حوار ام تهويد؟

 

 

 

بقلم : حياة الحويك عطية

 

منذ بدأ منطق المخطط اليهودي الاميركي الذي يجمع غلاة الصهاينة الى غلاة المحافظين الجدد يدفع العالم  بشكل محموم الى منطق صراع الاديان والحضارات. فيما يبرر من جهة الهوية الصهيونية القائمة على  الاحادية الدينية العرقية وصراعها مع الاخر، كما يشد الهوية الاميركية، بحسب قول هينتنغتون،لانه  يضعها في مواجهة الاخر.

من هنا اصبح على كل الواعين البحث عن وسائل لمحاربة هذا المنطق بمنطق الحوار.

وعلى الصعيد العربي نشط الكثيرون من الواعين في هذا الاتجاه. ليجدوا انفسهم في مواجهة مع اثنين:  نموذج ابو مصعب الزرقاوي من جهة، ونموذج المتعلقين بذيل التنورة الغربية واليهودية.

هكذا يصبح الامر بالنسبة لموضوع الحوار، فاذا بمؤتمر الحوار الذي تعقده قطر على دورتين سابقتين،  يتحول هدا العام الى مهرجان تهويدي.

 

الكلمة الاولى بعد امير قطر للمجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، ومندوب هذا المجلس هو الذي  يرأس جلسة الاختتام. وما بينهما حاخامات في كل جلسة من بينهم واحدة تحمل مؤسستها اسم اعادة  البناء بما يعنيه ذلك من اعادة بناء الهيكل على انقاض المسجد الاقصى.

 

اما المقررات، فهي ثلاث: كسر الحاجز النفسي، انشاء مؤسسات للترجمة والتعريف بين اليهودية  والاديان الاخرى، والسعي لحل المسائل العالقة.

باختصار تطبيع قبل التوقيع، لا بل تهويد عبر دعوى الحوار.

اعترف ان المفاجأة جعلتني ارى ان الموقف الوحيد امامي هو ان انسحب مند البداية واكتب.

هل نلغي منطق الحوار؟ ام ننساق في الحوار التهويدي؟

لا هذه ولا تلك، بل ان ثمة امور مبدئية يجب تكريسها:

بداية يجب ان ينصب الحوار على موضوع الحضارات لا على موضوع الاديان. خاصة فيما يتعلق بنا  نحن في العالم العربي وطبيعة الحوار الذي نحتاجه مع العالم وحضاراته. وذلك لاسباب تاريخية  وواقعية تتعلق بالفوارق التكوينية بين مجتمعنا العربي والمجتمعات الاخرى,

فقد كان قدر هذه المنطقة من العالم ان تنزل فيها الاديان السماوية تباعا. مما جعل الشعب الواحد،  الحضارة الواحدة، السلالة التاريخية الواحدة تمر بعدة مراحل دينية، اذ يعتنق بعضها الدين الجديد ويبقى  بعضها الاخر على الدين السابق. وابلغ دلالة على ذلك توزع الاسرة الواحدة على عدة طوائف  واديان. من هنا لم يكن اختلاف الدين اختلافا في الحضارة والثقافة وانما اختلاف في الايمان فقط.  بينما ظلت الحضارة تجمع الجميع. واذا كانت سمة هذه الحضارة مند ثلاثة عشر قرنا هي الاسلام، فإن  ذلك جعل الحضارة العربية حضارة عربية اسلامية ينتمي اليها الجميع على اختلاف اديانهم. بمعنى  الانتماء الحضاري لا الديني الايماني. ويعني انتماؤهم اليها تشكل وجهها من مزيج تاثيرها فيهم  وتأثيرهم فيها.

 

من هنا لم تكن ثمة حاجة الى حوار الاديان لدينا نحن على الساحة العربية، لاننا نعيش ونتعايش بتلقائية  الحياة منذ الاف السنين، والدعوة الى الحوار اليوم اشبه بمن يطلب الى زوجته الاتفاق على شروط عقد  الكتاب بعد ان زوجا اولادهما ويصبحا اجدادا.

 

نحن اذن لا نحتاج الحوار الديني لانه يجزؤنا، وهم يحتاجون الحوار الديني لانه يمهد لوحدتهم.

 

اما في المنحى الاخر فنحن نحتاج لحوار الحضارات، لاننا من جهة اصحاب حضارة مستهدفة نحتاج الى  مساحات للدفاع عنها، ولاننا اصحاب حضارة يتم تشويهها على يد الكثيرين وخاصة على يد اللوبيات  الاقتصادية والسياسية التي تطمع بنا وعلى راسها اللوبيات اليهودية التي تريد تمرير الخطط الصهيونية  على رؤوسنا، مما يجعلنا نحتاج الى ساحات لاظهار وجهنا الحقيقي.

 

من هنا لا يكون الحوار بين الاديان عملا مقبولا الا في حال واحدة، اذا حصل من منطلق هذا الوعي، واذا  تم في الدوائر الداخلية التي لا تشرح العالم عاموديا بحيث ننقسم نحن العرب الى شرائح المسيحي منها  يحسب على الغرب والمسلم على سائر المسلمين فيما يعطي مبررا لخلق الشريحة اليهودية الموحدة على  امتداد مجتمعات العالم.

 

واذا ما قبلنا بمنطق ان البحث عن القواسم المشتركة بين الاديان وابرازها ليس عملا سلبيا خاصة بعد  منطق تضادها الذي عززته احداث الحادي عشر من سبتمبر. تصبح القضية المربكة هي: كيف  تتعامل مع ادماج اليهود في هذا الحوار؟

 

بالعودة الى المفهوم الذي ناقشناه اعلاه لتشكل الحضارة العربية، لم يكن لليهود العرب يوما من مشكلة في  الحياة داخل المجتمع العربي، ولم يعرف هذا المجتمع ثقافة الغيتو الى ان جاء قيام دولة اسرائيل ليخلق اول  غيتو كبير على الارض العربية، وليستاصل اليهود العرب المندمجين مع مجتمعاتهم التعددية ويعزلهم في  مجتمع احادي عنصري. واذا كانوا هم قد اختاروا العنصرية والعزلة والعداء فهدا ذنب قناعاتهم  اليهودية لا ذنب الحضارة العربية.

 

لذا يكون اساس الرد الحضاري العربي على المشروع الصهيوني هو تعزيز التعددية العربية في مواجهة  الاحادية الصهيونية، وذلك ما يحققه حوار الحضارات لا حوار الاديان.