رؤســـاء إلى الأبــــد

 

 

 

بقلم : محمد كريشان

 

إذا كان تغيير رؤساء التحرير ومجالس إدارات الصحف المصرية تطلب كل هذا الوقت والجدل فكم يمكن أن يتطلب تغيير رئيس الدولة ؟!! وإذا كان مسؤولو ما يسمي بالصحف القومية، أي المملوكة للدولة، استمرؤوا البقاء في مناصبهم فوق العشرين عاما فما الداعي لأن يشرع الرئيس بالزهد في الحكم قبل الثلاثين أو الأربعين عاما؟!! وإذا كانت إزاحة مسؤولي هذه الصحف حظي بكل هذه الهالة الإعلامية فماذا بقي من هذه الهالة مدخرا إذا ما قدر ليوم إزاحة الرئيس أو الحكم أن يأتي؟!!

 

ما جري مؤخرا في مصر جدير فعلا بالتوقف، كنموذج فقط، لأن في غير مصر كذلك مصائب لا تحصي ولكن الكبير دائما، أو ما يفترض أنه كذلك، جدير دائما برصد من نوع خاص لا سيما إذا كان ما زال هو يؤمن بدوره الريادي أو تراه أطراف دولية مؤهلة لدور كهذا في مجال الديمقراطية تحديدا. بيت القصيد هنا هو ما يسمي بالتداول علي المسؤوليات، منطلق بسيط للغاية وهو أن سنة الحياة، والحياة العامة بدرجة أخص، تقتضي ألا تتكلس المسؤوليات العامة والقائمين عليها عبر الضخ المتواصل لدماء جديدة إليها بوتيرة معقولة تجمع بين الحرص علي استقرار المؤسسات من ناحية وضرورة استمرار تدفق عطائها بروح جديدة متجددة. ولهذا من الصعب جدا في أي دولة قانون ومؤسسات حقيقية أن يظل الواحد رئيسا لجمعية أو حزب أو شركة أو حتي فرقة كشافة لأكثر من عشر سنوات مثلا كحد أقصي، وبآلية واضحة ومنجزات ملموسة تسمح له بذلك، أما عندنا فالداء مستشر طولا وعرضا في الأوساط الرسمية وكذلك في ما يسمي جديا أو تجاوزا المجتمع المدني

 

نفس الميكانيزم الذي يجعل الرئيس لا يريد التزحزح من مكانه تنتقل بأحجام متفاوتة من وسط إلي آخر بل هي في صفوف أحزاب المعارضة والجمعيات أنكي وأمر لأن من يبقي رئيسا لحزب معارض لعقود لا يمكن له أخلاقيا وسياسيا أن يلوم أعلي هرم الدولة علي أنه لا يريد أبدا النزول من هذا الأعلي ، وأذكر جيدا حديثا دار بيني وبين مسؤول فلسطيني بارز عن مآخذ الدكتور حيدر عبد الشافي علي قيادة الراحل الشهيد ياسر عرفات فرد بالقول يمكننا أن نتوقف كثيرا عند ممارسات أبو عمار فقط بعد ما يحدثنا عبد الشافي عن حصيلة كل هذه العقود الطويلة التي ما زال فيها رئيسا بدون منازع للهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة!!. وعلي هذا المنوال يمكن أن نقيس فإذا كان رؤساء بعض أحزاب المعارضة في المغرب العربي وشرقه لا يزالون هم أنفسهم منذ سنوات ومنهم من ورثه في الزعامة ابنه أو حتي زوجته فهل يجوز لهؤلاء أن يلوموا الرؤساء إن هم فعلوا ذات الشيء؟!.

 

وفي سياق نفس الميكانيزمات تتكون مع الأيام حول المسؤول مجموعة من المستفيدين يتحولون لاحقا إلي مجموعة من الدجالين يزينون له كل شيء حتي يصدق هو نفسه أنه لا يوجد فعلا من هو أفضل منه لشغل هذا المنصب أو ذاك وأن الأمور ستنهار إن هو ترك فيظل ممسكا بالكرسي بشكل مرضي باحثا عن كل التخريجات والتبريرات التي تجعل من استمراره في هذا المنصب ضرورة إنسانية لا تقل عن ضرورة استمرار الماء والأوكسيجين في الكون.

 

لهذا دائما يستحضر الناس دائما عظمة رجل كنيلسون مانديلا، قضي 27 عاما في سجون نظام الفصل العنصري وكان يجد من يبرر له البقاء مثلها أو نصفها علي الأقل في سدة الرئاسة بعد انهيار هذا النظام لكنه آثر المغادرة بهدوء بعد فترة رئاسية واحدة لهذا ظل عظيما خارج السلطة فيما بقي كثيرون غيره أقزاما وهم فيها. فالسياسة كما الرياضة من الأفضل الاعتزال طواعية وفي الوقت المناسب قبل أن يشرع نفس الجمهور الذي صفق للبطل طويلا.