( 1 ) الشعوب بين الإحباط والغضب والثورة

 

 

 

بقلم :د.صلاح عبد المتعال

samotal50@hotmail.com

 

أثارنى خبر من بكين الصين أن الإكتئاب يجتاح الشعب الصينى حيث ذكرت وسائل الإعلام الحكومية الصينية أن ما يقدر بحو 100 مليون صينى أى ما يمثل 8% من تعداد الصين يعانون الإكتئاب ، وقال باحث فى علم النفس بالأكاديمية الصينية لأبحاث علم النفس أن 20% من الصينيين يعانون بعض أعراض الإكتئاب ووصف الوضع بأنه أخطر مشكلة صحية فى الصين ( الأهرام عدد 43216 ) . يتوازى ذلك مع ماحققته الصين فى معدل نمو زاد عن 9% فضلا عن غزوها لبلاد العالم المتقدم والنامىبمنتجاتها الصناعية والإستهلاكية.

ورغم اشتغالى أكثر من أربعة عقود بالبحث العلمى فى مجال العلوم الإنسانية عامة وعلم الإجتماع بصفة خاصة ، واهتمامى بدراسة الشخصية القومية والحضارية فان الأوضاع المتأزمة الراهنة جعلتنى أطرح سؤالا مشتركا بينى وبين اساتذه علم النفس . وبعيدا عن المصطلحات العلمية، هل يمكن أن تصاب الشخصية القومية بأمراض نفسية وعقلية مثلما تصاب شخصية الفرد العادى أو أن تصاب بالمشكلات الناجمة عن كبت الرغبات  الدفينة والمشاعرالوجدانية الجامحة وتظهر عليها بوادر الأمراض النفسية مثلما تظهر على شخصية الفرد الذى يمكن أن يبوح برغباته وأسراره لصديق أو لطبييب أمراض نفسية فى عيادته الخاصة . فالمشاكل والأمراض النفسية بالنسبة للفرد لا تمثل مشكلة مستعصية أمام المتخصصين من علماء النفس أو أطبائه فى الأمراض العقلية لأن علومهم قد أجتازت أشواطا وخطوات واسعة فى قدرة إختباراتهم على التشخيص وطرقهم الفنية فى العلاج ‘ بل تعدى الأمر الى استخدام وسائل للإرشاد النفسى والتربوى تخصص فيها بعضهم لوقاية الأفراد من احتمالات التعرض والوقوع فى براثن الأمراض العصبية والنفسية .

أما فى علم الإجتماع فالمشكلة غاية فى الصعوبة لأن العقل الجمعى للأمة أو لشعب من الشعوب تتنامى مداركه وقدراته المعرفية عبر العقود بل المئات من السنين . ، فضلا عن مخزون فكره الحضارى عبر الآلاف من السنوات قد يؤثر فى طبائع الشعب ومعاييره الأخلاقية وتقاليده وأعرافه التى قد تتحول الى قوانين مكتوبه تحدد مسارات السلوك للمجتمع ككل . ومن ثم فإن أى إختلال يطرأ على الخصائص النفسية العامة التى يتميز بها هذا الشعب تفوق أضراره ما يحدث للفرد التى يصاب بمرض نفسى .فالفرد فى متناول  المعالج النفسى والأسرة أو مستشفى الأمراض النفسية.

أما المجتمع أو الشعب فمن المستحيل أن يوضع فى متناول أيدى معدودة تحاول إحتواء ما أعتوره من مصائب وكوارث طبيعية واجتماعية  لها آثارها على المزاج الإجتماعى العام .فليس من اليسر بمكان أن أعطى شعبا باكملة جرعة تشفيه مما حاق به من أضرار نفسية أو ذهنية كما يحدث بالنسبة للفرد المريض نفسيا أوعقليا؛ لأن الشعب قد يصاب فى كرامته وسلب حريته وإخضاع إرادته وضياع أو تهديد هويته أو مستقبله وآماله فى الحياة والإرتقاء بها وتحسين مستوى معيشته .، وقد يصاب كما يحدث غالبا أن يتسلق أحد أو فئة باغية مراكز السلطة بالقوة زاعما أنه مبعوث القدر لإنقاذ شعبه ومعالجا  للأزمات الإقتصادية التى حلّت به والكوارث السياسية التى أدت الى هزيمته والمشكلات الإجتماعية التى يعانى منها . وما يلبث من أن يتمكن من السلطة فيتمادى بإسم مصلحة الجماعة أوحماية المكاسب الثورية فى مزيد من سلب الحريات وممارسة الضغوط على الجموع بشتى الطرق الوسائل غير المشروعة وإلباسها أثواب الشرعية الدستورية والقانونية . قد تظهر عدد من المكاسب فى مظاهر الحياة المادية ثم لا يلبث أن ينتقص منها لإشغال الوجدان الشعبى بقضايا الحياة اليومية والسعى اللاهث لسد المطالب الأساسية للمعيشة وعلى رأسها على سبيل المثال بند الدروس الخصوصية لمعالجة كارثة الفشل فى التعليم العام .ومن ثم فان الطبييب المعالج لمرض إجتماعى أصيب به الشعب هو المريض نفسه لا الحكيم أو الطبيب الحاكم الذى يفترض أن يصف ويعطى الدواء . ماذا نتوقع من أعراض لأمراض  نفسية حماعية تقع الأسرة  المصرية ضحية للمعاناه الإقتصادية والسقوط الذريع فى المنظومة التعليمية .

 

( للحديث بقية )