وا أقصــانـا ... !!

"صرخة هوية"

 

 

 

بقلم: عبد الرحمن فرحانة

 

"لا يمكن لإسرائيل أن تكون دولةً ذات سيادةٍ كاملة إلا إذا كان الهيكل في وسطها ، و إنّ كلّ المشاكل التي تحدث الآن ؛ إنما سببها عدم وجود الهيكل ، و إنّه هو الحلّ لكلّ مشاكلنا" .

 

عبارةٌ مشبّعة بالرائحة التوراتية أطلقتها شفتا (يسرائيل أرئيل) رئيس "معهد بحوث الهيكل" في "مهرجان الهيكل" الدوريّ الذي انعقد في دورته الأخيرة بالقدس في يناير من العام الجاري ، و هي أحرفٌ مكتنزةٌ بمعانٍ دينية و سياسية ؛ تعبّر عن مركزية فكرة الهيكل في الأدبيات الدينية و السياسية الصهيونية ؛ بالرغم من أنّها كلمات تسبح في الفضاء الديني و الأكاديمي ؛ بسبب خلفية الرجل الناطق بها .

 

 

 

و تأتي أهمية الهيكل في أنها العتبة الثانية من عتبات الخلاص اليهوديّ الثلاث ، و هي حسب الترتيب الزمنيّ ؛ قيام دولة "إسرائيل" و بناء الهيكل و ظهور المسيح المخلّص . و رغم أنّ العتبات الثلاث مفرداتٌ دينية إلا أنّها تتداخل بما يشكّل ما في تلافيف العقل اليهودي بطبقاته الثقافية المختلفة – دينية و علمانية - ، و بطبيعة الحال بكثافة تتفاوت نسبتها بحسب الشخص و الشريحة الثقافية .

 

 

 

و على العموم فالقدس و الهيكل يشكّلان إلى حدٍّ كبيرٍ محورَ توحّدٍ ثقافيّ في الأدبيات العبرية ، و يعود ذلك لتمازج المقدّس مع القوميّ في العقل اليهودي . بمعنى أنّ المفردات التي تحمل قداسة دينية لدى المتديّنين تعتبر موروثاً قومياً لدى الطبقة العلمانية ، و من هنا تخلّقت قاعدة التشارك النسبيّ بين حالتي العلمنة و التديّن في الإطار الصهيوني الذي يتجسّد في كينونة "إسرائيل" . مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ هذه الحالة لا تمثّل تطابقاً هندسياً ، إذْ هنالك محاور تناقضٍ متعدّدة ؛ و لكنّ آليات الإدارة السياسية و الثقافية المتّبعة لديهم تخفّف من الاحتكاك و تمنع التصادم .

 

 

 

مقصد الحديث أنّ حالتي العلمنة و التديّن في المشهد الصهيونيّ توافقتا على مفردةٍ أساسيّة واحدة ذات مضامين دينية و قومية ؛ بتفسيرٍ مزدوجٍ دينيّ – قوميّ . و لو أُجرِيَ "مسحٌ اعتباريّ" للملفات المتعلّقة "بالحوض المقدّس" أو "الهيكل" لوُجِدت بنفس الكثافة تقريباً في أرشيف وزارة الخارجية الصهيونية و مراكز الأبحاث السياسية ، كما هيَ في المدارس و المعاهد الدينية اليهودية و المراكز البحثية الأكاديمية . بمعنى أنّ "مُجَسِّد" الهوية الحسيّ الذي يعبّر عنه الهيكل حاضر بقوّة في كافة المشاهد الدينية و الثقافية و السياسية ؛ لأنّه العنوان الأبرز للهوية .

 

 

 

و في المقابل ؛ على ضفتنا ؛ ماذا يجري ؟

 

فماذا يعنى الأقصى للطبقة السياسية التي تقف على هرم السلطة و حوله في المشهد الإسلامي العريض ؟

 

و أين الأقصى كمفردةٍ دينيّة في أجندات السياسة العربية ؟

 

و لماذا القمم العربية لا يتّسع جدولها لمآذنه ، و آخرها قمة الصنوبر الأخيرة ؟

 

أيّها السادة في الشارعين العربي و الإسلامي ..

 

أيها السادة في دوائر النخب الدينية و الثقافية ..

 

ليس للأقصى بقية غيركم .. !! فاسمحوا لي أنْ أخاطبكم ..!!

 

و أنتم تعرفون .. و لكنني أذكّركم فقط . !!

 

 

الأقصى ليس مسجِداً عادياً تحتضن ساحاته سجدات المصلّين كسائر مساجد المعمورة ، و لا تكبُر مآذنه في ملكوت الله الكبير كبقية المآذن بنفس لون الشعائر و طعمها .

 

الأقصى أيّها الموحّدون .. قبلتكم الأولى .. و مسرى نبيّكم الكريم صلى الله عليه و سلم .. و هو بوابة السماء .. و مدرّج المعراج لعلياء السماء .. و من هناك عبر خاتم الأنبياء في طريقه إلى سدرة المنتهى و تقدّم حيث توقّف أمين الملائكة جبريل .. الأقصى اليوم يا سادتي العنوان الأبرز لهويّتكم .. و هو في ذات الوقت تجسيدٌ لصرخة هذه الهوية الجريحة ، و ما ينتظرها من تهديد .

 

 

أيها السادة .. من طنجة حتى جاكرتا

 

أقصاكم في خطر ، و أسواره اليوم  تقف على أكتاف جبال الزيتون هناك متوجّسةٌ من مكائد بني قريضة ، تنتظر جمر النخوة في رماد صمتكم ، فلا تتركوه يئِنّ في الأسر و مآذنه تخشى رعشة الدمار .

 

أخرجوا إلى الشوارع .. ارفعوا أصواتكم .. افعلوا شيئاً غير الصمت ..

 

يا أهل المنابر و أصحاب الأقلام و فرسان الفضائيات ...

 

 

الأقصى هو الكتلة المقدّسة التي تجسّد هويّتكم على الأرض ، و إنْ أُخرِج من أجندة السياسة لتخاذل أهلها ؛ فلا تخرجوه من قلوبكم ، و لا من صفحات أوراقكم ، بل و أدخلوه اليوم في دائرة الفعل .. لأنّه اليوم يحتاجكم .

 

أيها الموحّدون .. الأقصى بحاجة إليكم .. لا تتركوه وحيداً ..!!

 

وا أقصانا .. ثمانية حروف .. أُطلِقها في فضاء العروبة و الإسلام .. فلعلّ حروف الاستغاثة هذه تجد بعض معتصمٍ عباسيٍّ أو شبه صلاحٍ أيوبيٍّ كي نخترق جدار هذا الانكسار .