ما الذي تحقق للجهاديين من حروبهم؟
بقلم : د. ديرار عبد السلام
كل حديث عن الارهاب هو حديث عنا، وكل النقاشات عبر ارجاء
المعمورة حول هذه الظاهرة نحن موضوعها، لا لشيء سوي لكون الفاعلين الاساسيين الفعليين او المفترضين
في هذا السياق يحسبون علينا ومنا وتحسب افعالهم من منتوجات حقلنا الثقافي ومنظومة قيمنا. فهل نملك القدرة علي
المشاركة في هذه النقاشات واغنائها خارج الدائرتين
المغلقتين غير المنتجتين للتمجيد والذم؟ هل نملك الشجاعة التي تخلصنا من الخوف من ان نتهم من قبل امريكا او من قبل الجهاديين؟
ام نستمر في اتخاذ موقف السكوت باعتبارنا
عاجزين عن القول العلمي (الموضوعي) في مثل هذه الظواهر والوقائع باعتبارنا معنيين الي اقصي الحدود بها وبالضبط باعتبار انتمائنا لسياقها الثقافي؟
هذه محاولة للقول في
جانب محدد من الظاهرة التي لا نرضي لها ان تنضاف الي ركام تابوهاتنا وممنوعاتنا. وبكل تحديد،
هذه محاولة للقول في الانجازات او المكتسبات او الاثار (ما دام المفهومان الاولان يحيلان الي معني الاقرار والاستحسان) المتحققة علي ارض الواقع للجهاديين من
حروبهم مع الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما
باعتباره يمثل من وجهة نظرهم وتأويلهم لعقيدتهم الشر والكفر.. والعدو للاسلام.
وللاشارة المنهجية، فاننا سنسعي بكل ما نملك من ارادة التخلص
من الذاتية (وان كان الحياد المطلق مجرد وهم) ـ تجنب الوقوع في احد فخين لان كل
منهما سيحرم كلامنا من اية قيمة علمية: الدعاية
للجهاديين وتمجيد افعالهم وبالتالي تأجيج النزعات
الحاقدة علي امريكا بالخصوص (وان كنت لا استطيع كانسان انكار حقدي اللامحدود علي هذه الـ امريكا وعلي حكامها بالخصوص
المهووسين بالبترول واستعباد الاخرين من اجله)، او الانطلاق من الكراهية العمياء لهم (الجهاديين) والسقوط في
التبرير الرخيص لحروب امريكا وغزواتها.
كما ان هناك ملاحظة منهجية ثانية جديرة بكل الاهتمام. وهي كون
الموضوع الذي غامرنا بالخوض فيه ليس كبقية المواضيع الكلاسيكية التي تتعامل معها السوسيولوجيا (اداتي وسلاحي انا في هذه الحالة) والعلوم الانسانية
عموما. انه يمثل الظاهرة الانسانية المشهورة بالتعقد في
ابهي صورها، تتداخل فيها العديد من الابعاد،
وتلتقي عندها الكثير من الرهانات والحسابات، وتتمظهر في
تجليات شتي، منها الفعلي ومنها الكثير من الزائف والخادع والمفبرك والمبالع فيه قصدا من جهة، والمسكوت
عنه وغير المعلن والمهمش من جهة اخري.
وكل ذلك ضمن حسابات محددة. ثم انه موضوع لم تتحدد كل معالمه بعد، حتي ان كثيرا من المستقبليين
يؤكدون ان افرازاته القصوي لم تنضج بعد وان مداها قد يمتد بالشكل الذي يصعب تصوره
وعلي صعد قد لا تكون في حسبان اكثر العقول قدرة علي
التوقع.. وبناء علي كل ذلك حرصنا علي اختراق الطرق والاساليب
الكلاسيكية في رصد الظواهر ما دام المتن الذي يشكل حقل اشكالية
موضوعنا ليس البتة كبقية المتون المألوفة، انه متن يشمل الواقعي والخرافي، الواقعي
والوهمي، الواقعي والمفتوح فيه الي الحد الذي يجعله
يبدو غولا قادرا علي التدمير الكلي! كما انه متن يلتقي فيه السياسي بالاقتصادي، والجيو ـ سياسي بالديني، وكل ذلك حسبناه وحرصنا علي الوعي بان
الامر يتطلب منا حسا تفكيكيا
وتأويليا عاليا من جهة، وقدرة عالية علي تصيد العلامات الدالة التي هي في حالة
موضوعنا مما يراد اخفاءه في العديد من الحالات. وفي
جميع الاحوال، فالواقع العلمي بمعناه اليوم هو اساسا صناعة وليس ابدا طبيعة.. والباحث
الفعلي هو الملم بخيوط تلك الصناعة لا من ينتظر المعطي الجاهز ليصفه:
اولا: كل متتبع حذق لمجريات الاحداث
وكل راصد فعلي للواقع ولمنطق انبناء الوقائع منذ 11
سبتمبر الشهير، لابد وان يقر بكون الجهاديين نجحوا فيما لم يكتب لغيرهم النجاح فيه
من قبلهم، حتي بالنسبة لاذ خصوم امريكا
والغرب الذين لا مجال لمقارنة امكانياتهم بما تأتي
للجهاديين. ونقصد بذلك كون هؤلاء الجهاديين تمكنوا من ان
يصيبوا امريكا بالخصوص (وطبعا بقية المجتمعات الغربية
بدرجات متفاوتة) في صميم وجودها الذي كانت في اوج
الاحتفاء به والدعاية له خصوصا وان النموذج المنافس (الاشتراكي)
تهاوي والالة الاعلامية
ناجحة بدرجة كبيرة في ترسيخ وتبيثت مكارثيته
والتحريض علي اجتثاث كل بقاياه من علي الارض: لقد تمكن الجهاديون ـ وفي ظرف قياسي جدا وبشكل لم يكن متوقعا ابدا ـ من الدفع في اتجاه التحويل الطفري للمجتمع الامريكي (وللغرب عموما) من مجتمع ديمقراطي ينعم بالحريات
وتتعايش فيه الاجناس والديانات، يرفض التمييز والعنصرية
ويحيا الامن والطمأنينة، الي
مجتمع يحتم عليه الرعب في اقسي حالاته، وتصادر فيه كل الحريات، بل وتغدو فيه
مقولته الشهيرة ان كرامة الانسان
فوق كل اعتبار وحريته اول ما يصان خارج اي اعتبار الي الحد الذي دفع جون لوكاريه الي القول غداة 11 سبتمبر،
قضمت الحقوق والحريات العامة في امريكا علي نحو منهجي (1)،
وهو تعبير شديد الدلالة علي ما آلت اليه الامور. فدخول طائرة (او حتي طائر ضخم!) مجالا جويا عن طريق الخطأ، والاعلان الكاذب لطفل يلهو او
معتوه بوجود قنبلة بمحطة قطار او ميترو
او مطار.. والعثور علي مسحوق ابيض ببرلمان او مجلس شيوخ او مجمع تجاري او ادارة او..
(حتي وان كان مجرد كمشة طحين
او ما شابهه!) مجرد ذلك او حتي نصفه او اقل منه بكثير بات
يخلق حالة من الرعب والهلع اللامحدودين داخل مدينة او مدن، بل حتي داخل اوطان بكاملها. لقد اصبح الخوف
مكونا اساسيا في الحياة اليومية لمجتمعات كاملة ما فتئت
تتباهي بكل ما يناقض هذه الحالة بدرجة المطلق تقريبا! ها قد باتت شوارع المدن الامريكية مرشحة للتحول الي حلبات
مفتوحة للركض الجماعي المفزوع وبالملابس العادية اليومية في اية
لحظة. انها الفوبيا والابشع من كل ذلك ان مصدر هذه الفوبيا لا يمكن الاشارة اليه تحديدا وتعيينا لانه لا يتجسد
لا في شكل دول ولا في شكل منظمات معروف مجال اقامتها او تحركها (2) فهل هناك اقسي من كل هذا علي مجتمعات كانت الي الامس القريب وبالضبط الي اخر ليلة قبل 11 سبتمبر تنعم بالهوء والسكينة وتسعد بالامن والامان؟ وتزداد الصورة قتامة حين يعمد حكام الولايات المتحدة الامريكية
ـ ولاغراض انتخابية جد ضيقة ـ الي
استثمار حال الشعب الامريكي الذي بات مشهورا عالميا
بالجهل والغياب عما يجري في العالم وعن علاقة حكامه بالعديد من الالام والجراح والكوارث التي تعاني منها العديد من شعوب الارض، بابقائه (هذا الشعب الامريكي) في حال دائمة من الخوف والجهل (3).
اما الديمقراطية و الحريات و.. وما يستتبعهما من شعارات ظلت لعقود طويلة بمثابة مباديء اساسية للمجتمعات الغربية،
فان المتتبع لمجريات الاحداث لا يجد صعوبة في اثبات ان احداث
11 سبتمبر جعلت منها ذكريات ليس الا: فقانون الوطنية
الذي اقره مجلس الشيوخ الامريكي غداة تلك الاحداث، ببنوده التي يلح بوش اليوم علي تمديد العمل بها رغم انتهاء مدة صلاحيتها كفيل وحده بالتأكيد علي ان مضمون الحياة الديمقراطية كما هو منصوص عليه نظريا وكما
مورس بكل الديمقراطيات الغربية قد شهد نكوصا كبيرا ان
لم نقل تقهقرا خطيرا لم يكن ليخطر علي بال، فمداهمة البيوت والاعتقالات التعسفية والتنصت علي المكالمات الهاتفية،
هذه الاعمال المشينة التي كانت مرادفة للتخلف ومتعارضة كلية مع
الحداثة السياسية التي يحياها الغرب، عادت بقوة الي مراكزه الاساسية، بل ان مطاردة الرعايا الاجانب علي الارض الامريكية تواصل بلا هوادة،
كما يختفي المأذون لهم بالاقامة من اصل
كوري شمالي او شرق اوسطي في
سجون سرية استنادا الي اتهامات سرية صادرة سرا عن قضاة.
والفلسطينيون المقيمون في الولايات المتحدة الذين طالما اعتبروا في الماضي رعايا
من دون وطن، وبالتالي لا يمكن ترحيلهم، يسلمون اليوم الي
اسرائيل لاعادة توطينهم في
غزة او الضفة الغربية اللتين ربما لم ترهما اعينهم من قبل (4). فهل يمكن تصور اندحار للتسامح ابشع من هذا؟ وهل كان بامكان اخصب الخيارات تصور هذه العودة المفجعة للتمييز والعنصرية؟
وهل يجرؤ مفكر او فيلسوف بعد اليوم علي القول بأن
البشرية في تطور مطرد وان العقلانية تطرد ما عداها وان ما بعد الحداثة تعمق لما
جاءت به الحداثة لاخيانة له
ونكوص عنه؟
كل مسلم بات متهما حتي تثبت براءته بأمريكا (المتوافقة ايقاعا
هي والديمقراطية والتسامح.. وكل رموز الحداثة!!)، وركاب
الطائرة الغربيون يمنعونها من الاقلاع الي ان يتم طرد مسلم مسافر بينهم،
والعديد، ان لم نقل معظم الجمعيات الخيرية علي الارض الامريكية، تم ربطها ويصار الي ربط الباقي منها بالارهاب لا
لسبب سوي لكون الفاعلين فيها مسلمون.. الم يتحدث بوش عن حرب صليبية وعن الخير الذي
سينتصر حتما علي الشر ؟! ومشهور ان البون شاسع بين ما
يقصده بوش بـ الخير و الشر والمعاني النبيلة لهذين
المفهومين في الاكسيولوجيا.
ثانيا: الانجاز او الاثر الثاني الذي يحسب
للجهاديين من حروبهم والذي لا يمكن لكل ملاحظ نزيه الا ان يؤكده، هو كون الجهاديين بدخولهم المعركة عروا تماما طبيعة
العلاقة الجد منحطة التي تجمع معظم الحكام العرب بامريكا
والتي تجعل منهم مجرد اقزام تافهة تنفذ اوامر اسيادها وتبذل كل ما في
وسعها واكثر لضمان هلاك شعوبها (او
بالاحري الشعوب التي نصبت علي رقابها في غفلة من امرهل لتسهيل عملية نهب خيراتها واغتيال امكاناتها)
لارضائهم والظهور بمظهر المتطابقة اهدافه
وافعاله (وحتي احلامه) مع غايات الاسياد
وطموحاتهم (حتي وان كانت هي انقراض تلك الشعوب): لقد
تسابق هؤلاء الحكام نحو فبركة ما اصطلح عليه قوانين مكافحة الارهاب
وان هي الا آليات استبدادية اضافية
تدفع في اتجاه تحويل مجتمعاتهم الي كيانات بدون قانون
فعلي يصون كرامة الانسان في ابسط معانيها، وتعلن
الاستعداد المطلق لمحاصرة والتضييق علي كل ما اختارت امريكا
نعته بالارهاب. كما تسابقوا وتنافسوا في مد هذه الـ امريكا بالمعلومات وبكل ما
تطلبه ولا تطلبه، وفي فتح اراضيها ومياهها ومجالاتها
الجوية واستباحتها للجيوش والمخابرات الامريكية للقيام
بكل ما يخطر ببالها ويفترض فيه حماية مواطنيه ولو كان فهي اكبر الاذي لمواطني (او بالاحري لرعايا) هذه الشعوب المسلمة.
يجد الملاحظ صعوبة
بالغة في حصر كل اشكال والوان
هذا التماهي العميل اللامشروط
لمعظم الانظمة العربية مع رهانات ورغبات واملاءات الادارة الامريكية مهما كانت متعارضة مع مصالح الشعوب (العربية) والانسان (العربي).
فمن تنازل عن ترسانة اسلحة صرفت لاقتنائها الملايين الي
اعادة النظر في البرامج التعليمية بما يرضي امريكا (وحتي اسرائيل)
و(قريبا جدا الشيطان!) واختلاق ذرائع للتضييق علي كل ذي توجه اسلامي
غير مشبوه، بل والتنكيل به ورميه في غياهب السجون بتهم
ملفقة.. واصدار الاوامر
لوسائل الاعلام لتكثيف فعلها الخبيث المتمثل في افساد الاذواق والاخلاق
واطلاق العنان لبعض الدجالين لسب الاسلام
والمسلمين وربطهما المتعسف بشكل مفضوح بالتخلف والانغلاق وهما منه براء (وللاشارة الضرورية بعد البون بيني وبين ان
اكون اصوليا، الا اني مسلم ولست بوذيا ولا
يهوديا..) وهل يمكن اغفال ما انتهي اليه
بعض الكتبة السعوديين من ادانة العرب والمسلمين وقرض
الشعر في مفاتن امريكا والامريكيين؟
فهل يمكن تصور مسوخ ودعارة اكثر من هذا وتلك؟
ثالثا: انجاز بارز اخر علي ارض الواقع وتنطق به
الوقائع لا يمكن انكاره علي الجهاديين، ويتمثل فيما حل
بالعديد من المسماة احزاب عربية ظلت تتغني ـ زيفا
ولعقود طويلة ـ بشعارات الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و المساواة و التقدمية و..
و.. الي الحد الذي تحولت معه هذه الشعارات الي طقوس ادخلتها في حالة غيوبة لم تخرجها منها سوي الاعلانات
الجاهرة بانهيار الاتحاد السوفييتي (كما اريد له ان يتهاوي)، والذي لم تجد
له تفسيرا لاستفحال جهلها المطبق وبعدها الكبير عن منطق الحزب كتنظيم يؤشر للحداثة
السياسية، مما ادخلها مرحلة ارتباك وضياع كلي لم تكن لتجد لهما مخرجا لولا احداث 11 سبتمبر. اذ يلاحظ المتتبع
المفكك لخطاب معظم هذه الاحزاب الانقلاب العنيف
والممقوت في خطابها الذي ودع لغة الاشتراكية و العدالة الاجتماعية و التقدمية الي الوقوف في وجه الظلاميين ! و مواجهة الفكر المتحجر ! و ضد الاسلاموفوفيا
! و المجتمع الحداثي ! (طبعا بالمعني الذي يتعارضون به مع الاسلاميين لا اكثر) بل بالمعني الذي يجعل الحاكم الجائز حداثيا!! في الغالب الاعم.
هكذا تحولت العديد من
الاحزاب العربية التي كانت تقدم نفسها تقدمية الي حليف للحاكم المستبد بل الي
منقذ له من حالة افلاس وسقوط كانت جد وشيكة.
رابعا: انجاز اخر يحسب للجهاديين، وهو انجاز كبير الاهمية
والدلالة بالنسبة لنا نحن المسلمين علي الارض: لقد كشفت
واثبتت كل الاحداث والوقائع
غداة 11 سبتمبر ـ ان الاسلام
يستمر ـ وبعد اكثر من 14 قرنا ـ في تشكيل عامل حاسم في
لم الشمل واستنهاض الهمم، ويطرح امكانيات هائلة للتعبئة
المضمونة فعاليتها. انه الثقافة القابلة للتجدد الي ما
لا نهاية وبالتالي فالمشكلة اليوم فينا وليست فيه. كل شيء بعد 11 سبتمبر ينطق بكون
الاسلام مكون اساسي لثقافتنا.
بل هو المكون الذي لا يمكن بأي حال من الاحوال القفز
عليه او تجاوزه وتجاهله. وقد يراهن الباحث في الشأن
الحزبي العربي بالافتراض بدرجة عالية من الثقة ان فشل الاحزاب السياسية العربية في اكتساب موقع لها في قلوب ووجدانات الجماهير العربية انما
يتمثل في عدم استثمارها للامكانيات الهائلة التي يتيحها
الاسلام. ونفس الرهان قائم حول سر نجاح العديد من الانظمة العربية الجد فاسدة في الاستمرار في امتصاص غضب
شعوبها رغم كل اشكال الفقر والعوز، ورغم كل الوان الظلم والقهر، لانها تحسن
استثمار الاسلام وبالضبط لا تقانها
لعبة استمداد الشرعية منه من خلال عملها الخبيث علي خلط مفهوم الله ومفهوم السلطان
في مخيال المقهورين والمظلومين وتخريب كل امكانيات نمو ميتا معرفهم (meta - cognilif)
الضامن وحده لاحساسهم بالخديعة.
هل نستمر في انكار ان معظم جماهيرنا يتعاطف مع
بن لادن؟ وتضخم هذا التعاطف بشكل جد مثير غداة الغزو الامريكي
للعراق. اؤكد اني حرصت ـ
تجنبا لكل ذاتية ـ (والحال اني لا اتفق مع منطق القاعدة
وسبق لي تأكيد ذلك في كتابات سابقة) (5) علي استجلاء مواقف فئات متعددة باساليب وتقنينات مختلفة وقراءة
استجابات متعددة وفي وضعيات جد متنوعة حول العمليات التي تنفذها القاعدة ضد الامريكيين وحول افلات بن لادن او الظواهري او الزرقاوي من اعتقال كاد ان يكون
محققا، فاكتشفت ـ كما يمكن ان يلاحظ اي مراقب عاد ـ مدي النشوة التي تغمر العديدين (الاغلبية الساحقة) عنه تنفيذ عملية ذات قيمة من قبل القاعدة،
وحجما كبيرا لمشاعر الغبطة عند افلات فاعل في القاعدة
من اعتقال او قتل او شر ما.
اما اعتبار القاعدة مسؤولة
عما تتعرض له جالياتنا في المجتمعات الغربية وخصوصا بالولايات المتحدة الامريكية و القاعدة مسؤولة عن
تشويه نظرة الاخرين الي الاسلام و القاعدة تكرس الانتظارية
في مجتمعاتنا وتعمق السقوط في تصورات خرافية لاساليب
تغيير اوضاعنا وانظمة حكمنا
الفاسدة، لا تصورات عملية تقتضي عملا جماهيريا يوميا لا تنتظر البطل الاسطوري!! كل هذه تحليلات لنخب معزولة، لا اتصال لها
بالجماهير في المجتمعات العربية (ولا انكر اني واحد منها ولكن بدرجة معينة لوعيي بالمعضلة).
واكاد اجزم بالمناسبة ايضا
ان غرق مثقفينا (او نسبة
كبيرة منهم علي الاقل) في الحديث عن الحداثة و ما بعد
الحداثة ومعضلاتهما، والهيرمينوطيقا ومفاتيحها ومغالقها!! و هايدغر والحداثة ودريدا والحداثة و نيتشه والجينيالوجيا
وابتعادهم (مثقفينا) عن مكونات واقعنا الفعلي (ومن بينها ان
لم اقل من اهمها الاسلام)،
واحد من العوامل الكبري المفسرة لهذا الانقطاع بين هؤلاء
المفكرين ومجتمعاتهم.
خامسا: هناك ايضا مسألة اساسية تحققت للجهاديين
ولا يمكن انكار انها ستحسب
لهم لعقود طويلة بعد ان حسبت لعقود اخري
ماضية للفيتناميين وللثوار الجزائريين وللبطل المغربي عبد الكريم الخطابي ورفاقه
في حروب التحرير، ونقصد بذلك اثباتهم علي ارض الواقع
مرة اخري ان القوة العسكرية
مهما تطورت ومهما اقترنت بما تقدمه التكنولوجيا في اعلي مستويات تطورها والمخابرات
المستندة الي العلم، كل ذلك لا يضمن استسلام الاخر بالضرورة (لعدم امتلاكه لكل ذلك)، ولان الانتصار مضمون
بالنسبة للاول بداهة!! وللاشارة
الضرورية، فالجهاديون باعادة
تأكيدهم القوي لهذه الحقيقة العملية في لحظة قال الكثيرون عبر العالم غداة انهيار
الاتحاد السوفييتي الي الاعتقاد المستسلم بأننا سندخل
مرحلة طويلة من الخضوع والطاعة، اعطوا المصداقية
لمقولات الفكر العلمي الجديد المتخلص من الاطلاقية
والحتمية ومن كل الدوغمائيات العلمية التي ظلت سائدة الي عهد قريب، خصوصا فيما يتصل بالانسان
والظواهر المرتبطة به: فكما ان
الانسان المقهور والمظلوم والمغبون لا يثور بالضررة علي حاكمه لانه قد يلجأ الي التسول او الافراط
في الصوم او التحول الي لص (وهي
مسألة قابلة للتفسير بنجاح الحاكم في تغييب هذا المظلوم او
حتي في تجريده من كل صفات الادمية)،
فان المالك للسلاح المتطور المصحوب بالتكنولوجيا العالية التطور والمخابرات
المحسوبة كل حركاتها بلغة العلم لن يضمن استعباد العالم واستسلام العالمين ما دام الانسان لن يخضع بالضرورة بل قد يبتكر آليات للمواجهة تتناقض
ومنطق اشتغال اسلحة العدو، وبذلك يضمن خربطة كل اوراقه وتشتيت كل
مخططاته، ولم لا اصابته بحالة من الجنون واجباره علي التفكير في سبل للافلات
بجلده لا استعباد الاخرين. الا
يمكن تفسير التفكير الجدي اليوم للادارة الامريكية للخروج من المستنقع العراقي وفتحها للحوار (السري
طبعا) مع من كانت تعتبرهم اشد اعدائها الي غاية الامس القريب كفشل ذريع للسلاح المتطور ولكل القوة المتغطرسة ولكل المخابرات
العالمية في قهر هذا الكائن (الانسان) الذي يستلزم
الحديث عنه الكثير من لغة الاحتمالات والقليل من لغة القوانين الصارمة، لانه كائن ذو ارادة، متي توفرت تقهر كل الطغيان مهما بلغ جبروته، ومتي غابت، يسهل تحويل من تغيب عندهم (من طرف حاكم فاجر او مستعمر غاصب مثلا)، الي كائنات
تهيم.
وهل نضيف سؤالا اخر اكثر قلبا لكل المعادلات واكثر بعثرة لكل المخططات والتنبؤات: ماذا لو تمكن الجهاديون بالفعل من امتلاك شكل من اشكال
السلاح الذري او الجرثومي؟ فهل تستمر الولايات المتحدة الامريكية بعد ذلك في اعتبار ميولاتها
واندفاعاتها الهيمنية كـ
استحقاقات ؟ وهل سيستمر صقور ادارتها في تزيين كل
المغامرات والغزوات ام انهم
سيضطرون للاختفاء عن الانظار لفسح المجال امام ذوي ملامح غير بشعة قادرين علي الدعوة الي الحوار والتفاوض وكل لغة العقلانية ونبذ العدوان!!
تلك اثار للجهاديين علي ارض الواقع، تحققت لهم من حروبهم، يصعب انكارها لانها اضحت
وقائع تشهد بالفاعل وتنطق بالمحرك لها والمحوري فيها، بل تنبيء
بافرازات لوقائع اخري متعددة
ومتشابكة الي الحد الذي لا تتردد في الاعتقاد بانهم (الجهاديون) سيوجهون العالم
بسياسته الدولية وعلاقاته الدولية وميزانيات دوله الكبري
المهيمنة وعلاقة مراكزه المسيطرة بهوامشه المضطهدة وعلاقات الحاكمين بالمحكومين.. وجوانب
اخري عديدة من الحياة اليومية للشعوب المتقدمة، وبدرجة
اكبر تلك المسماة متخلفة والمسلمة منها علي وجه التحديد، علي الاقل
خلال العقود الاولي من القرن الواحد والعشرين، ولكن
بشكل اكثر حدة بكثير مما مارسته الاشتراكية خلال القرن
العشرين، لا لشيء سوي لكون الماركسية كفلسفة للاشتراكيين كانت ابداعا
(ايديولوجيا) حديثا. اما الجهاديون، فيستمدون مشروعيتهم ورمزيتهم من منبع اجمع كبار السوسيولوجيين والانثروبولوجيين
المعاصرين بمن فيهم الامريكيون ان
قيمه لن تنهار، وان قيم العم سام غير قادرة علي هزمها مهما وفره حكام البلاد الاسلامية (المتآمرون في الغالب خصوصا علي الارض العربية) من شروط الانكسار والاستسلام. لسبب بسيط هو
كونها قيما تضرب في عمق التاريخ ولها من الجذور ومن كل شروط البقاء ما يجعلها
قادرة علي الصمود امام ابشع الوان التدمير.
هذا هو الاسلام.. فهل تستطيع امريكا ـ هذا
الكيان الـ بدون قرون وسطي ـ ان
تفهمه؟! نجزم بأن ذلك سيتطلب منها وقتا طويلا مما سيضاعف اثار
الجهاديين.. بل قد يضاعفهم بشكل مثير.
* باحث في
سوسيولوجيا التحديث من المغرب
هوامش:
(1) جون لوكاريه: صحيفة
لوموند ـ عدد 19 ـ 20 كانون الثاني 2003 ص 9.
(2) جاك دريدا: ما
هي الدولة المارقة في ذهنية الارهاب، لماذا يقاتلون
بموتهم؟ ترجمة بسام حجار، المركز الثقافي العربي ـ الطبعة الاولي
ـ 2003 ـ ص 83.
(3) جون لوكاريه: نفس
المرجع، ص 9.
(4) جون لوكاريه: نفس
المرجع، ص 98.
(5) انظر علي الخصوص مقالنا: آلام كيركغاردية ـ القدس العربي ـ عدد 4427 ـ 14 غشت 2003.