عن وطننا الغائب- الحاضر

 

 

بقلم : وليد اللوح

 

  قادتنا خطواتنا ودليلنا لجولة ميدانية للإطلاع على المعالم الرئيسة في مبنى الأمم المتحدة الذي "يستلقي" باسترخاء في الجانب الشرقي من منهاتن.

 وهذا المكان لطالما شاهدناه على شاشات التلفاز وتعلقت آمالنا تجاهه لإنصافنا في معاناتنا أمام الاحتلال الإسرائيلي، كنا نغرق في النظر والبحث بين الممرات و الدهاليز عن الصور التي رسمت ملامح لأزمنة مختلفة  تتراوح بين الفقر والجوع والحرب والتشريد والدمار ومشتقاتها.

   عند إحدى الممرات الأرضية التي تربط  المصعد بقاعة الجمعية العامة "تمسمرنا" أمام صور توزعت على الجانبين، وبدأنا نتعرف على المشاهد ذات المنشأ الياباني عن ذكري هيروشيما و ناغازاكي والكارثة التي حلت بهما، و نرحل لنظيرتها القادمة من السودان ومشاهد الجوع والفقر ، و ننشد لرسومات مشابهة  اختزلت ما ألم بالشعب الأفغاني من جهل وفقر مدقع بفعل جرعات الحروب المتتالية التي سكنته وأصبحت حليفته . و"سرقت" أنظارنا  لوحات  تتحدث عن حياة الريف والفقر في القارة السمراء، أما المشهد الفلسطيني فكان غائباً عن هذا المعرض الدائم.

 

   في اليوم التالي ونحن نستمع لشرح مفصل عن عمل مركز المعلومات في الأمم المتحدة وبعربية المصري أحمد فوزي الذي إستمع إلى ملاحظاتنا وانطباعاتنا عن الأمم المتحدة وانزعاجنا لغياب المشهد الفلسطيني. مما جعله يشير إلى هيرو أكيو (القادم من اليابان ويعمل في الأمم المتحدة) والذي يجيد قليلاً من العربية ليصحبنا إلى المكان الذي يحوي لوحات وصور تحمل معاناة الفلسطينيين عل ذلك يبرد قليلا من حرارتنا.

سارعنا برفقة هيرو الذي عمل في العراق أيضاً، للتعرف على صورة فلسطين الحاضر الغائب في الأمم المتحدة المكونة من أربعة مبان رئيسية هي: مبنى الجمعية العامة، ومبنى المؤتمرات، ومبنى السكرتاريا المكون من 32 طابقا، ومكتبة داغ همرشولد( أول أمين عام للمنظمة الدولية)، التي أضيفت في عام 1961. وصمم هذا المجمّع فريق دولي من 11 مهندسا معماريا بقيادة والاس ك. هاريسون من الولايات المتحدة، حتى توقفنا قليلاً أمام لوحات خشبية خجولة تحمل صور توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وخارطة لوطننا الممزق ومشهد يتيم لمخيمات اللاجئين، وكأن لسان حالها يقول بأن الأمم المتحدة أنهت حقبة ماضية من الألم وحولتها إلى حياة أخرى تنعم بالورود مع اتفاق السلام في أوسلو وقفزت عن آلام اللاجئين الذين لا زالوا مشردين في أصقاع الأرض، وأغمضت عيناها عن الجرائم اليومية التي ينفذها جيش الاحتلال في الأراضي الفلسطينية.

  يروي أحد الغائبين عن البرنامج، سامي أبو سالم الذي شارك قبل أربع سنوات في  البرنامج الإعلامي ذاته:وجهت سؤالا للمرشدة التي جابت بهم ممرات الأمم المتحدة عن العبارات التي دونت بصيغة المبني المجهول أسفل صورة خيمة للاجئين وتذكر عددهم دون الإشارة لمن شردهم، عن الجهة التي حولتهم إلى لاجئين(الفاعل) فقالت له "لا أعرف" لأن الصورة وضعت هكذا دون تعليق. وتمنى أبوسالم أن تُعاد صياغتها فوعدت بالنظر إلى الموضوع !!.

 

  الممرات الطويلة التي تقسم المبني المكون من 32 طابقا ويسكنها جيش من العاملين وتزين ممراتها بصور ولوحات من شتى أنحاء العالم، لم تفسح لنكبة الفلسطينيين مكانا ليتذكرهم العالم ويتذكر مسؤوليته تجاههم واكتفت فقط في الإسراف بنشر العديد من الصور لشتى دول العالم تقلب من خلالها ذاكرة التاريخ وترصد آلامه ذات الطراز الثقيل، وتبشر بسلام وأمن لطالما بقيا رهينة الأدراج والرفوف الفاخرة.

فيما يبدو أنه بعد نسيان الكارثة الحقيقية التي حلت بالفلسطينيين أصبح من المهم ألا يبقى أي شاهد عليها حتى الصور.