تلك "العصابات" أعمال العربدة والتخريب بحق أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة الذين لم يرتفع بعد سيف الإرهاب الصهيوني عن رقابهم، ولم تلتئم جراحهم ولم تتلاش وطأة عذاباتهم وآلامهم جرّاء العدوان الصهيوني الوحشي الذي تعرّضوا له خلال سنوات "انتفاضة الأقصى"، قد تدفعهم حالة الفلتان الأمني، إذا ما تصاعدت وتائرها، للانزياح صوب خيار سحب السلاح من أيدي العابثين والذي ينفذون أعمالهم المشينة بانتحالهم صفة "مقاومين"، وهو الأمر الذي يبدأ بسحب سلاح المنفلتين لتنتهي بسحب سلاح المقاومين وذلك من خلال حملات أمنية متصاعدة تشنّها أجهزة السلطة بعد كل عملية إطلاق نار أو خلاف عائلي أو حادث جنائي، فالسلطة حينذاك ستطرح موضوع سحب السلاح ـ بما فيه سلاح المقاومة ضمناً ـ وتمضي بتنفيذه بزعم أنه يتم بغطاء شعبي؛ فرئاسة السلطة وأعضاء أركانها لم يدّعون يوماً بأنهم حريصون على المحافظة على سلاح المقاومة، وهذا الأمر إذا ما تمّ فإننا نكون أمام "إنجاز" لشارون لم يحلم بتحقيقه هذا الأخير عبر آلته العسكرية وعلى مدار أربع سنوات من المجازر والقتل والإرهاب والتدمير بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

 

 

ومن هنا، فإن حالة "الزعرنة" والانفلات الأمني التي يقوم بها بعض العناصر المحسوبة على المقاومة، تتقاطع مع مخطط صهيو ـ أمريكي يقضي بسحب سلاح المقاومة أولاً، ثم إبعاد قادتها أو اعتقالهم أو اغتيالهم، ثم تثبيت واقع عسكري وأمني صهيوني في الضفة والقطاع يستحيل معه إعادة إحياء المقاومة على المدى المنظور، مع التأكيد أنه في حال تمّ إنهاء المقاومة وسحب سلاحها، فلا يوجد أي ضمان أو ضامن يمكّن الفلسطينيين من الحصول على شبر من الأرض لإقامة دولتهم عليها، بل على العكس، فإنه إذا ما توقفت المقاومة، وسحب سلاحها بدافع شعبي، سيكون من السهل نسف فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة من التداول عربياً وعالمياً.

 

 

 

حقيقة الأمر، أنه في حال إقدام السلطة الفلسطينية على هكذا خطوة ـ أي سحب سلاح المقاومة، فإن معظم فصائل المقاومة ستدافع عن سلاحها، وعن كوادرها وحينها نكون أمام بوابة لا تفضي سوى لحرب أهلية ـ لا سمح الله.

 

ليس اكتشافاً إذا ما قلنا أن المشهد في فلسطين يسير بالتوازي مع المشهدين اللبناني والعراقي وفق خطة صهيو ـ أمريكية تنقل شعوب تلك البلدان مع حالة الصراع مع الاحتلال، إلى حالة من الاقتتال الداخلي، توطد أركان الاحتلال، وتمنحه شرعية وتمده بعوامل الديمومة والثبات.

 

 

 

وعليه، فإن الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية والإسلامية معنيون الآن، وقبل كل شيء، بالدفاع عن خيار المقاومة، الخيار الذي يعيد الأرض والحقوق إلى أصحابها، وذلك عبر تمكين الشرفاء والمخلصين للوصول إلى مركز صنع القرار الفلسطيني بدءاً من المجالس المحلية وصولاً إلى المجلس التشريعي ومؤسسات السلطة الفلسطينية؛ إضافة إلى العمل على محاصرة وفضح كل من يشارك في تأجيج حالة الفوضى والانفلات الأمني؛ كما يتوجب على حركة فتح حسم خياراتها التنظيمية والسياسية لصالح الدفاع عن المقاومة وحماية الشعب الفلسطيني ونبذ كل ما من شأنه أن يحوّل فصيلاً وطنياً إلى مجموعات تتجاذبها المصالح الشخصية الضيقة والأعمال المشبوهة، وتصبح متكأً للقوى الخارجية المتربصة بالشعب الفلسطيني وبقضيته الوطنية.