بقلم : حسن السرات
في غمرة التحولات الدينية الضخمة التي تشهدها البشرية في
منعطف القرن الواحد والعشرين، وفي استجابة لنزوع الشوق إلى الله والبحث عن الخلاص
من جفاف روحي امتد زمنا طويلا بعد قرون الأنوار ، يتصدر التنصير البروتستانتي الإنجيلي
الأمريكي قافلة التدين المسيحي العائد إلى ساحات الفضاء الخاص والعام معا، ويسابق
دعاته الزمن والريح والإسلام والكاثوليكية والبوذية وكل الأديان الجديدة البسيطة
والمركبة في انسجام تام مع الانتشار العسكري. جيوش الرب توغل في شعاب الجبال
وأمداء السهول، كما تعسكر جيوش مبعوث الرب المتربع على كرسي البيت الأبيض في قواعد
عسكرية شيدت في مشارق الأرض ومغاربها لإحكام القبضة على كل أنواع الذهب الأبيض
والأسود، ولقطع الطريق على الذين يدخلون في دين الله مثنى وفرادى وأفواجا.
التدفق الإنجيلي الأمريكي يمثل امتدادا لطوائف التجديد
الديني المسيحي وأحدثها وجودا وأكثرها استنفارا وحماسا، إذ خرج رواده من القارة
العتيقة مهاجرين باحثين عن "أرض الميعاد"، ولما وصلوها ارتكبوا ما لم
يرتكبه أجدادهم في الحروب الصليبية الشرقية والحروب الدينية الغربية، إذ قتلوا
وذبحوا وأسالوا بحارا من الدماء وأزهقوا ملايين من الأرواح في أمتي الهنود الحمر
والزنوج الأفارقة.
اليوم، واغترارا بالغلبة العددية إذ يقدر عدد
الإنجيليين -حسب ما جاء في كتاب "التحولات الدينية بالغرب" للباحث
السوسيولوجي الفرنسي إيريك لونوار- بربع المشهد الديني في الولايات المتحدة وأكثر
من أربعين مليونا بأمريكا الجنوبية وقريبا من هذا في أفريقيا ما تحت الصحراء،
ويخترق التنصير الإنجيلي حاليا كلا من الصين والفيليبن وكوريا الجنوبية والكراييب
وأوروبا الشرقية وأوروبا الغربية -ثلث البروتستانت الفرنسيين- كما ينبت في المناطق
التي كانت المسيحية فيها غائبة أو أقلية كالدول الإسلامية، خاصة الجزائر والمغرب،
وبعد وصول الأحفاد إلى مراكز القرار السياسي والإعلامي والعسكري في دولة الولايات
المتحدة الأمريكية، تفتحت الشهية لرد "الأرواح إلى الرب". ويتميز هذا
المد الإنجيلي المتسارع بخصائص ثلاث هي:
- العمل
بالمجموعات الصغيرة الخارجة عن الكنسية، لتحقيق الدعم النفسي والمادي.
-الجمع
بين المحلي والعالمي أي احترام الخصوصيات الثقافية والنفسية للأقطار، بل العمل على
الدخول على الناس من خلال ثقافاتهم وعاداتهم مع ربطهم بالتنظيم الدولي.
-الجمع
بين العقائد القديمة -مثل الكرامات والمعجزات والرؤى والأحلام والتفكير السحري
الديني- والتكنولوجيا الحديثة خاصة في
مجال الترويج الإعلامي المستجيب للتطلعات والقائم على دراسة مبادئ السوق الاقتصادي.
والحالة هذه، أن الغزو الإنجيلي المتحالف مع الغزو
العسكري يمثل تحديا كبيرا أمام الأديان كلها، خاصة الإسلام بالدرجة الأولى،
والكاثوليكية بالدرجة الثانية. تحدي للعلماء والأمراء والدعاة والمربين والمفكرين
والسياسيين والإعلاميين والخبراء الاجتماعيين والنفسيين في عصر يتميز بميزتين
كبيرتين هما الفردانية والعولمة، فهل نقبل التحدي، أم نتحمل أوزارنا وأوزار
الأجيال الحالية والمستقبلية؟